تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس السابع

قال كبت الله عدوّه: قال لقيط بن يعمر الإيادىّ:

يا دار عمرة من محتلّها الجرعاهاجت لى الهمّ والأحزان والوجعا
للشاعر لَقيطِ بنِ يَعمُر الإيادي، اقرأ القصيدة

الجرع والجرعاء: رملة لا تنبت.

ويقال: ما معنى «محتلّ» هاهنا، وعلام انتصب «الجرع» وبماذا تتعلق «من» وما معناها، أهى لابتداء الغاية أم للتبعيض أم للتبيين؟

الجواب: محتلّ هاهنا: مصدر بمعنى الاحتلال، لأن العرب إذا بنوا المفعل بمعنى المصدر، ممّا جاوز الثلاثة جاءوا به على صيغة اسم المفعول، فقالوا: أكرمته مكرما، ودحرجته مدحرجا، وقطّعته مقطّعا، واستخرجت المال مستخرجا، قال جرير:

ألم تعلم مسرّحى القوافىفلا عيّا بهنّ ولا اجتلابا

أراد تسريحى، وفى التنزيل: ﴿وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أى كلّ تمزيق، وفيه:

﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً﴾ أى إنزالا.

والمصدر مضاف إلى فاعله، لأن الهاء عائدة على «عمرة» لا على الدار.

وانتصاب «الجرع» على الظّرف، وكان حقّه إيصال الفعل إليه بفى، ولكنه حذف «فى» كما حذفها القائل:

لدن بهزّ الكفّ يعسل متنهفيه كما عسل الطّريق الثّعلب

أراد: فى الطريق، فحذف «فى» ضرورة.

و «من» هاهنا خارجة عن معانيها الثلاثة؛ الابتداء والتبعيض والتبيين، ومعناها معنى لام العلّة، كقولك: جئت من أجلك ولأجلك، وأكرمته من خوفه ولخوفه، وهى متعلّقة بهاجت، فجملة النداء منقطعة ممّا بعدها، كأنه نادى الدار تلهّفا ثم ترك خطابها، وقال: من احتلال عمرة فى الجرع هاجت لى الهمّ.

سلمىّ بن ربيعة، أخو بنى السيّد

زعمت تماضر أنّنى إمّا أمتيسدد أبينوها الأصاغر خلّتى
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة

الزّعم والزّعم: القول عن غير صحة، قال الله جلّ ثناؤه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾.

و «تماضر» من أسماء النساء، كزينب وسعاد، والتاء فيه على رأى بعض البصريين فاء، فهو عندهم فعالل، لأن التاء متى وقعت فى مواقع الحروف الأصول فهى أصل، حتى يقوم دليل على زيادتها، كتاء ترجمان وتبراك، وهو اسم مكان، وتبرّك فلان بالمكان: أقام فيه، فترجمان فعللان كجلجلان، وهو السّمسم، وتبراك: فعلال كقرطاس، وتبرك: فعلل، مثل دحرج، وكذلك تاء كبريت وحلتيت أصل، لوقوعها موقع الزاى من دهليز، وكذلك التاء الواقعة حشوا كتاء عتريف، وهو الرجل الخبيث، وعترفان، وهو الدّيك، وبحتر، وهو القصير.

فتاء تماضر عند هؤلاء أصل، لوقوعها موقع العين من عذافر، والدال من دوادم، وقالوا للبعير الصّلب: عذافر، ولما يخرج من السّمر، وهو ضرب من الشجر شبه الدّم: دوادم، وبعض التصريفيين يشتقّ تماضر من اللّبن المضير والماضر: وهو الحامض، فهو على هذا القول تفاعل، ولا أرى بهذا القول بأسا، ويقوّى ذلك أن النساء يوصفن بالبياض.

والزّعم يقتضى مفعولين، كما يقتضيهما الحسبان ونحوه.

ومذهب سيبويه أن «أنّ» تسدّ فى هذا الباب مسدّ المفعولين، لأنها تتضمّن جملة أصلها مبتدأ وخبر، كما أن المفعولين فى هذا الباب أصلهما الابتداء وخبره، ومذهب أبى الحسن الأخفش أن «أنّ» بصلتها سدّت مسدّ مفعول واحد، والمفعول الآخر مقدّر، تقديره: كائنا أو واقعا، والذى ذهب إليه سيبويه أولى، لأن المفعول المقدّر عند الأخفش لم يظهر فى شيء من كلام العرب.

و «أبينون» عند سيبويه تصغير اسم/للجمع غير مسموع، وتقديره: ابنا،

مقصور، مثل أعمى، فهو اسم سمّوا به الجمع ولم ينطقوا به، ولكن لما سمع تصغيره دلّ على أن المكبّر أفعل، وليس «أبينون» جمعا لتصغير ابن، لو كان كذلك لقيل: بنيّون، وليس أيضا بجمع لتصغير أبناء، لأن ذلك يقتضى أن يقال:

أبيناءون، ولو أرادوا هذا لاستغنوا بقولهم: أبيناء عن جمعه بالواو والنون، ولمّا بطل هذان علمت أنه جمع لتحقير اسم وضع دالاّ على الجمع، غير داخل فى أبنية التكسير، والمكبّر: ابنا، وتصغيره: أبين يا فتى، مثل أعيم، ووزن أبينون: أفيعون حذفت لامه كما حذفت اللام فى قولك: قاضون.

والخلّة فى الكلام على معان: أحدها الحاجة، والثانى الخصلة، والثالث الاختلال، وهو المراد فى هذا البيت، وأصل الخلل: الفرجة بين الشيئين، أى زعمت تماضر أن أبناءها الأصاغر يسدّون بعدى ما اختلّ من الأمور.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.