من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال خلف بن خليفة (٢)
عدلت إلى فخر العشيرة والهوىإليهم وفي تعداد مجدهم شغل
إلى هضبة من آل شيبان أشرفتلها الذروة العلياء والكاهل العبل
إلى النفر البيض الأولاء كأنهمصفائح يوم الروع أخلصها الصقل
إلى معدن العز المؤيد والندىهناك هناك الفضل والخلق الجزل
قوله والهوى إليهم مبتدأ وخره قد اعترض بين صدر البيت وعجزه، والواو واو الحال. والمعنى: وهواي معهم؛ لأن إلى بمعنى مع، كما يقال هذا إلى ذاك. ويجوز أن يعطف والهوى على فخر العشيرة، فيكون المراد عدلت إلى الافتخار بهم، وإلى الهوى معهم. فيقول: صرفت همي إلى ذكر مفاخر العشيرة، وهواي معهم، وتركت غيره لأن في عج مجدهم وإحصائه ما يشغلني عن غيره. ثم كرر إلي مفخماً ومعظماً، فقال: إلى هضبة من شأنها كذا، وإلى النفر الذين من شأنهم كذا، وإلى معدن العز الذي من أمره كذا. والمراد بجميع ما ذكر العشيرة وإن اختلفت العبارات عنها. وقوله أشرفت لها الذروة العلياء، يعني هضبة العز. فيقول: علت لهذه الهضبة ذروة شامخة وكاهل ضخم، يريد عظم الهضبة وسموقها واتساع جوانبها.
وقوله إلى النفر البيض يعني آل شيبان. ذكر عزهم وكنى عنه بالهضبة، والقصد إلى أنهم الملجأ والمعقل. والأولاء في معنى الذين، وما بعده من صلته، ويمد ويقصر، فيقال الأولاء والأولى. وأراد بالبيض الكرام المنقي الأحساب. وقوله كأنهم صفائح يوم الروع، يجوز أن يضيف صفائح إلى يوم الروع، ويريد تشبيههم في نفاذهم وقدودهم بالسيوف المعدة ليوم الروع، لا المعاضد وما يبتذل في العوارض سوى الحرب. ولك أن تنصب يوم على الظرف. يريد صفائح مصقولة
جردت يوم الروع، وأعملت وأنفذت. وعلى الوجهين جميعاً يكون أخلصها الصقل من صفة الصفائح.
وقوله إلى معدن العز المؤيد معنى المؤيد المقوي بمواده التي تصرف إليه، لحسن مراعاتهم ومحافظتهم على المجد. ولك أن تروى المؤبد بالباء، ويكون المعنى العز الدائم الثابت على مر الأيام. وقوله والندى لك أن تجره معطوفاً على العز وتصير هناك مكرراً، والفضل مبتدأ وهناك خبره، وقد كرر الخبر تفخيماً وتعظيماً. وكما يكرر الخبر يكرر المبتدأ، تقول: زيد زيد عاقل، وزيد عاقل عاقل. ولك أن تجعل والندى مبتدأ ويكون هناك الأول خبره، والواو واو الحال، ويكون هناك الفضل مستأنفاً.
وقوله الخلق الجزل الجزالة مستعملة في الرأي والخلق، وفي القرآن: " وإنك لعلى خلقٍ عظيم "، فاستعمل العظم أيضاً.
أحب بقاء القوم بالمصر إنهممتى يظعنوا عن مصرهم ساعةً يخلو
عذابٌ على الأفواه ما لم يذقهمعدوٌ وبالأفواه أسماؤهم تحلو
عليهم وقار الحلم حتى كأنماوليدهم من تاجل هيبته كهل
إذا استجهلوا لم يعزب الحلم عنهموإن آثروا أن يجهلوا عظم الجهل
قوله " أحب بقاء القوم بالمصر " يصف به كثرة خيرهم وعموم النفع بمكانهم في مقامهم، وسكون الناس إليهم، وقيام مرواتهم وسياساتهم في أوطانهم ومظانهم، فيقول: أحب لبثم في دورهم ومواضعهم، فإنهم متى ارتحلوا عن مصرهم ساعةً خلا وصار في حكم ما لم يختط من البلاد ولم يؤهل بالقطان والسكان، لأن عمارته كانت بهم، ودخل في عداد الأمصار بسكناهم. وانجزم " يخلو " لأنه جواب الشرط، وهو متى يظعنوا، لكنه أطلق فزاد ما يلحق للإطلاق في قوله تخلو. قالوا: وهاهنا ليست التي كانت لام الفعل، وإنما هي كالواو التي في قولك:
أيتها الخيامو
وبمثل هذا القول في لم نرمي، ولم يخشى، إذا وقعت في القافية، فيصير الألف كألف " الجرعا "، والياء كياء " الأيامي ". وعلى هذا القول في:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
الياء فيه للاطلاق، فأما من قال:
ألم يأتيك والأنباء تنمي
وولا ترضاها ولا تملق
ومن هجو زبان لم يهجو ولم يدع
فالياء والواو والألف لاماتٌ بقيت في موضع الجزم، لأن المحذوف للجزم عنده من هذه الأفعال وأشباهها حركاتٌ كانت في النية اتثقل اللفظ بها في موضع الرفع مع حروف المد، ثم حذفت حروف المد ليكون الفعل مجزوماً أنقص لفظاً منه وهو غير مجزوم، فعند الضرورة أثبتها ولم يكن مخطئاً، إذ لم يكن سقوطها إعراباً، ويكون الياء على هذا القول في قوله " ألا انجلي " لام الفعل أيضاً.
وقوله " عذابٌ على الأفواه ما لم يذقهم " ما في موضع الظرف. أراد أن طعمهم حلوٌ إلا على أفواه العداة، لأن أخلاقهم تشمس عند الأعداء فيخشن جانبهم لهم، ويمر مذاقهم على أفواههم إذا ذاقوهم. وقد جمع بين الطعم والذكر، لذلك اعاد ذكر الأفواه فقال: وبالأفواه، كانه قصد في الأول الإنباء عن كرم طبعهم ولين أخلاقهم عند التجربة، وفي الثاني أنه يستحلى ذكرهم فيطيب في المسمعة، لشمول إحسانهم، وكثرة محاسنهم، فتقوم الشهادات بفضلهم في الحالتين.
وقوله " عليهم وقتر الحلم "، أراد أنهم يحلمون في المعاملة، ويتوقرون مع من يجر الجرائر عليهم، فصغارهم لهيبتهم في النفوس كالكهول من غيرهم؛ وإن حملوا على جهلٍ في وقتٍ، بأن يصير مجاذبهم عادياً طوره، لم يفارقهم الحلم أيضاً، بل يكافئون المسيء على قدر إساءته. ثم إن آثروا استعمال الجهل لأمرٍ يوجب ذلك فاستمروا فيه واشتطوا عظم البلاء بهم فلم يطاقوا.
ويقال أثرت الشيء وآثرت بمعنى.
هم الجبل الأعلى إذا ماتناكرتملوك الرجال أو تخاطرت البزل
ألم تر أن القتل غالٍ إذا رضواوإن غضبوا في موطنٍ رخص القتل
لنا فيهم حصنٌ حصينٌ ومعقلٌإذا حرك الناس المخاوف والأزل
لعمري لنعم الحي يدعو صريخهمإذا الجار والمأكول أرهقه الأكل
وصفهم بعلو الشان وارتفاع االمكان، فقال: هم الركن الأرفع، والطود الأمنع، وقت مداهاة الرجال بعضهم بعضاً، ومناكدة الأملاك حالاً فحالاً، فلا يغالب رأيهم، ولا يحللعقدهم، ولا يبلغ غورهم، ولا يستقصر مكرهم. فقوله " تناكرت " تفاعل من النكر الداهية؛ وهو حسن. ويجوز أن يكون تفاعل من الإنكار، فيكون تناكرت ضد تعارفت، أي ينكر بعضهم بعضاً، لما ينطوي عليه كلٌ لصاحبه من سوء الرأي وإضمار الشر.
وقوله " أو تخاطرت البزل " هو تفاعل من الخطران، وهو إشالة الأذناب وإدارتها عند الهياج، وهذا إشارةٌ إلى المتحاربين المتجاذبين إذا تدافعوا بأركانهم، كما أن قوله " تناكرت ملوك الرجال " يريد إذا تداهوبمكايدهم. فيريد أنهم يعلون رؤساء الناس قولاً وفعلاً، ومطراً ودهياً.
وقوله " ألم تر أن القتل غالٍ إذا رضوا "، يريد أن من أوى إليهم واستنام إلى جانبهم، فاستعطف هواهم وحصل رضاهم، أمنن وأعز فلا يلحقه قصدٌ، وسلم على الدهر فلا يجري عليه جور؛ ومن عدل عنهم واستن في سنن غضبهم، عرض بنفسه وتعجل الطمع من كل أحدٍ فيه، فقتله يسهل ويرخص إذا قتل المتعزز بهم يصعب أو يغلو ثم قال: " لنا فيهم حصنٌ حصين "، يصف ما عمهم من الأنمنة فيهم وبمكانهم. فيقول: هم لنا معقلٌ حريز وحصن حصين، في وقتٍ يقلق الناس فيه، لاستيلاء الخوف عليهم، واستعلاء القحط والبالاء فيهم. والأزل: الضيق.
وقوله " لعمري لنعم الحي "، المحمود بنعم محذوف، كأنه قال: إذا استغاث بهم الصريخ وهو المستغيث فاستصرخهم أجابوه ونصره، فنعم الحي وقد دعوا، إذا الجار مأكولٌ ومطموع فيه، وإذا اشتد الزمان ففني الزاد وعز الطعام. وقوله " الجار " مبتدأ وأرهقه الأكل في موضع الخبر. واكتفى بالإخبار عنه وإن كان عطف المأكول عليه، كأنه قال: إذا الجار أرهقه الأكل والمأكول كذلك.
ويشبهه قول الآخر في الإخبار عن المعطوف عليه دون المعطوف:
فإني وقياراً بها لغريب
وقد مر مثله.
ومعنى أرهقه الأكل ضيق عليه وغشيه. وقد قيل: أكلت فلاناً، إذا غلبته وقهرته. وكني عن المستضعف باللحم والشحم فقيل: ترك فلانٌ لحماً على وضمٍ، وفلان شحمةٌ للمتبلغ. قال الشاعر:
فلا تحسبني يا ابن أزنم شحمةًتزردها طاهي شواء ملهوج
سعاةٌ على أفناء بكر بن وائلٍوتبل أقاصي قومهم لهم تبل
إذا طلبوا ذحلاً فلا الذحل فائتٌوإن ظلموا أكفاءهم بطل الذحل
مواعيدهم فعلٌ إذا ما تكلموابتلك التي إن سميت وجب الفعل
بحورٌ تلاقيها بحورٌ غزيرةٌإذا زخرت قيسٌ وإخوتها ذهل
قوله: سعاة على أفناء كر " السعي يستعمل على وجوه، وكذلك السعاية. ويقال للمصدق الساعي، والمصدر السعاية. وهو يسعى على قومه، إذا قام بأمورهم. والمسعاة في الكرم والجود. والشاعر يرد أنهم يذبون عنها ويسعون في مصالحهم وحفظ ذممهم. وقوله " وتبل أقاصي قومهم " تبل يؤكد مات قبله. والمعنى ذحل الأباعد من قومهم كذحل المختص بهم، لأنهم يتشمرون في الانتقام والانتصار فيهما على حدٍ واحد.
وقوله " إذا طلبوا ذحلاً فليس بفائت "، يقال: طلبت عند فلانٍ ذحلاً، إذا رمت مكافأته على عداوةٍ منه أو جناية. وأراد أنهم إن وتروا لا يفوتهم إدراك الوتر، وإن وتروا غيرهم من أكفائهم وظلموهم لم ينتصف منهم، ولم يدرك الثأر من جهتهم.
وقوله " مواعيدهم فعل "، أراد أنهم ينجزون الوعد ويصدقون الأقوال بالفعل، وأن هذا دأبهم في الخصال التي إذا سميت موعوداً بها وذكرت، قال الناس يجب مع القول فعلها، استبعاداً للوفاء.
وقوله " بحور تلاقيها بحور غزيرة "، يريد أنهم في أنفسهم كالبحور كثرة وسماحاً، واتساعاً وعزة، فإذا لاقتها بحور قيسٍ وذهلٍ زاخرةً فقد كمل الأمر وتناهى العز، واطرد الماء، وطما التيار حتى لا يطاق.
وقال آخر:
عادوا مروءتنا وضلل سعيهمولكل بيت مروءةٍ أعداء
لسنا إذا ذكر الفعال كمعشرٍأزرى بفعل أبيهم الأبناء
يشبهه قول الآخر:
لا يملكون عداوةً من حاسدٍوحذاء كل مروءةٍ حسادها
وقول الآخر:
إن العرانين تلقاها محسدةًولا ترى للئام الناس حسادا
وقوله " وضلل سعيهم " أي نسب إلى الضلال لما لم يلحقوا شأوهم.
وقوله " لسنا إذا ذكر الفعال كمعشرٍ " يريد: لا نعتمد على مناسبنا، وعلى ما قدمه أسلافنا من المفاخر والمساعي، لكنا نعمر ما شيدوه، ونستحدث بأفعالنا ما يقويه ويكثره، ولا يصير مزرياً به.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع