تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

بيت للمتنبى

أىّ يوم سررتنى بوصاللم ترعنى ثلاثة بصدود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

وإنما أذكر من شعره ما أهمله مفسّروه، فأنبّه على معنى أو إعراب أغفلوه، وهذا البيت لبعده من التكلّف، وخلوّه من التعسّف، وسرعة انصبابه إلى السمع وتولّجه فى القلب، أهملوا تأمّله فخفى عنهم ما فيه.

والذى يتوجّه فيه من السؤال أن يقال: ما وجه تعلّق عجزه بصدره، وهل للجملة الأخيرة موضع من الإعراب؟

فإن قيل: نعم، قيل: ما هو؟ وكم وجها من وجوه الإعراب يحتمل؟ وهل يجوز أن تكون «أىّ» فيه شرطيّة، لتتعلّق الجملة بالجملة تعلّق الجزاء بالشرط كقولك:

«أىّ يوم لقينى زيد لم أعرض عنه»، تريد أىّ يوم لقينى أقبلت عليه.

والجواب عن هذا السؤال أنه لا يصحّ حمل «أىّ» على معنى الشرط؛ لأن فى ذلك مناقضة للمعنى الذى أراده الشاعر، فكأنه قال: إن سررتنى يوما بوصالك

أمّنتنى ثلاثة أيام من صدودك، وهذا عكس مراده فى البيت، وإنما «أىّ» استفهام خرج مخرج النفى، كقولك لمن يدّعى أنه أكرمك: أيّ يوم أكرمتنى؟ تريد ما أكرمتنى قطّ، قال الهذلىّ:

فاذهب فأىّ فتى فى الناس أحرزهمن حتفه ظلم دعج ولا جبل
للشاعر المتنخل، من قصيدة «ما بال عينك تبكي دمعها خضل»

ذهب بأىّ مذهب النفى، فأدخل مع لا حرف العطف، كما تقول: ما قام زيد ولا عمرو، فمعنى البيت: ما سررتنى يوما بوصالك إلا رعتنى ثلاثة أيام بصدودك

/فإن قلت: أجعل كلّ واحدة من الجملتين قائمة بنفسها، لا علقة لها بالأخرى، فلا أحكم للجملة الأخيرة بموضع من الإعراب.

فإن فى ذلك [أيضا] فسادا للمعنى المراد، لأن قولك: «أىّ يوم سررتنى بوصال» يفيد معنى: ما سررتنى قطّ بوصال، ثم قولك مستأنفا: «لم ترعنى ثلاثة بصدود» يفيد معنى أنت تصدّ عنّى يومين، وتصلنى فى الثالث، فما ينتظم صدودك ثلاثة أيام، وفى هذا تناقض يبطل المعنى المقصود، فقد ثبت بما قلته أنه لا بدّ من علقة بين الكلامين.

والعلقة بينهما تصحّ من ثلاثة أوجه: أحدها أن تجرى الجملة وصفا لوصال، فتحكم على موضعها بالجرّ، والعائد منها إلى الموصوف مقدّر، وقد ذكرت لك فيما تقدم أن العرب قد حذفت عائد الصّفة حذفا يقارب حذف عائد الصلة

كحذف الهاء فى قوله:

*وما شيء حميت بمستباح

وفى قول الله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ أراد لا تجزى فيه، كما قال: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ وإذا قدّرت مثل ذلك فى البيت اتّصل الكلامان فصحّ المعنى، وتقدير العائد فى البيت: أىّ يوم سررتنى بوصال لم ترعنى بعده ثلاثة أيام بصدود، فالهاء عائدة على وصال، فكأنك قلت:

ما سررتنى يوما بوصال مأمون بعده صدودك ثلاثة أيام، وإذا ثبت صحّة هذا المعنى بهذا التقدير، فإن شئت قدّرت أنك حذفت الظرف أولا، فبقى «لم ترعنيه» ثم حذفت الهاء ثانيا، على مذهب من قدّر فى الآية حذف الجارّ أوّلا، فبقى «لا تجزيه» ثم حذف الهاء، وإن شئت قدّرت أنك حذفت الظرف والعائد حذفة واحدة، فهذا أحد الأوجه الثلاثة.

والوجه الثانى: أنك تقدّر بالجملة العطف، وتضمر العاطف، فكأنك قلت:

أىّ يوم سررتنى بوصال فلم ترعنى ثلاثة بصدود، والعرب تضمر/الفاء والواو العاطفتين، فممّا جاء فيه إضمار الفاء قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ فأضمر الفاء فى ﴿قالُوا﴾ لتمام كلام موسى ﵇، ثم أضمر الفاء فى ﴿قالَ﴾ لتمام كلام قومه، وهذا كثير فى القرآن.

ومما أضمرت فيه الواو قول الحطيئة:

إنّ امرأ رهطه بالشام منزلهبرمل يبرين جارا شدّ ما اغتربا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»

أراد: ومنزله برمل يبرين، وكذلك أضمرها الراجز فى قوله:

لما رأيت نبطا أنصاراشمّرت عن ركبتى الإزارا

كنت لها من النّصارى جارا

أراد: وكنت، وليس للجملة فى هذا الوجه موضع من الإعراب، لأنها فى التقدير معطوفة على جملة لا موضع لها.

والثالث: أن تجعل الجملة حالا من التاء فى «سررتنى» والعائد على التاء من حالها هو الضمير المستتر فى «ترعنى» فكأنك قلت: أىّ يوم سررتنى غير رائع لى، وهذه حال مقدّرة كقولك: «مررت برجل معه صقر صائدا به غدا» أى مقدّرا به الصّيد، ومثله فى التنزيل: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ أى مقدّرين الخلود، ومن ذلك: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ﴾ أى مقدّرين التحليق، لأن التحليق لا يكون فى وقت الدخول، وكذلك المراد: أىّ يوم سررتنى بوصالك غير مقدّر أنك تروعنى ثلاثة أيام بصدودك. فهذه ثلاثة أقوال جارية فى مضمار كلام العرب.

ومن روى: «لم ترعنى ثلاثة» برفع «ثلاثة» على إسناد الفعل إليها، كانت

العلقة بين الجملتين بتقدير الوصف أو العطف، وبطل أن تكون الجملة حالا لخلوّ/ «ترعنى» من ضمير يعود على ذى الحال.

بيت آخر له:

جرّبت من نار الهوى ما تنطفىنار الغضا وتكلّ عمّا تحرق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وهذا البيت أيضا ممّا أمرّوه على أسماعهم إمرارا، فلم يعطوه حصّة من التفكّر، ولم يولوه طرفا من التأمل، ويتوجّه فيه سؤال عن معنى «ما» الأولى، وسؤال عن الفاعل المستكنّ فى «تحرق» إلى أىّ النارين يعود؟ وسؤال عمّا فيه من الحذوف، وسؤال عن الجارّ الذى هو «عن» بم يتعلّق؟ فإنّ الانطفاء والكلول كلاهما ممّا يتعدّى بعن، قال الأخطل:

وأطفأت عنّى نار نعمان بعد ماأغذّ لأمر عاجز وتجرّدا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «صحا القلب إلا من ظعائن فاتني»

وأنا أوضّح لك، إن شاء الله تعالى، الأجوبة عن هذه الأسولة، بعد أن أذكر لك نبذة تستفيدها، من اشتقاق وغيره، فمن ذلك أن معنى التجريب تكرير الاختبار، لأنّ أمثلة التفعيل موضوعة للمبالغة والتكثير، وأصله من قولهم: جرّبته:

أى داويته من الجرب، فنظرت أيصلح حاله أم لا، ومثله: قرّدت البعير: أى أزلت عنه القراد، وقرّعت الفصيل: أى داويته من القرع، وهو داء يلحق الفصال.

وألف الغضا أصلها الياء، لقولهم: أرض غضياء، ولا تجوز إمالته وإن كانت ألفه من الياء، لأنّ فيه حرفين مستعليين.

ويقال: طفئت النار وانطفأت، مهموز، ولكنه أبدل من همزة تنطفئ ياء لانكسار ما قبلها، كما أبدل الفرزدق من المفتوح ما قبلها ألفا فى قوله:

راحت بمسلمة البغال عشيّةفارعى فزارة لا هناك المرتع
للشاعر عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، اقرأ القصيدة

وهذا لا يسمّى تخفيفا، وإنما هو إبدال لا يجوز إلاّ فى الشّعر، والتخفيف الذى يقتضيه القياس فى هذا النحو أن تجعل الهمزة فيه بين بين.

وأمّا «ما» من قوله: «ما تنطفى» فمصدريّة، والضمير الذى فى «تحرق» عائد على «نار الهوى»، وقوله: «عمّا تحرق» متعلّق «بتكلّ» ومعمول «تنطفى» محذوف، وذلك اختيار البصريين فى إعمال الفعلين، كقولك: رضيت وصفحت عن زيد [أردت: رضيت عن زيد وصفحت عن زيد] فحذفت معمول الأول لدلالة معمول الثاني عليه، وحجّتهم أن الثانى أقرب إلى المعمول، فإن استعملت الاختيار الكوفيّ فعلّقت الجارّ بالأول، فلأنه الأسبق فى الذّكر، فهذا أحد المحذوفات من البيت.

والمحذوف الثانى: العائد إلى «ما» الثانية من صلتها، وفيه حذفان آخران، لأن تقدير معنى البيت: جرّبت من قوّة نار الهوى انطفاء نار [الغضا] وكلولها عن إحراق ما تحرقه نار الهوى، لا بدّ من تقدير هذين المضافين، القوّة والإحراق؛ لأن المعنى يقتضيهما، وإنما خصّ الغضا، لأن ناره أشدّ النّيران وأبقاها.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.