تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال دريد بن الصمة (٢)

تراه خميص البطن والزاد حاضرعتيد ويغدو في القميص المقدد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»

وقد مرت هذه الأبيات مشروحة.

وقال آخر:

كريم رأى الإفتار عاراً فلم يزلأخا طلب للمال حتى تمولا
فلما أفاد المال عاد بفضلهعلى كل من يرجو جداه مؤملا

الإفتار: نقيض الإكثار. يقال فلان مكثر، وفلان مقتر. وكذلك التقتير عقيب التكثير. ويقال: قتر على أهله وأقتر، إذا ضيق عليهم في الإنفاق، وفي القرآن: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا "، قرى بضم الياء وفتحها على اللغتين. يقول: لما رأى في ماله القصور والعجز عن مدى همه، رأى ذلك عاراً ومنقصة، فلم يزل يمتطي المراكب الشاقة طالباً للمال، ويدبم الحل والترحال في كسبه وجمعه، حتى إذا استغنى ونال مناه، لم ينفرد به دون مؤمليه، ولك يجعله مقصوراً على لذاته ومباغيه، ولكن عاد يفضل عليهم، وأقبل يشركهم فيه ويعطيهم. ويقال أفاد بمعنى استفاد. والجدا والجدوى: العطية.

لما أتى يزيد بن عبد الملك بآل الملهب قام " كثير " بيد يديه فقال:

حليم إذا ما نال عاقب مجملاًأشد العقاب أو غفا لم يثرب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «تشوف من صوت الصدى كلما دعا»
فعفوا أمير المؤمنين وحسبةفما تحتسب من صالح لك يكتب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «تشوف من صوت الصدى كلما دعا»
أسلموا فإن تغفر فإنك أهلهوأفضل حلم حسبة حلم مغضب

يصفه بكرم النفس وكظم الغيظ، واستعمال الحلم في وقته، والانتقام من الأعداء بأشده في إبانه وحينه. فيقول: إذا نال الجاني عليه، أو العدو المكاشح له، عاقبه وهو مجمل، أي لا يشتط ولا يسرف، ولكن ينتهج طرق العدل في الانتقام، ويقصد الحق في إقامة الحد عند التمكن واللزام، وذلك أشد ما يعاقب به مثله، أو عفا عنه غير موبخ على ذنبه، ولا مكدر نعمته في عفوه. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: " لا تثريب عليكم ": لا تخليط ولا إفساد. وقال غيره: لا تعيير ولا توبيخ.

وقوله فعفواً أمير المؤمنين طلب وسؤال، عفواً على المصدر. فيقول: اعف وقد قدرت، واحتسب عند الله بما تأتيه، فهو مكتوب لك إلى يوم فاقتك، ومدخر إلى مجازاتك، فكما تعفو يعفى عنك. وقوله أساءوا فإن تغفر، اعتراف بالذنب، واستعطاف بالغفر. فيقول: إن تجافيت عن إساءتهم واستعملت ما أنت أهله من العفو عنهم، فإن ذاك هو المرجو منك، والمعتاد من نظرك، وأفضل الحلم احتساباً وأجراً حلم المغيظ، والمضجر الممتلك.

فروى أن يزيد لما قرع سمعه هذه الأبيات قال: لولا أنهم قدحوا في الملك لعفوت عنهم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب المدح وقال يزيد الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.