من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عمرو بن الإطنابة
إني من القوم الذين إذا انتدوابدءوا بحق الله ثم النائل
المانعين من الخنا جاراتهموالحاشدين على طعام النازل
والخالطين فقيرهم بغنيهموالباذلين عطاءهم للسائل
والضاربين الكبش يبرق بيضهضرب المجهجهعن حياض الآيل
يفتخر بأنه من القوم الذين إذا عقدوا مجلساً للنظر في أحوال الجيران لشدة الزمان، ولإصلاح الأمور في جوانب الحي عند فسادها، وكان اليوم مشهوداً، والتوفر على المصالح في الأباعد بعد الأقارب شديداً، ابتدأوا بإخراج حق الله تعالى جده الواجب عليهم في أموالهم، ثم كروا على النائل من بعد. ويريد بالنائل العطايا التي لا تجب في فرائض الدين ونوافلها، وإنما يقيمون بها المروءات، ويتطلبون بفعلها وجوه التحمد والتشكر.
وقوله " المانعين من الخنا جاراتهم " قصد فيه إلى تعداد خصالهم، ورواتب سيرهم، مع الإفضال التام، والبر العام، فقال: يمنعون جاراتهم " من الفحش " ويصونونهن من درن الريبة وقبح القالة، وإذا نزل بهم نازل حشدوا الطعام له -
والحشد: مالا تكلف فيه - ذلك ليكون أدنى لانبساطه، وأدعى إلى إقامته. ولو قال بدل الحاشد محتشد أو متحشد لكان لابد من اقتران الكلفة بما يأتون به. وتعلق " على " من قوله " على طعام النازل " بالحاشد، كأنهم يجتمعون على إعداد الطعام له، ويتعاونون في إزالة الوهم في أنه زيد على الحاضر منه، ليكون أهنأ، وعلى المجموع له أخف.
وقوله " والخالطين فقيرهم بغنيهم "، يريد أنهم يسوؤن بين طوائف الأقارب فترى الفقير منهم لايتميز عن الغني ولا ينحط في الإكرام عنه، فينقبض أو يمتعض، ثم يبذلون للأجانب والغرباء فراطهم وورادهم، لايذخرون وقدوراً عليه، ولا يعتلون بما يكون سببا في حرمانهم. والمعنى أن حرمانهم ليس بمقصور على ما يدلي بقربي وقرابة، بل تشترك فيه الكافة.
وقوله " والضاربين الكبش " وصفهم بأنهم يقاتلون الرؤساء متدججين في السلاح، فيضربونهم ضرب المدافع غرائب الإبل عن حياض الآبل. والآبل: صاحب الإبل الكثيرة. وقوله " يبرق بيضه " في موضع الحال. والمجهجه والمهجهج: الزاجر بقوله: هج هج، وجه جه. وقد حذف مفعول قوله ضرب المجهجه.
ويقال: فلان آبل من فلان، أي أحذق برعي الإبل وتثميرها.
والقاتلين لدى الوغى أقرانهمإن المنية من وراء الوائل
خزر عيونهم إلى أعدائهميمشون مشي الأسد تحت الوابل
قوله " والقاتلين لدى الوغى أقرانهم "، أصل الوغى هو الجلبة والصوت، ثم كثر استعماله فصار كنايةً عن الحرب، فيريد أنهم يقتلون نظراءهم من الكماة والأبطال في الوغى، ومن أعدائهم في حال من أحوالهم فالمنية من ورائهم، لأنهم يمهلون ولا يهملون، ويطلبون أوتارهم ولا يضيعون.
وقوله " خزر عيونهم إلى أعدائهم "، يريد أنهم يتخازرون إذا نظروا إلى أعدائهم، فعل المتكبر المتوعد، فلا يملؤون أعينهم منهم، ولا يسؤون النظر إليهم، بل يتبين في نظرهم ما تنطوي عليه قلوبهم، وإذا مشوا رأيتهم كالأسد تحت المطر الشديد وهي تبادر إلى مواضعها من العرين.
والقائلين فلا يعاب كلامهميوم المقامة بالقضاء الفاصل
ليسوا بأنكاس ولا ميل إذاما الحرب شبت أشعلوا بالشاعل
أجرى قوله: " القائلين " مجرى قوله المتكلمين والناطقين، لذلك عداه بالباء فقال " بالقضاء الفاصل ". ومثله قول عمر بن أبي ربيعة:
بحاجة نفس لم تقل في جوابهافتبلغ عذراً والمقالة تعذر
أي لم تتكلم. ومما يدل على ذلك قوله " فلا يعاب كلامهم " ولم يقل قولهم. ويقال: فلان يقول بالإمامة، أي يدين بها ويعتقدها مذهباً. فيجوز أن يكون قوله على هذه الطريقة. وإنما وصفهم بأنهم مفوهون خطباء يفصلون الأمور عند المجامع بالحكم العدل، والقضاء الفصل، ولا يتجاوز مرسومهم، ولا يعاب مقضيهم؛ ثم إذا حضروا الحرب وأوقد نارها فليسوا فيها بضعاف العقد.
والأنكاس: جمع النكس، والنكس أصله في السهام، تنكسر فيجعل أسفلها أعلاها فتضعف. والميل: جمع أميل، وهو الذي لايستقيم على الدابة. وقوله " أشعلوا بالشاعل " يقول أوقدوا وهيجوا. والشاعل يجوز أن يراد به يسير الايقاد، والإشعال له تقويته، والباء مقحمة، والمراد أشعلوا الشاعل وقووه وزادوا فيه. ويجوز أن يراد بالشاغل ذا الشعل أو الإشعال أو الاشتعال، ويكون معناه المشعل، كما يقال: لابن وتامر، وحينئذ يكون الباء داخلاً على حده. والمعنى أشعلوها بالمشعل. ويقال: أشعلت الخيل في الغارة فشعلت وهي شاعلة، وأشعلت النار في الحطب فاشتعلت.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع