من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال زرعة بن عمرو
وأرملة تنوء على يديهامن الضراء أو قصص الهزال
خلطت بغثها سمنى فأضحتشريكة من يعد من العيال
يقول: رب امرأة منقطع بها سيئة الحال ضعيفة الحراك، إذا أرادت النهوض تعتمد على يديها، لتأثير الضر فيها، أو لإقصاص الهزال إياها، وهو دنو الموت منها - ويقال: أقصة كذا من الموت، أي أدناه - أنا خلطت بفقرها غناي، وبما رق من حالها كثافة حالي، فصارت تعد في جملة العيال، ومشاركة فيما أقتنيه من المال، لا تمايز يظهر لها، ولا تباين يوجب انقباضها. وقوله تنوء على يديها، أي تنهض، وهو في موضع الصفة لأرملة. وجواب رب خلطت بغثها سمنى. ويقال لحم غث بين الغثانة والغثونة، إذا كان مهزولاً. وقيل: كلام غث، على التشبيه، أي لا طلاوة عليه.
وأفنتني الليالي، أم عمرووحلى في التنائف وارتحالي
وتربيتي الصغير إلى مداهوتأميلي هلالاً عن هلال
يقول: أفنى قواى نوائب الزمان، وتصاريف الليالي والأيام، وتنزلي في المفاوز والقفار، وتنقلي في مختلفات الأسفار، وتربيتي الطفل الرضيع إلى أن يبلغ ويجتمع، واليافع الكبير إلى أن يعلو ويستكمل، وتعليقي الأمل بشهر مستهل بعد شهر، وحول مؤتنف بعد حول. وإنما يصف ما عاناه، وامتحن به حالاً بعد حال، وتردد فيه فقاساه وقتاً بعد وقت، إلى أن تقضي عمره، ونفدت قوته.
ويشبه هذه الأبيات قول الأخر:
لقد طوفت في الآفاق حتىبليت وقد أنى لي لو أبيد
وأفناني ولا يفنى نهاروليل كلما يمض يعود
وشهر مستهل بعد شهروحول بعده حول جديد
ومفقود عزيز الفقد تاتيمنيته ومأمول وليد
وإن كان هذا أحسن استيفاء.
وقوله وتاميلي هلالاً عن هلال، أي بعد هلال. ومما جاء فيه عن بمعنى بعد قولهم: سادوك كابراً عن كابر، لأن معناه كبيراً بعد كبير. والمراد: شغله أمله بما يتاح له في مؤتنف الأيام من الخير، والتمكن من المراد.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع