من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
عدىّ بن زيد العبادىّ
أرواح مودّع أم بكورأنت فانظر لأىّ حال تصير
قال أبو علىّ: رواح مودّع: كقولهم: ليل نائم، ولو أنشد «مودّع» جاز، وكان/التقدير: مودّع فيه، وحذف كما حذف من قوله:
*كبير أناس فى بجاد مزمّل
أى مزمّل فيه. انتهى كلامه.
كأنّ ثبيرا فى عرانين وبلهكبير أناس فى بجاد مزمّل
البجاد: الكساء المخطّط، والمزمّل: الملفّف، ولولا تقدير «فيه» هاهنا وجب رفع «مزمّل» على الوصف لكبير، وتقدير «فيه» أمثل من حمل الجرّ على المجاورة، شبّه الجبل فى أوائل الوبل، وهو المطر الشديد الوقع، العظيم القطر، بكبير قوم متلفّف بكساء.
ويروى: «لأىّ ذاك تصير» وقال: لأىّ ذاك، ولم يقل: ذينك، لأنهم قد يوقعون ذاك وذلك على الجمل، يقول القائل: زارنى أمس زيد وأخوك معه وهما يضحكان، فتقول: قد علمت ذلك، ولذلك جازت إضافة «بين» إلى ذلك فى قوله تعالى: ﴿لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ ومثله: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ ألا ترى أن إضافة «بين» فى قولك:
جلست بين زيد، لا يجوز حتى تقول: وبكر، أو بين الزيدين، أو بين القوم، أو نحو ذلك.
وأما قوله: «لأىّ حال» ولم يقل: لأية حال، فيجوز أن يكون على لغة من [ذكّر الحال، ويجوز أن يكون على لغة من] أنّثها لأن تأنيثها غير حقيقى، ويجوز أن يكون حمل الحال على الشأن، لأنهما فى المعنى متقاربان.
ويحتمل «رواح» أن يكون خبرا عن «أنت»، بتقدير: أذو رواح أنت؟ ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره محذوف، أى ألك رواح؟ ويحتمل أن يكون خبر
مبتدأ محذوف، أى أرواحك رواح مودّع؟ فعلى هذين التقديرين يرتفع «أنت» بفعل مضمر يفسّره «انظر» وإن شئت رفعته بتقدير: أم ذو بكور أنت؟ وإن شئت رفعته بالمصدر الذى هو «بكور» رفع الفاعل بفعله، كقولك: أم بكور زيد، بتقدير: أم أن يبكر زيد، وإن شئت جعلته فى قول أبى الحسن الأخفش مبتدأ وخبره «فانظر» والفاء زائدة، وإلى هذا ذهب فى قوله تعالى: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ وسيبويه وغيره من البصريين قدّروا الخبر: فيما فرض عليكم، أو فيما يتلى عليكم: السارق والسارقة، أى حدّ السارق والسارقة.
قال أبو علىّ: إذا قلت: زيدا فاضرب، فزيد منصوب بهذا الفعل، وليست الفاء بمانعة من العمل، وتسمّى هذه الفاء معلّقة، كأنها تعلّق الفعل المؤخّر بالاسم المقدّم، فهى تشبه الزائدة، ويدلّك على أن العامل هو هذا الفعل قولك: بزيد فامرر، لأن الباء لا بدّ لها من شيء تتعلّق به.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع