من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت امرأةٌ من إياد
الخيل تعلم يوم الروع إذا هزمتأن ابن عمرٍو لدى الهيجاء يحميها
لم يبد فحشاً ولم يهدد لمعظمةٍوكل مكرمةٍ يلفى يساميها
تعني بالخيل الفرسان. تريد: قد تيقنوا أنه إذا اتفق عليهم كسرٌ، وأثر فيهم ردع في يوم حرب، لا يدفع عنهم ولا يذب دونهم إلا ابن عمرٍو، فهم ساكنون إليه، ومعتمدون عليه عند استعارنار الروع والاصطلاء بحرها، لأنه جابرٌ كسرهم، ومخمدٌ جمرهم.
وقولها " لم يبد فحشاً " تريد أنه لا يعرف القبيح، فلا يظهر في أفعاله وأقواله كما يستهجن أو يستفحش، ثم إذا مني بخصلةٍ فظيعة لا يهد لها، ولا يحار فيها، بل يصبر ويثبت، ويحسن حديثه في أفواه الناس لخروجه منها ويعذب؛ وكل مكرمةٍ تسنح، ومأثرةٍ على القرب والبعد تتفق وتعرض، تراه تطمح عينه إليها، وتحرص نفسه على جمع يده عليها، لعلو همته، وكمال خصاله. وقولها " يساميها " في موضع الحال أي مسامياً لها، ولك أن تروي " يلقى " بالقاف، و " يلفى " بالفاء، ومعناهما قريب.
المستشار لأمر القوم يحزبهمإذا الهنات أهم القوم ما فيها
لا يرهب الجار منه غدرةً أبداًوإن ألمت أمورٌ فهو كافيها
وصفته بجزالة الرأي، وبراعة النفس والعقل، وأن المرجع فيما يدهم القوم إليه، والمعتمد عندما يهجم فيهمهم عليه، فهم يستضيئون بتدبيره في ظلم الخطوب ويستكشفونه ما يتغشاهم من دواهي الأمور. والهنات: جمع هنةٍ، وهي كالكناية عن المنكرات، ولا تستعمل في الخير البتة. وقولها " أهم القوم " أي جعل من همهم. وموضع يحزبهم نصبٌ على الحال.
وقولها " لا يرهب الجار منه غدرةً " تصغه بحسن الوفاء فيما يعقد للجار من ذمةٍ، ويعطيه من عهد وموثقةٍ. فيقول: جاره آمنٌ لا يخاف ختلاً ولا مكراً وإن نزلت به أمور خارجة من الجوار فهو يقوم بها ويتكفل بالكفاية فيها. وانتصب " أبداً " على الظرف، وهو في المستقبل بمنزلة قط في الماضي.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع