من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال المعذل
جزى الله فتيان العتيك وإن نأتبي الدار عنهم خير ما كان جازياً
هم خلطوني بالنفوس وأكرموا الصحابة لما حم ما كنت لاقياً
كان المعذل أخذ بجرم، فكفل عليه النهس بن ربيعة العتكي، وكان حيث كفل عليه: دفع إليه فحمله على فرس وبغل، وأمره أن ينجو بدمه، وأسلم نفسه مكانه، فقال المعذل: اختر أن أمتدحك أو أمتدح قومك. فاختار امتداح قومه، فقال: تولى الله عني جزاء فتيان التعيك، فقابلهم بخير ما يجازي به مستحقاً لجزاء، وإن بعدت عنهم، وتناءت داري عن دارهم.
ثم أخذ يقتص ما عومل به فذكرهم وقال: هم الذين خلطوني بأنفسهم، وأسقطوا الحشمة بيني وبينهم، فجعلوني أشاركهم في خيرهم، ولا أتفرد بالضير فيهم؛ ثم إنهم صاحبوني مصاحبة كريمة لما قدر لي ما كنت أكابده، فضموني إلى أنفسهم متكفيلن بي، وصابرين على المكروه دوني، ثم فكوا أسري وأبلغوني مأمني.
فإن قيل: ما فائدة قوله وإن نأت بي الدار عنهم؟ قلت: أراد أنه لا يشكرهم مقارضاً ولا طامعاص فيؤثر فيما هو الغرض فيه فرب الدار وبعدها، بل يؤدي حق نعمة، ويقضي لازم فريضة وقوله لما حم يجوز أن يكون ظرفاً لأكرموا. ومعنى حم فدر.
هم يفرشون اللبد كل طمرةوأجرد سباح يبذ المغاليا
طعامهم فوضى فضاً في رحالهمولا يحسنون السر إلا تناديا
كأن دنانيراً على قسماتهمإذا الموت للأبطال كان تحاسيا
ذكر ما شاهدهم عليه في مجاورتهم، ويجرون عليه في عاداتهم ومصارفهم، وينتقلون فيه أوقات حفلهم، وعند خلوتهم، وقيما ينوبهم من نائبة تخصهم أو تهمهم. فقوله يفرشون اللبد بضم الياء، أي يجعلون اللبد فراشاً لظهر كل رمكة وثابة، وكل فحل كريم سباح في عدوه، غلاب لمباريه في الغلو، سباق في الرهان يحوز قصب التقدم والعلو.
ويقال: ى فرشت الفراش وأفرشنيه فلان، وافترشت الأرض والمرأة. وروى بعضهم: هم يفرشون بفتح الياء، وقال: أراد يفرش للبد على كل طمرة، فحذف الجار. قال: ويقال فرشت ساحتي الآجر وبالآجر.
وقوله يبذ المغاليا إن ضممت الميم جاز أن يراد به السهم نفسه أو فرس يغاليه. وجاز أن يراد به الرافع يده بالسهم يريد به أقصى الغاية. ويقال: بيني وبينه غلوة سهم، كما يقال قيد رمح وقاب قوس. وإن فتحت الميم يكون جمعاً للمغلاة، وهي السهم يتخذ للمغالاة. والمعنى يسبق في غلوته. ومراد الشاعر أن سعيهم مقصور على تفقد الخيل وخدمتها، والتفرس على ظهورها. وقوله طعامهم فوضى فضاً فوضى من فوضت الأمر إليك. والفضا من فضت الأرض، إذا اتسعت؛ ومنه الفضاء، وأفضيت إليه بكذا. والمعنى أن الطعام عندهم وفيهم لا يكال ولا يوزن، ولا يقتسم ولا يفرز، بل يأكله في رحالهم كل من احتاج إليه، غير ممنوع عنه. وقوله ولا يحسنون السر إلا تنادياً، أي لا ريبة في أقوالهم وأفعالهم فيخفضوا الصوت بما يتخاطبون به، فعلى هذا يكون تنادياً مستثنى، ويكون التقدير: لا يحسنون السر لكنهم يتنادون. ويجوز أن يكون تنادياً في موضع
الحال، ويكون من باب:
تحية بينهم ضرب وجيع
وأعتبوا بالصيلم، وما أشبههما.
وقوله كأن دنانيراً على قسماتهم فالقسمة: الوجه. ويقال: وجه مقسم، إذا وفى كل جزء منه حظه من الحسن يريد أن الشدائد لا تكسر شوكتهم ولا تغض أبصارهم ولا تغيض مياه وجوههم، بل يزدادون على طول المراس والجذاب حسناً ونشاطاً. فكأن سحناتهم غشيت بالدنانير إشراقاً ونوراً، في وقت تتحامى الأبطال فيه الموت. وهذا مثل للشدة وقد وطنت النفوس عليها، وذللت لها. أي تشرب الشجعان كؤوس الموات حسوات.
وقال بعضهم:
وزاد وضعت الكف فيه تأنساًوما بي لولا أنسة الضيف من أكل
وزاد رفعت الكف عنه تكرماًإذا ابتدر القوم القليل من الثفل
وزاد أكلناه ولم ننتظر بهغداً إن بخل المرء من أسوأ الفعل
يصف وفور عقله وحسن تأتيه في تقلب الأحوال به، وذهابه مع الكرم أني اعتمد، ومع من تصرف. فيقول: رب زاد وضعت كفي فيه إيناساً للمجتمعين عليه، وتأنساً بمؤاكلتهم، ولكي ينشطوا بكوني معهم، ويطرحوا الحشمة لانضمامي إليهم، لولا ذلك لكنت غير محتاج إليه، ولزهدت في التناول منه. وقوله أنسة الضيف، يقال انس وأنسة كما يقال: بعد وبعدة، وشقاء وشقاوة، ومنزل ومنزلة، ودار ودارة.
ورب زاد أمسكت عن أكله، وانقبضت عن الاجتماع مع آكليه مؤثراً لغيري به، وتوسيعاً على متناوليه، في وقت من الزمان يرى القوم يتبقون إلى القليل من سقط
الزاد، لعزته وشدة حاجتهم إليه، وبعد عهدهم بأطايبه، ورب زاد أفنيناه وتوسعنا فيه، غير مفكر في مستأنف الزمان، ولا خائف من عواصف الحدثان، ولو بقيناه لعد ذلك من فعلنا بخلابه، والبخل من أسوأ أفعال المرء وأقبحها. وانتصب تأنساً على أنه مصدر في موضع الحال. وقوله مناكل في موضع الرفع لأنه اسم ما، والنفي بما تناوله من حديث لولا. وكذلك قوله تكرماً في موضع الحال، وإذا ابتدر ظرف لرفعت، وهو جوابه. وقوله لم ننتظر به غداً أي لم ننتظر باستيفائه غداً، أي مجيء الوقت الذي نسميه غداً.
وقال بعضهم:
لقل عاراً إذا ضيف تضيفنيكا كان عندي إذا أعطيت مجهودي
جهد المقل إذا أعطاك نائلهومكثر في الغنى سيان في الجود
اللام من لقل جواب يمين مضمرة، وفاعل قل ما كان عندي. وعاراً انتصب على التمييز، وهو مما نقل الفعل عنه، كأنه كان لقل كا كان عندي، فنقل قل وجعله لقوله ما كان، واشبه عاراً المفعول فنصبه. وقوله إذا أعطيت ظرف لقوله: قل ما كان عندي. وإذا ضيف تضيفني، ظرف لقوله: إذا اعطيت مجهودي. وتلخيص الكلام: لقد قل عار ما كان عندي إذا أعطيت منه مجهودي إذا ضيف تضيفني. والمعنى: لا عار في القليل الذي عندي إذا اعطيت مجهودي في الوقت الذي يتضيفني الضيف. ومثل هذا البيت فيما اجتمع فيه من الظرفين قول الآخر:
علام تقول الرمح يثقل ساعديإذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
وقوله جهد المقل مبتدأ، وعطف مكثر على المقل، وقد حذف المضاف منه، والمراد وجهد مكثر في الغنى، فاكتفى بالأول عن الثاني، وسيان خبر المبتدأ، كأنه قال: جهد المقل إذا أعطاك ما عنده وجهد مكثر في الغنى مثلان في أحكام الجود وشرائطه، لأن كلاً منها قتل مجهوده. وإنما قلنا هذا لأنكإن لم تضمر في قوله ومكثر المضاف تكون قد جمعت بين الحدث وهو جهد المقل، وبين الذات وهو مكثر فجعلتهما سبين. والشرط أن يضم الحدث إلى الحدث، والذات إلى الذات. وقوله في الغنى في موضع الصفة لكثر، كأنه قال ومكثر غنى.
وهذا كما تقول: جاءني رجل في جبة، تريد وعليه جبة، ةتحقيقه: جاءني رجل لابس جبة.
وقد تبين من البيت الثاني معنى البيت الأول، واعتذاره من القليل الذي يعطيه إذا ضاف ضيف.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع