تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال الكميت في مسلمة بن عبد الملك

فما غاب عن حلمٍ ولا شهد الخناولا استعذب العوراء يوماً فقالها
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «فما غاب عن حلم ولا شهد الخنا»
يدوم على خير الخلال ويتقيتصرفها من شيمةٍ وانفتالها
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «فما غاب عن حلم ولا شهد الخنا»
وتفضل أيمان الرجال شمالهكما فضلت يمنى يديه شمالها
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «فما غاب عن حلم ولا شهد الخنا»

يقول: ما أخل هذا الممدوح بالأخذ بالحلم، وترك السفه والجهل في مشهدٍ من المشاهد، وعند حضور أمر من الأمور، ولا استحسن الفاحشة فرضى بها أو تولاها، ولا استطاب اللفظ بالكلمة القبيحة فتفوه بها يوماً أو توخاها، لكنه يدوم على

الخصال المحمودة، والأخلاق الشريفة، ويتقي انصرافه عن شيمةٍ زكيةٍ عرف بها، وذهابه عن طبيعةٍ رضية فيقال تسخطها أو رفضها، فهو في درجات المجد يسمو ويصعد، وعلى مطالع الشرف يعلو ويغلب.

والانفتال: مطاوعة فتلته فتلا، وهو الانصراف والالتواء. والعوراء: الكلمة القبيحة. والعورة: السوءة وكل ما يستحيا منه.

وقوله: " وتفضل أيمان الرجال شماله "، يقول: تزيد في الفضل والإفضال شمال هذا الرجل على أيمان الرجال كلهم وتعلو عليها، كما غلبت اليمنى من يديه الشمال. والضمير من " شمالها " يرجع إلى اليمنى، أى كما غلبت يمينه شماله غلبت شماله أيمان الرجال كلهم. ويكون هذا كقول الآخر:

وما فضل الجواد على أخيهإذا اجتهدا وكل غير آل
فبرز سابقا إلا كفضل اليمين من اليدين على الشمال

فهذا وجه، والأجود أن يجعل الضمير من الشمال عائدا إلى الرجال، فيكون المعنى: كما فضلت يمناه شمال الرجال كلهم. يريد أن زيادة شماله على أيمانهم في الظهور مثل زيادة يمينه على شمائلهم في الظهور.

وما أجم المعروف من طول كرهوأمرا بأفعال الندى وافتعالها
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «فما غاب عن حلم ولا شهد الخنا»
وتبتذل النفس المصونة نفسهإذا ما رأى حقا عليه ابتذالها

قوله " ما أجم "، أى ما كره فعل المعروف حتى كان ينصرف عنه وإن طال تكرره على يده، ودام اكتسابه له، بل يزداد على مر الأيام رغبة فيه، وولوعا به. ويقال: فلان أجم من الطعام، إذا عافه وانصرفت نفسه عنه.

وقوله: " وأمرا بأفعال الندى " عطفه على المعروف، ويريد: ولم يأجم الأمر بفعل الندى واكتسابه له، كأنه كان يبعث الغير عليه، ويتولى فعله بنفسه.

وقوله " ويبتذل النفس المصونة نفسه ". نصب " نفسه " على البدل من النفس. ويكون المعنى أنه إذا رأى ابتذال نفسه المصونة واجبا عليه، وحقا ملازما له، يبتذلها ولا يصونها. وإنما يريد أنه يفعل ذلك في الشدائد وعند احتماء البأس. وهذا كما روي في الخبر: " كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله ﷺ ". ويروى " نفسه " بالرفع، ويكون فاعل تبتذل. ويريد بالنفس المصونة كرائم أصحابه وأمواله، فالمعنى أنه لا

يبقى ذخيرة من ذخائره إذا وجب إنفاقها، ولا يصون نفسا عزيزة عليه من كرائمه إذا وجب ابتذالها.

بلوناك في أهل الندى ففضلتهموباعك في الأبواع قدما فطالها
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «فما غاب عن حلم ولا شهد الخنا»
فأنت الندى فيما ينوبك والسدىإذا الخود عدت عقبة القدر مالها
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «فما غاب عن حلم ولا شهد الخنا»

يقول: خبرناك في جملة من يدعي الندى وزمرتهم، فغلبتهم وسبقتهم، كما بلونا بسط يدك، واتساع باعك عند البذل في الأبواع كلها قديما، فغلبها في الطول. وقوله " فضلتهم "، هو للمبالغة؛ يقال: فاضلته ففضلته أفضله.

ولذلك تعدى وإن كان فضل الشىء إذا زاد لا يتعدى. ومن شرط فعل في المبالغة أن يجعل مستقبله على يفعل إذا كان صحيحا، وإن كان في الأصل يجىء مفتوح العين أو مضمومه أو مكسوره. وكذلك قوله " فطالها " إنما تعدى وطال الذي هو ضد قصر (لا يتعدى) لأنه من طاولته فطلته أطوله. والمعتل في هذا المعنى يجرى على أصله، يقال: باكيته فبكيته، إذا غلبته في البكاء، وطاولته فطلته، إذا غلبته في الطول. وإنما لم يغيروا المعتل لئلا يلتبس بنات الواو ببنات الياء. ولا يجيء هذا في كل فعل.

وقوله " فأنت الندى فيما ينوبك والسدى "، يريد ترطبه للمعروف وتندى كفه في العطاء عند يبوس المحل، واشتداد الجدب. والندى والسدى هما بمعنى واحد. وقد قيل الندى بالنهار والسدى بالليل.

وقوله " إذا الخود عدت "، يريد أنه يفعل ذلك في الوقت الذي تعد عقيلة الحي وكريمة القوم مالها الذي تعيش منه وتعتمده، ما يرد عليها من المرق في القدر إذا استعيرت. وهذا كانوا يفعلونه في تناهى القحط، وفي شدة الزمان، وعند إسنات الناس. وكما يسمى المردود في القدر عقبة سمى عافيا قال الكميت:

وجالت الريح من تلقاء مغربهاوضن من قدره ذو القدر بالعقب

وقال آخر:

فلا تسأليني واسألي ما خليقتيإذا رد عافى القدر من يستعيرها
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة

وخص الخود لكرمهاا ونعمتها وكرامتها في ذويها وقال الخليل: الخود: المرأة الشابة ما لم تصر نصعا. وقال الدريدي: الخود: الفتاة الناعمة؛ لم نبن منه فعل.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب المدح وقال يزيد الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.