من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال المتوكل الليثي (٢)
مدحت سعيداً واصطفيت ابن خالدٍوللخير أشبابٌ بها يتوسم
فكنت كمجتسٍ بمحفاره الثرىفصادف عين الماء إذ يترسم
يقول: اخترت من بين الناس ابن خالد وقرظت في شعري سعيداً، وللخير حدودٌ ووجوهٌ بها يتبين رسمه وعلامته، فكنت في اصطفائي إياهما، وصرفي ثنائي إليهما، كرجلٍ يتطلب الماء بمحفاره من ثرى الأرض، فصادف عينه ومنبعه، إذ تتبع أثره ورسمه. والمعنى: أصبت في القصد والاختيار، ووضعت الثناء موضعه من الإيثار، فسيق الخير إلي من مطلبي، وحصل التوفر علي من مقصدي. فأما من روى " محتسٍ " فهو مفتعل من الحس. والمحفار: اسم الآلة التي يحفر بها، كالمعول وما أشبهه. وهذا مثل واستعارة. ومن روى " كمجتسٍ " بالجيم، فهو مفتعلٌ من الجس. والتحسس والتجسس يتقاربان. ومعنى يترسم: يتتبع رسومه.
فإن يسأل الله الشهور شهادةًتنبئ جمادى عنكم والمحرم
بأنكما خير الحجاز وأهلهإذا جعل المعطي يمل ويسأم
يصف دوام بذلهم في فصول السنة، واتصال جدواهم في شهور الضيق والسعة، وفي الجدب والخصب، وعند شمول الحر والبرد. وجمادى من أزمان القحط والضر، والمحرم من الأشهر الحرم، فيقول: إن استشهد الله تعالى أوقات السنة وأهلة الشهور شهدت لكم، وأخبرت عنكم بأنكما خير أهل الحجاز بذلاً وإفضالاً، وحسن تفقد وإحساناً، في الوقت الذي ترى المعطي يمل الإعطاء، ويتبرم بالسؤال، فيصير ذلك داعيةً له إلى الإمساك والكف.
وقوله " إذا جعل المعطي " إذا ظرفٌ لما دل عليه قوله " خير الحجاز ". وجعل بمعنى طفق وأقبل، فلا يتعدى. والسآمة فوق الملال.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع