من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال ملحة الجرمى
فتى عزلت عنه الفواحش كلهافلم تختلط منه بلحم ولا دم
كأن زرزور القبطرية علقتعلائقها منه بجذع مقوم
يمدحه بالرزانة والعقل، ونقاء الجسم من العيب، وصفاء السبب والنسب من الفحش ومعنى عزلت نحيت منه في جانب. ويقال: هو بمعزل عن هذا الأمر والأصحاب، فيقول: بعدت عنه الفواحش كلها وصرفت، وجعل بينه وبينها حاجز حتى لا تمازج ولا تخالط، ولا تداني ولا تشابك. والقبطرية: جنس من الثياب رفيع. ومعنى البيت أنه طويل القامة مديد الجسم، فكأن زرور القميص من هذا الجنس من الثياب علقت منه على جذع مقوم. أراد أن طول جذع هكذا. وهم يتمدحون بامتداد القوام، والبسطة في الأجسام.
عملس أسفار إذا استقبلت لهسموم كحر النار لم يتلثم
إذا ما رمى أصحابه بجبينهسرى ليلة الظلماء لم يتهكم
كأن قرادي زوره طبعتهمابطين من الجولان كتاب أعجم
العملس: الجريء المقدام، ويوصف به الذئاب، وكذلك السلمع ويوصف به الخبيث من الذئاب والكلاب. ويقال: هو عملس دلجات، أي قوي على السير. وزاد اللام في قوله إذا استقبلت له تأكيداً، والأصل استقبلته. وجواب إذا لم يتلثم وهو العامل فيه. فيقول: هو في السفر بهذه الصفة مبتذلاً نفسه لا يتوقى من السمائم، ولا يتخشى منأنواع المهالك، فإذا قابلته السموم المحرقة إحراق النار لم يصن وجهه منها، ولا جعل على محياه لثاماً. واللثام: رد المرأة قناعها على انفها، وقد تلثمت، وتلثم الرجل بعمامته. والملثم ما حول الفم، وقيل الأنف وما حوله، والفام: رد القناع على الفم، وقيل أيضاً: هو مثل اللثام لا فرق بينهما.
وقوله إذا ما رمى أصحابه بجبينه أراد أنهم إذا قدموه ليهتدوا به وهم يسرون في ليلة شديدة الظلام هائلة لم يجبن ولم يتكذب، ولكن تقدمهم وقادهم على عادته.
وقوله كأن قرادي زوره طبعتهما وصفهما بالصغر، ثم شبههما بطابعين من طين الجولان، ويقال إنه أسود، تولي طبعهما كاتب من كتاب العجم. وخصهم لأنهم حينئذ كانوا أحذق بالكتابة وأسبابها. وهم يتمدحون بالهزال وقلة اللحم. والطبع: الختم. والطابع: الخاتم. وحكى: هذا طبعان الأمير، أي طينه الذي يختم به
وقال بعضهم:
إنك يا ابن جعفر نعم الفتى
ونعم مأوى طارق إذا أتى
ورب ضيف طرق الحي سرى
صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى
إن الحديث جانب من القرى
ثم اللحاف بعد ذاك في الذرى
يخاطب بهذا الكلام عبد الله بم جعفر بن محمد الصادق ﵃، فيقول: نعم الفتى أنت، أي محمود في الفتيان أنت ومحمود دارك وفناؤك، مأوى الطراق إذا وردوا. وقوله مأوى طارق أضافه إلى النكرة لأن القصد بطارق إلى الجنس، واسم الجنس في مثل هذا المكان وأن تنكر فائدته فائدة المعارف، وإذا كان كذلك كان قولك مأوى طارق بمنزلة مأوى الطراق. والمحمود هو المخاطب. ويجب أن يكون في نعم ضمير يعود إلى المخاطب، وقد اشمل عليه قوله نعم الفتى ونعم مأوى طارق، لأن فائدة نعم الرجل، محمود في الرجال. فكأنه قال: إنك محمود في الفتيان يا ابن جعفر. وقد قيل في قول القائل: زيد نعم الرجل: إنه لما كان القصد بالرجل إلى الجنس، وكان زيد منهم، اكتفى بكونه منهم من ضمير يعود إليه.
وقوله ورب ضيف طرق الحي سرى، يريد ليلاً؛ لأن السرى لا يكون إلا بالليل فالسري في موضع ظرف، واسم الزمان محذوف معه، وهو كقولك: جئتك مقدم الحاج وما أشبهه. فيقول: رب ضيف أتى الحي راجياً وجود القرى عنده، أنزلته فصادف في فنائك زاداً عتيداً، وحديثاً مؤنساً، وإكراماً مبراً. وقوله ما اشتهى في موضع الظرف، فهو كقوله:
أحدثه إن الحديث من القرىوتعلم نفسي أنه سوف يهجع
لأن في قوله ما اشتهى المعنى الذي عليه قوله تعلم نفسي أنه سوف يهجع. وقوله إن الحديث جانب من القرى، يقول: تأنيس الضيف بملح من الحديث من أسباب القرى وشرائطه، وخصاله التي تكمله وتفضله. وقوله ثم اللحاف بعد ذاك في الذرى، إشارة إلى إكرامه بما يفترش له ويمهد به موضعه. والذرى: الكنف.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع