من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال أميمة بن أبى الصلت
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرعٌلك الحسب المهذب والسناء
خليلٌ لا يغيره صباحٌعن الخلق اللجميل ولا مساء
قوله " أأذكر حاجتي أم قد كفاني ". يقول: أي الأمرين أعتمد منك؟ لأن أم هذه هي المعادلة لألف الاستفهام والمفسرة بأي. فيقول: ألقى حاجتي قبلك إليك، وأنهى قصتي المرفوعة إليك، ام أعتمد اكتفائي بكرم فطنتك، وذكاء معرفتك، وحسن التفاتك إلى المعلقتين بحبلك، والراجين لخيرك وفضلك، لأن ملاك خلقك الحياء، فإذا توصل تابعلكبعرض وجهه عليك، صار ذلك مهيجاً لحيائك، وداعياً إلى الفكر فيما أحوجه إليك، وسائقاً إلى قضاء مأربته لديك؛ ولأن محافظتك على أولى المواتوالحرم، تبعثك على صيانتهم، وتحميهم من ابتذالٍ يلحقهم، إذ كنت الفرع لأصلٍ يجمع إلى الحسب المنقى، والمجد المزكى، علو همة وارتفاع منزلة.
وقوله " خليل " ارتفع بأنه خبر مبتدأ مضمر، كأنه " قال ": أنت خليلٌ لا تغيره الأوقات عما ألف من بره، وعهد من كرمه. وأشار في قوله: الصباح والمساء، وهما
طرفا النهار ووقتا " الغارة " والضيافة، إلى أنه لا يتغير على علات الزمان ولما تغير له الإنسان من عارض ملال حادث، أو تضجر بمصارف أمر سانح.
وأرضك كل مكرمة بنتهابنو تيمٍ وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يوماًكفاه من تعرضه الثناء
قوله " وأرضك "، يريد ما توطد له من مباني المجد والشرف بقومه وفصيلته، فجعله كالأرض له، وجعل مراعاته له من بعد وتوفره على ما يشيده بنفسه كالسماء له، وقد علم أن حياة الأرض وإضاءتها بما يأتى عليها من حيا السماء بنورها. فيريد أن عمارة مكارم آبائه كانت برمه لها، وبالمواد الذي يمدها بها، فلذلك زكت وربت، وثبتت على مر الأيام وعلت.
وقوله " إذا أثنى عليك المرء يوماً "، إن المثنى عليك لا يحتاج إلى قصدك به، لأنه متى تأدى إليك ثناؤه أنلته إحسانك، وأغنيته عن التعرض والقصد، وقطع المسافة دونك وحملالمشاق والجهد.
تبارى الريح مكرمةً ومجداًإذا ما الكلب أجحره الشتاء
يقول: يدوم عطاوك ويتصل، فكأنك تبارى الريح في هبوبهاأوان الجدب والقحط، وحين يقل صبر الكلب على الاعتساس والطوف، حتى يصير رابضاً في البيوت، ومستدفئاً بجوانب الأخبية والكسور. وقوله " إذا ما الكلب " ظرف لتبارى أي تفعل ذلك في مثل هذا الوقت. " مكرمة "، انتصب على أنه مفعول له، ويجوز أن يكون في موضع الحال.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع