تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال يزيد بن الجهم الهلالي

لقد أمرت بالبخل أم محمدفقلت لها حتى على البخل أحمدا
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة
فإني أمرؤ عودت نفسي عادةوكل امرىء جار على ما تعودا
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

يقول: أمرتني هذه المرأة بالإمساك عند البذل: والإبقاء على المال، فقلت لها حتى على البخل وابعثي عليه إنساناً أحمد لك وأرضي بوعظك مني، فيكون أحمد مفعولاً، وقد نابت الصفة عن الموصوف. ويروى: حثى على الجود أحمدا ويكون قوله أحمد منتصباً بإضمار فعل، كأنه لما قال حثى على الجود نوى ائتى ما هو أحمد لك. وهذا كما يقال: وراءك أوسع لك، واتق الله أعود لك. وفي القرآن: " انتهوا خيراً لكم ". ومن روى حثى على البخل، يجوز أن يكون أحمد اسماً علماً لولد لها أو قريب منها، فقال: أبعثي ذلك على البخل من

دوني، لأني لا أصغي إليك ولا أئتمر لك، فقد تعودت منذ كنت عادة فطمي عنها ومنعي منها يتعذر ويبعد، وكل رجل سيجري على عادته، وما هو من هجيراه وسمته.

أحين بدا فر الرأس شيباً وأقبلتإلى بنو غيلان مثنى وموحداً
رجوت سقاطي واعتلالي ونبوتيوراءك عني طالقاً وارحلي غدا
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

ألفت الاستفهام وإن كان المراد بها التوبيخ والتقريع، يطلب الفعل وهو رجوت. فيقول: أرجوت مني بعد اشتعال الشيب في رأسي اتباعي لك، وقبولي منك، وبعد أن ألف الناس مني طريقة أجرى عليها وقد أقبلت بنو غيلان شرعاً نحوي اثنين اثنين، وواحداً واحداً، من طرق مختلفة، ووجوه مفترقة، وقد علقوا آمالهم بي، يكون مني نبؤ عنهم، واعتلال عليهم، وزوال عن السنة المعروفة فيهم ومعهم، إلى غيرها. وقوله سقاطي، يقال لمن لم يأت مأتى الكرام: هو يساقط. قال الشاعر:

كيف يرجون سقاطي بعد ماجلل الرأس مشيب وصلع

والمعنى: كيف أملت مساقطتي عند هذا الدأب مع اجتماع هذه الأحوال، ومع تجربتي وكمالي، اذهبي عني بائنة مني وارحلي غداً. وقوله وراءك ظرف في الأصل، وقد جعله اسماً للفعل. والمراد: ابعدي عني. وعطف عليه وارحلي وهو فعل، وهذا يبين قوة الظروف إذا جعلت أسماء للأفعال، لأنه لولا ثباتها في النيابة عن الأفعال والاستغناء بها عنها، لما جاز عطف الفعل عليها؛ وذلك أن المعطوف والمعطوف عليه في حكم المثنى، والتثنية لا تحسن إلا بين متوافقين، فكذلك العطف. ومثنى وموحد مما عدل في النكرة، فلا ينصرف في المعرفة والنكرة جميعاً، لكونه معدولاً عن أسماء الأعداد وعن الإفراد إلى التكرير. وطالقاً انتصب على الحال من قوله وراءك عني، ولم يقل طائقة لأنه أخرجه مخرج النسب.

وقال آخر:

إني وإن لم ينل مالي مدى خلقيفياض ما ملكت كفاي من مال
لا أحبس المال إلا ريث أتلفهولا تغيرني حال إلى حال

يقول: أنا وإن كان مالي لا يقوم بمؤني، وكان عاجزاً عن غاية خلقي، وقاصراً دون مدى بذلي وإفضالي، فإني أصب ما تملكه يداي فييض فيضاً لا أمنعه طالباً له كيف يتوسل، وبماذا يتوصل، إذ كنت لا أحبس المال ولا أخزنه إبطاءه إلا قدر الوقت في إتلافه وتفرقته، ولا تنقلنيحالة تعرض عن حالي الأولى فيما أعتاده وآلفه. يريد أنه مستمر فيما يجري عليه كيف واتاه الزمان، وأداره الأحوال. وقوله إلا ريث في موضع الظرف من لا أحبس.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.