تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال عارق الطائي (٢)

ألا حي قبل البين من أنت عاشقةومن أنت مشتاق إليه وشائقه
ومن لا تواتي داره غير فينةومن أنت تبكي كل يوم تفارقه

افتتح كلامه بألا، ثم قال: جدد عهدك بصاحبك وسلم عليه، قبل أن تحول النوى بينكما فيهيج شوقك تعشقك له، وبعد الدار منه، وتهييج شوقه لمثل ذلك، لأن جميع ما أقوله من مقتضيات صفاء المقة، واستحكام المحبة. وقوله ومن لا تواتي داره فينة الأحسن أن تفع الدار بتواتي، يريد من لا تقاربك داره إلا ساعة لا تطوعك الزيارة إلا فيها. والفينة: الوقت، ويكون معرفة ونكرة، وقد مر القول فيه، وأنه يجري مجرى الصفات في ذلك إذا جعلت أعلاماً كالحارث والعباس. ولك أن تنصب داره. والمعنى تبكيه أو تبكي عليه، وكذلك قوله تفارقه أريد تفارق فيه فحذف مفعول الفعلين، ولا يمتنع أن يجعل كل يوم مفعول تبكي. والمعنى تتأسف على كلي يوم تفارقه فيه، فتبكيه شوقاً إليه، إذ كان

التوديع جمعك وإياه فيه. ويكتفي في هذا الوجه بالضمير العائد من تفارقه، فأما إضمار فيه في تفارقه فلا بد منه. وقوله من وقد كرره في البيتين جميعاً مراراً، يجوز أن يكون بمعنى الذي، والجمل بعده في صلته، كأنه قال: حي الذي أنت عاشقه والذي أنت مشتاق إليه وشائقه والذي أنت كذا. ويجوز أن يكون نكرة في معنى إنسان، ويكون الجمل بعده صفات له. يريد: حي إنساناً هذه صفاته. فأما تكريره له فهو على طريق التعظيم والتفخيم. وهكذا العادة فيما يهول أمره من مرجو أو مخوف.

نخب بصحراء النوية ناقتيكعدو رباع قد أمخت نواهقه
إلى المنذر الخير بن هند نزورهوليس من الفوت الذي هو سابقه

يقول: تسير ناقتي الخبب - وهو ضرب من العدو - في هذه الصحراء تحتي، عدو فرس، أو عير قد أربع. والإرباع بينه وبين القروح سنة، فكأنه أراد استحكام شبابه وقوته، إذ ليس بينه وبين النهاية وهي القروح إلا سنة. ومعنى أمخت نواهقه أي قد أطاعه العلف أو المرتع فصار لعظامه مخ، والنواهق: عظمان في الساق، وفي غير هذا المكان مايكتنف الخاشم من الدابة، والواحدة ناهقة.

وقوله إلى المنذر تعلق بتخب والخير من صفته، وهو الذي تأنيثه خيره. ولا يمتنع أن يكون مخففاً من الخير، كما يقال لين ولين، وهين وهين. ونزور في موضع الحال، ويريد المنذر بن ماء السماء. وقوله وليس من الفوت الذي هو سابقه أراد سابق به، وفي الكلام وعيد.

ولهذا الشعر قصته، وهو أن الملك كان غزا أرضاً فأخفق، وفي منصرفه عثر بطائفة من طيىء كانوا في ذمته وعهده، فأراد تجاوزهم فقال بعض ندمائه له: استغنمهم وأوقع بهم. فقال: إنهم في ذمتي! فلم يزل يقرب الأمر فيه معه حتى استباحهم. لذلك توعد فقال: ما سبق به لا يفوت تداركه.

فإن نساء غير ما قال قائلغنيمة سوء وسطهن مهارقه
ولو نيل في عهد لنا لحم أرنبوفينا وهذا العهد أنت مغالقه
أكل خميس اخطأ الغنم مرةوصادف حياً دائناً هو سائقه

قوله غير ما قال قائل، يجوز أن يكون صفة لنساء. وقوله غنيمة سوء يرتفع على أن يكون خبر مبتدأ، كأنه قال: هن غنيمة سوء، حكاية لكلام القائل الذي ذكره. وإضافة الغنيمة إلى السوء يكون على طريق الإزراء والاستحقار. وقوله وسطهن مهارقه، الجملة في موضع خبر إن، فيكون المعنى إن نساء مخالفة صفتها لما قاله قائل، يعني من حسن في عين الملك الإيقاع بهن هن غنيمة سوء معهن كتب العهد والذمة اللذين يخرجن بهما عن كونهن غنيمة. فهذا وجه، ويجوز أن يكون غنيمة سوء خبر إن، ووسطهن مهارقه من صفة النساء، وقد فصل بين الصفة والموصوف بخبر إن، وغير ما قال قائل ينتصب على المصدر، فيكون مؤكداً للقصة، والتقدير: إن نساء وسطهن مهارقه غنيمة سوء، غير قول القائل المحسن الإيقاع بهن. ويجري هذا مجرى قولهم: هذا ولا زعماتك. أي هذا هو الحق لا ما تزعمه. ويكون المعنى: إن نساء معهن عهدك، ولا أقول ما قاله قائل حسن الإيقاع بهن، غنيمة سوء لا غنيمة صدق. والمهارق: جمع المهرق، وهو فارسية معربة. وكانت العرب تصقل الثياب البيض وتكتب فيها كتب العهود وما أرادوا إبقاءه على الدهر، وقوله ولو نيل في عهد لنا لحم أرنب وفينا يقبح عنده ما ارتكبه منهن. فيقول: ولو أصيب لحم أرنب فيما تشعله أذمتنا لوفينا به. ثم أنت أيها الملك تغالق هذا العهد، وتستجيز تخطيه، وتستحسن نقضه وترك الوفاء به. وقوله لحم أرنب ذكره تحقيراً وأنه صيد مستباح.

وقوله أنت مغالقة لك أن تروى معالقة بالعين. والمعنى: وهذا العهد الذي معهن متعلق بذمتك وفي رقبتك حتى تخرج منه. ومن روى مغالقه بالغين معجمة، يكون من غلق الرهن، أي أنت مفسده ومحتسبه تاركاً للوفاء به. وقوله أكل خميس لفظه استفهام ومعناه تقريع. فيقول: أكل جيش أخفق في وجه قدر الغنم فيه، وصادف في منصرفه حياً في طاعته يسوقه ويوقع به. أي إن ذلك غير مستجاز في السياسة والديانة، ولا مستحسن في المروءة؛ والغدر مغبته ذميمة، وعاقبته قبيحة دميمة.

وكنا أناساً دائنين بغبطةيسيل بنا تلع الملا وأبارقه
فأقسمت لا أحتل إلا بصهوةحرام عليك رمله وشقائقه

قوله دائنين، أي آخذين بالطاعة، مغتبطين بما لنا من الذمة. ويكون بغطبة في موضع الحال. وروى: دائبين، وهو أقرب، ويكون من الدؤوب. والمعنى إنا كنا نسير مغتبطين آمنين فرحين حيث شئنا. ويدل على هذا قوله يسيل بنا تلع الملا وأبارقه. وإنما يقتص حالهم قبل معاهدته لهم، ومعاقدته الذمة بينه وبينهم. والملا: الصحراء. والتلعة: مسيل ماء، وجمعها تلع، كجوزة وجوز. والأبارق: جمع الأبرق، وهي المواضع التي قد ألبست حجارة سوداً. ومنه حبل أبرق، إذا كان ذا لونين سوداً وبياض. وقوله لا أحتل إلا بصهوة، يقول: حلفت لا انزل إلا بعيداً من أرضك، وخارجاً من ملكتك، في صهوة أو في مكان عال تحرم عليك جوانبه وآفاقه. والشقائق: جمع شقيقة، وهي رملة بين أرضين. ورمله ترتفع بحرام، أي يحرم عليك. ولك أن تروى حرام عليك رمله فيكون خبراً مقدماً، ورمله مبتدأ، والجملة في موضع الصفة للصهوة.

حلفت بهدي مشعر بكراتهتخب بصحراء الغبيط درادقه
لئن لم تغير بعض ما قد صنعتملأنتحين للعظم ذو أنا عارقه

يقول: أقسمت بقرابين الحرم وقد اعلمت لكراته بعلامات الإهداء. والإشعار، هو أن يطعن في أسنتها فيسيل الدم الدم عليها، فيستدل بذلك على كونه هدياً. وجعل الهدى دالاً على الجنس وما بعده صفته. وقوله تخب بصحراء الغبيط درداقه، يريد سوقها نحو البيت. والدرداق: صغار الإبل. والخبب: ضرب من السير. وجواب القسم لأنتحين للعظم، والئن فيها بين القسم والمقسم له موطئة للقسم. فيقول: آليت إن لم تغير أيها الملك بعض صنيعك، ولم تتدارك ما فاتنا من عدلك ووفائك، لأقصدن في مقاتلتك كسر العظم الذي صرت أعرفه فينتزع العظم منه. جعل تقبيحه لما أتاه وشكواه كالعرق، وهو انتزاع اللحم وما بعده، إن لم يغير معاملته، تأثيراً في العظم نفسه. وقد أحسن في التوعد، وفي الكناية عن فعله وعما يهم به بعده. وقوله

ذو أما لغتهم وهو في معنى الذي، وأنا عارقة من صلته، وقد مضى الكلام في مثله.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأضياف: قال عتبة بن بجير الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.