تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس العاشر

وهو مجلس يوم السبت، الثانى والعشرين من جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وخمسمائة.

تأويل آية أخرى: سألنى سائل عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ فقال: ما معنى تستجيبون بحمده؟ وبم تتعلق الباء، فقد زعم بعض المفسّرين أن معنى بحمده: بأمره.

فأجبت بأن الحمد هو الثناء والمدح، وليس بمعروف فى لغات العرب على اختلافها [أن الحمد] بمعنى الأمر، وأما تستجيبون فمعناه تجيبون، قال كعب بن سعد الغنوىّ:

وداع دعا يا من يجيب إلى النّدىفلم يستجبه عند ذاك مجيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، من قصيدة «تقول سُلَيْمى ما لِجِسْمك شاحباً»

أراد فلم يجبه، ومثله فى التنزيل: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾

﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أى ويجيب، ويجوز أن يعلق الباء بتستجيبون، كما تقول:

نادانى فلان فأجبته بالتلبية، ويجوز أن يعلقها بحال محذوفة، فالتقدير: معلنين بحمده، /ومثله فى جواز تعلّق الباء بالفعل المذكور، وتعلّقها بالمحذوف قوله تعالى:

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ إن شئت علّقت الباء بالتسبيح، أى فسبّح بالثّناء على ربك، وإن شئت قدّرت: فسبح معلنا بحمد ربك.

والخطاب فى الآية للمشركين، لأنه جاء على سياقة قوله، حاكيا ذلك عن منكرى البعث: ﴿أَإِذا كُنّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ وقوله:

﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ أى يحرّكون رءوسهم استهزاء ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ أى متى البعث، ومعلوم أن من يشرك بالله يستكبر إذا قيل له: لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فقد ألحق بالله سبحانه نقصا عظيما بإشراكه فى عبادته أحجارا لا تضرّ ولا تنفع، فإذا دعاه الله حين تزول الشكوك، أجابه بالثناء عليه والحمد له، وأحد أوصاف الثناء على الله والحمد له توحيده، فجوابه: «لبّيك اللهمّ لبّيك، لا إله إلا أنت».

آية أخرى: إن سأل سائل عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ فقال: كيف وصف الله الأعين بأنها كانت فى غطاء عن الذّكر، والذّكر إنما هو مسموع لا مرئىّ، وكيف وصفهم بأنهم كانوا لا يستطيعون سمعا، ونفى الاستطاعة للسمع نفى القدرة عليه؟

فالجواب: أنّ هذين الوصفين عبارة عن الإعراض منهم عند سماع الذّكر، وعن ترك الإصغاء إليه والقبول له، فقوله: ﴿كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي كانوا معرضين بأبصارهم وقت سماع الذّكر، عن المتكلّم به، وقوله: ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ أى كان سماع الذّكر ثقيلا عليهم، فلا يستمعون له ولا ينصتون إليه، كما تقول: ما أستطيع أن أرى فلانا، ولا أستطيع أن أسمع كلامه، تريد أنك كاره لذلك، لا أنك فى الحقيقة غير قادر عليه، وقد حكى الله/عنهم أنهم كان بعضهم ينهى بعضا عن الإصغاء إلى سماع تلاوة كتاب الله، ويأمرونهم بالتكلّم باللغو عند سماعه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ وقد بالغ الله سبحانه فى ذمّهم بعدولهم عن الحقّ فى قوله:

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ولو كانوا بهذه الأوصاف على الحقيقة لم يكلّفوا فرضا، لأن الصّمم ذهاب السمع، والبكم هو الخرس، وإنما أراد أنّهم صمّ عن استماع الحق، بكم عن التكلم به، عمى عن النظر إلى قائله، فهذا على تشبيههم بمن لحقته آفات فى سمعه ولسانه وبصره، قال الشاعر:

أصمّ عما ساءه سميع

فوصف الممدوح بالصمم مع وصفه له بسميع، وهو اللفظ الموضوع للمبالغة فى السمع، وذلك على وجهين مختلفين، مجيئه معدولا عن فاعل، كما جاء قدير ورحيم معدولين عن قادر وراحم، والآخر مجيئه معدولا من مفعل فى قول عمرو بن معديكرب:

أمن ريحانة الدّاعى السّميعيؤرّقنى وأصحابى هجوع
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «أمن ريحانة الداعي السميع»

أى الداعى المسمع.

ويحتمل قوله: ﴿كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أن يريد به أنهم كانوا إذا سمعوا التلاوة غطّوا وجوههم وسدّوا آذانهم بأصابعهم، كما كان قوم نوح يفعلون ذلك إذا دعاهم إلى الله، وذلك قوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاِسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ كانوا يفعلون ذلك مبالغة فى الإعراض عن سماع دعائه والنظر إليه.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.