من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عبد الله بن الحشرج
ألا كتبت تلومك أم سلموغير اللوم أدنى للسداد
وما بذلي تلادي دون عرضيبإسراف، أميم، ولا فساد
يقول: خاطبتني هذه المرأة تعتب علي، واستعمال غير اللوم أقرب في تسديدي وإرشادي، إذ كان اللوم ربما يعود إغراءه، ولا سيما إذا تكلف فيما لا يستحق فيه، فما إعطائي مالي القديم في وقاية نفسي بإسراف فينكر، ولا بإفساد فأعتب. وقوله تلومك في موضع الحال، أي لائمة لك. وخاطب نفسه في البيت الأول، ثم نقل الاخطاب إلى الأخبار، على عادتهم في كلامهم.
فلا وأبيك لا أعطى صديقيمكاشرتي وأمنعه تلادي
ولكني أمرؤ عودت نفسيعلى علاتها جرى الجياد
محافظة على حسبي وأرعىمساعي آل ورد والرفاد
أخذ يخاطبها مجيباً عن كتابها، ومخبراً عن طرائقه وأخلاقه، فيقول: أنا وحق أبيك لا أرضى صديقي بأن أكشر في وجهه إذا لقيته - والكشر: إبداء الأسنان بالضحك - ثم أمنعه مالي وأحرمه خيري. وقوله وأمنعه عطف على أعطى، فرفعه. والمعنى: لا أكشر للصديق ولا أمنعه تلادي، يريد لا أضاحكه باسطاً من أمله، وقابضاً يدي عن بذله. زمثله في القرآن: " ولا يؤذن لهم فيعتذرون "، لأن المعنى لا يؤذن لهم ولا يعتذرون. ولو رويت وأمنعه بالنصب كان جائزاً، ويكون انتصابه بأن مضمرة، ويكون كقولهم: لا يسعني شيء ويعجز عنك. والمعنى: لا يسعني شيء عاجزاً عنك، فكذلك هذا وتقديره: ما
أعطى صديقي مكاشرتي مانعاً له تلادي، أي لا يجتمع هذان في شيء: العجز لك والسعة لي، فكذلك لا يجتمع على صديقي مني الكشر والمنع. ويجوز في رفع أمنعه وجه آخر، وهو أن يكون على الإستئناف والانقطاع مما قبله، ويكون المعنى لا أعطي صديقي مكاشرتي وأنا أمنعه تلادي ومثله قول القائل: ما تأتيني وتحدثني، والمراد: ما تأتيني وأنت الآن تحدثني. والرفع أجود، ألا ترى أن القائل إذا قال: ما جاءني زيد وعمرو، كان دون قوله ما جاءني زيد ولا عمرو؛ لأن الأول يجوز أن يريد أنهما لم يجتمعا في المجيء، ولكن تفرد كل منهما عن صاحبه فيه، وفي الثاني إذا قال ولا جمعهما النفي، فلا يجيء على حال من الأحوال. وكذلك البيت، لو كان فيه حرف النفي لكان يمتنع حصول الكشر والمنع جميعاً على كل وجه، ووجه الرفع عليه يدور.
وقوله ولكني امرؤ عدوت نفسي، يريد أني جعلت من عادتها على ما يعرض لها من حوادث الدهر أن تجري في مكرماتها، أي في اكتساب مكرماتها، جرى الجياد السبق، لا الكودان البطاء. وقوله محافظة انتصب على انه مفعول له. فيقول: أفعل ذلك لأحفظ شرفي، وأرعى مكارم آبائي وأسلافي. وقوله أرعى حمله على المعنى فعطف على ما قبله وإن اختلفا، أي أفعل ذلك لأحافظ أرعى، محافظة على الشرف ورعياً لمساعي آل ورد. والمساعي واحدتها مسعاة، وهي السعي في تحصيل الكرم والجود. ويقال: هو يسعى لعياله، أي يكسب لهم. وقيل: السعي العمل في الكسب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع