من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت صفية بنت عبد المطلب
ألا من مبلغٌ عني قريشاًففيم الأمر فينا والإمار
لنا السلف المقدم قد علمتمولم توقد لنا بالغدر نار
وكل مناقب الخيرات فيناوبعض الأمر منقصة وعار
الرسالة التي تطلب إبلاغها، وترتاد من تضعها على لسانه فيحتملها، قولها " ففيم الأمر فينا "، وما في الاستفهام إذا اتصل بحرف الجر يحذف الألف ٌ من آخره، تقول: فيم وبم. وقد تقصى القول فيه من قبل. كأن هذه المرأة تستبطء قبيلتها قريشاً. فتقول: من يبلغهم عني لماذا كان الأمر فيهم والتشاور، والاقتداء والترافع، حتى صار الناس تبعاً، ومالكم تنقبضون فيما يجب عليكم السعي فيه، ولنا الشرف الرفيع والسلف القديم، وقد علمتموه علماً خالياً من الشك، بريئاً من الشبهة، ولم يعرف غدر لنا بجارٍأو ذي محرم، وقدت من أجله لنا نار. وكانت العرب إذا أرادت تشهير غدر غادر حتى يتجنبه الناس أوقدت ناراً في يفاع هضبةٍ، ونصبت لواء عند مجمع لهم أو سوقٍ عظيمة، وينادون: هذه نار فلان الغادر ولواؤه!! يشهرون أمره ويقبحون صورته على هذا يحمل قول زهير:
وتوقد ناركم شزراً ويرفعلكم في كل مجمعةٍ لواء
ولا يمتنع أن يراد بإيقاد النار قيام الناس وقعودهم، وتفاوضهم للغدرة إذا ظهرت من الغادر، وما يثور من الفضيحة والذكر القبيح، فيكون هذا مثل قول أبي
ذؤيب:
تحرق ناري بالشكاة ونارها
والأول أشهر.
وقوله " وكل مناقب الخيرات فينا "، تريد أن معالم الخير ومواسم الفضل فيهم، لا يدفعها دافع، ولا يختلط بها تنقص من عائب. ومنقبة: مفعلة من النقابة وهي المعرفة. فتقول: فينا أنواع الخير والشر، معلومة للناس، وبعض ما يذكر من الأمور عار على صاحبه ونقص في شأنه، إذ كان لا يسلم على المجاذبين.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع