تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال أعشى ربيعة

يمدح عبد الملك بن مروان: ويقال إنه دخل عليه فقال: يا أبا المغيرة، ما بقي من شعرك؟ فقال: لقد بقي منه وذهب. على أني أنا الذي أقول. ثم أنشد هذه الأبيات:

وما أنا في حقي ولا في خصومتيبمهتضمٍ حقي ولا قارعٍ قرني
ولا مسلمٌٍ مولاي عند جنايةٍولا خائفٌٍ مولاي من شرِّ ما أجني
للشاعر أعشى بني ربيعة، اقرأ القصيدة

قوله " في حقي " أي فيما استحقه من الناس كافةً، من الصيانة والتمييز، لما توحدت به من فضلٍ ومزية. وقوله " بمهتضم حقي " يريد به حقوقه عند الناس. فيقول: إني فيما أجاذب فيه الغير وأنازعه، وفي طلب حقوقي إذا حلت لي عندهم، وفيما يجب لي عند المزاولات والمحاكمات من التبجيل عليهم، لا أبخس ولا أظلم، ولا أدفع ولا أهان. وقوله. " ولا قارعٍ قرني "، ويريد أنه لا يأمنني فيشتغل عني بأسبابه ومصارفه، ولكن يكون أبداً خائفاً مني، ومشغولاً بي وحذراً من الإيقاع به.

وقوله " ولا مسلمٍ مولاي عند جناية " يريد بقوله مولاي أجناس ما يسمى مولىً من حليفٍ ونسيب، ومنتمٍ بولاءٍ بعيدٍ أو قريب. فيقول: إني لا أخذل أحداً منهم عند جنايةٍ يجتنيها، أو جريمةٍ يجترمها، بل أنصره وأستنقذه كيف ما أمكن، سهل أو تعذر، ثم إني لا أجر الجرائر عليهم فيؤاخذوا بي وبما تكتسبه يدي، لأن ما يرجع إلي من النوائب أقوم في وجهه، وأحتال في نقضهودفعه، سواءٌ على حق ذلك في مالي أو في نفسي.

وإن فؤاداً بين جنبي عالمٌبما أبصرت عيني وما سمعت أذني
للشاعر أعشى بني ربيعة، اقرأ القصيدة
وفضلني في الشعر واللب أننيأقول على علمٍ وأعرف من أعني
وأصبحت إذ فضلت مروان وابنهعلى الناس قد فضلت خير أبٍ وابن

يقول: إني اكتسبت من مشاهداتي والأخبار الواقعة إلي، الصادقة في مواردها، المتواترة على ألسن حملتها ما صار قلبي به عالما ومتميزاً، فلا يلتبس على وجوه

الحق وحدوده، ولا صنوف الصدق وفنونه، فإذا قلت الشعر قلته على علمٍ بمرافقه وأساليبه، ومعرفة المقول فيه ومستحقه، فلا أكذب في الأخبار ولا أتزيد في الأوصاف، ولكن أعطي كل منعوتٍ حقه من القول والوصف، وأقسم لكل منوهٍ به قسطه من التقريظ والمدح، فمن أجل ذلك أصبحت إذ فضلت مروان وابنه عبد الملك على الناس قد فضلت خير والدٍ وولد، فلا يقال كذب أو أخطأ، أو اشتبه عليه أو شبه له، فلم يأت بالحق، ولم يقتصر على الصدق.

وقوله " وإن فؤاداً " جعله نكرةً لأنه باتصال قوله " بين جنبي " به اختص، حتى علم أنه قلبه من بين القلوب.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب المدح وقال يزيد الحارثي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.