من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الثانى تقاسيم فى التثنية
قال أدام الله نعمته: التثنية والجمع المستعملان بالحرف أصلهما التثنية والجمع بالعطف، فقولك: جاء الرجلان، ومررت بالزيدين أصله: جاء الرجل والرجل، ومررت بزيد وزيد، فحذفوا العاطف والمعطوف، وأقاموا حرف التثنية مقامهما اختصارا، وصحّ ذلك لاتفاق الذاتين فى التسمية بلفظ واحد، فإن اختلف لفظ الاسمين رجعوا إلى التكرير بالعاطف، كقولك: جاء الرجل والفرس، ومررت بزيد وبكر، إذ كان ما فعلوه من الحذف فى المتفقين يستحيل فى المختلفين، ولمّا التزموا فى تثنية المتّفقين ما ذكرناه من الحذف كان التزامه فى الجمع مما لا بدّ منه ولا مندوحة عنه، لأنّ حرف الجمع ينوب عن ثلاثة فصاعدا إلى ما لا يدركه الحصر.
ويدلّك على صحة ما ذكرته لك أنهم ربّما رجعوا إلى الأصل فى تثنية المتفقين وما فويق ذلك من العدد، فاستعملوا التكرير بالعاطف، إما للضرورة، وإما للتفخيم، فالضرورة كقول القائل:
كأنّ بين فكّها والفكّ
أراد أن يقول: بين فكّيها، فقاده تصحيح/الوزن والقافية إلى استعمال العطف، ومثله:
ليث وليث فى مكان ضنك
ومثله فيما جاوز الاثنين قول أبى نواس:
أقمنا بها يوما ويوما وثالثاويوما له يوم التّرحّل خامس
فإن استعملت هذا فى السّعة فإنما تستعمله لتفخيم الشىء الذى تقصد تعظيمه، كقولك لمن تعنّفه بقبيح تكرّر منه، وتنبّهه على تكرير عفوك عنه: قد صفحت لك عن جرم وجرم وجرم وجرم، وكقولك لمن يحقر أيادى أسديتها إليه،
أو ينكر ما أنعمت به عليه: قد أعطيتك ألفا وألفا وألفا، فهذا أفخم فى اللفظ، وأوقع فى النفس من قولك: قد صفحت لك عن أربعة أجرام، وقد أعطيتك ثلاثة آلاف.
والتثنية تنقسم إلى ثلاثة أضرب: تثنية لفظيّة، وتثنية معنويّة وردت بلفظ الجمع، وتثنية لفظيّة كان حقّها التكرير بالعطف.
فالضّرب الأول عليه معظم الكلام، كقولك فى رجل: رجلان، وفى زيد: زيدان.
والضّرب الثانى: تثنية آحاد ما فى الجسد كالأنف والوجه والبطن والظهر، تقول: ضربت رءوس الرجلين، وشققت بطون الحملين، ورأيت ظهوركما، وحيّا الله وجوهكما، فتجمع وأنت/تريد: رأسين وبطنين وظهرين ووجهين، ومن ذلك فى التنزيل قوله جل ثناؤه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ وجروا على هذا السّنن فى المنفصل عن الجسد، فقالوا: مدّ الله فى أعماركما، ونسأ الله فى آجالكما، ومثله فى المنفصل فيما حكاه سيبويه: ضع رحالهما.
ومن العرب من يعطى هذا كلّه حقّه من التثنية، فيقولون: ضربت رأسيهما،
وشققت بطنيهما، وعرفت ظهريكما، وحيّا الله وجهيكما، فممّا ورد بهذه اللغة قول الفرزدق:
بما فى فؤادينا من الشوق والهوى
وقول أبى ذؤيب:
فتخالسا نفسيهما بنوافذكنوافذ العبط التى لا ترقع
أراد بطعنات نوافذ، والعبط: جمع العبيط: وهو البعير الذى ينحر لغير داء.
والجمع فى هذا ونحوه، هو الوجه، كما جاء فى التنزيل: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾، وجمع هميان بن قحافة بين اللغتين فى قوله:
ومهمهين قذفين مرتينظهراهما مثل ظهور التّرسين
المهمه: المفازة الخرقاء، والقذف والقذيف: البعيد، والمرت: كلّ مكان لا ينبت مرعى.
وربما استغنوا فى هذا النحو بواحد، لأن إضافة العضو إلى اثنين تنبئ عن المراد، كقولك: ضربت رأس الرجلين، وشققت بطن الحملين، ولا يكادون يستعملون
هذا إلا فى الشعر، وأنشدوا شاهدا عليه:
كأنه وجه تركيّين قد غضبامستهدفين لطعن غير تذبيب
ذبّ فلان عن فلان: دفع عنه، وذبّب فى الطعن والدفع: إذا لم يبالغ فيهما.
قال سيبويه: وسألته، يعنى الخليل، عن قولهم: ما أحسن وجوههما [فجمعوا وهم يريدون اثنين] فقال: لأن الاثنين جميع، وهذا بمنزلة قول الاثنين: نحن فعلنا [ذاك]، ولكنهم أرادوا أن يفرّقوا بين ما يكون مفردا، وبين ما يكون شيئا من شيء.
/والقول فى تفسير هذه الحكاية: أنهم قالوا: ما أحسن وجوه الرجلين، فاستعملوا الجمع موضع الاثنين، كما قال الاثنان: نحن فعلنا، ونحن إنما هو ضمير موضوع للجماعة، وإنما استحسنوا ذلك لما بين التثنية والجمع من التقارب، من
حيث كانت التثنية عددا تركّب من ضمّ واحد إلى واحد، وأول الجمع، وهو الثلاثة، تركّب من ضمّ واحد إلى اثنين، فلذلك قال: «لأن الاثنين جميع» وقوله:
«ولكنهم أرادوا أن يفرّقوا بين ما يكون مفردا وبين ما يكون شيئا من شيء» معناه أنهم أعطوا المفرد حقّه من لفظ التثنية، فقالوا فى رجل: رجلان، وفى وجه:
وجهان، ولم يفعل ذلك أهل اللغة العليا فى قولهم: ما أحسن وجوه الرجلين، وذلك أن الوجه المضاف إلى صاحبه إنما هو شيء من شيء، فإذا ثنّيت الثانى منهما علم السامع ضرورة أن الأول لا بدّ من أن يكون وفقه فى العدّة، فجمعوا الأول كراهة أن يأتوا بتثنيتين متلاصقتين فى مضاف ومضاف إليه، والمتضايفان يجريان مجرى الاسم الواحد، فلمّا كرهوا أن يقولوا: ما أحسن وجهى الرجلين، فيكونوا كأنهم قد جمعوا فى اسم واحد بين تثنيتين، غيّروا لفظ التثنية الأولى بلفظ الجمع، إذ العلم محيط بأنه لا يكون للاثنين أكثر من وجهين، فلمّا أمنوا اللبس فى وضع الوجوه موضع الوجهين استعملوا أسهل اللفظين.
فأمّا ما فى الجسد منه اثنان، فتثنيته إذا ثنّيت المضاف إليه واجبة، تقول: فقأت عينيهما، وقطعت أذنيهما، لأنك لو قلت: أعينهما وآذانهما، لالتبس بأنك أوقعت الفعل بالأربع.
فإن قيل: فقد جاء فى القرآن: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ فجمع اليد، وفى الجسد يدان، فهذا يوجب بظاهر اللفظ إيقاع القطع بالأربع.
الجواب: أن المراد: فاقطعوا أيمانهما، وكذلك هى فى مصحف عبد الله، فلما/ علم بالدليل الشرعىّ أن القطع محلّه اليمين، وليس فى الجسد إلاّ يمين واحدة، جرت مجرى آحاد الجسد فجمعت كما جمع الوجه والظهر والقلب.
والضرب الثالث من ضروب التثنية: تثنية التغليب، وذلك أنهم أجروا المختلفين مجرى المتفقين، بتغليب أحدهما على الآخر، لخفّته أو شهرته، جاء ذلك مسموعا فى أسماء صالحة، كقولهم للأب والأم: الأبوان، وللشمس والقمر: القمران، ولأبى بكر وعمر رضى الله عنهما: العمران، غلّبوا القمر على الشمس لخفّة التذكير، وغلّبوا عمر على أبى بكر، لأن أيام عمر امتدّت فاشتهرت، ومن زعم أنهم أرادوا بالعمرين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فليس قوله بشىء، لأنهم نطقوا بالعمرين من قبل أن يعرفوا عمر بن عبد العزيز، وروى أنهم قالوا لعثمان رضوان الله عليه: نسألك سيرة العمرين، وقال الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكملنا قمراها والنّجوم الطّوالع
أراد لنا شمسها وقمرها، وعنى بالشمس إبراهيم، وبالقمر محمدا ﵌، وبالنّجوم عشيرة النبى ﵌، وكذلك أراد المتنبى بالقمرين الشمس والقمر فى قوله:
واستقبلت قمر السّماء بوجههافأرتنى القمرين فى وقت معا
ولو لم يرد الشمس والقمر لم يدخل الألف واللام، ولقال: أرتنى قمرين.
وقيل فى قوله تعالى: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾: إن المراد المشرق والمغرب، فغلّب المشرق لأنه أشهر الجهتين.
وقالوا لمصعب بن الزبير وابنه المصعبان، وقالوا لعبد الله بن الزّبير وأخيه مصعب: الخبيبان، وكان عبد الله يكنى أبا خبيب، قال الراجز:
قدنى من نصر الخبيبين قدى
وقد أفرد صاحب (إصلاح المنطق) لهذا الضرب بابا.
كان لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام فحسن إسلامه، وترك قول الشعر فى الإسلام، وسأله عمر بن الخطاب رضوان الله عليه فى خلافته، عن شعره واستنشده، فقرأ سورة البقرة، فقال: إنما سألتك عن شعرك، فقال: ما كنت لأقول بيتا من الشّعر بعد إذ علّمنى الله البقرة وآل عمران، فأعجب عمر قوله، وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسمائة، وعاش إلى بعض أيام معاوية، وكان عطاؤه بالكوفة، وكتب معاوية إلى زياد بأن المال قد قلّ وكثر أهل العطاء، فانقص من أعطيات أهل الشرف خمسمائة [خمسمائة] فنقصهم زياد عند أخذهم للعطاء رجلا رجلا، حتى انتهى إلى لبيد، فقال له: هذان الخرجان يا أبا عقيل فما هذه العلاوة؟ فقال له لبيد: أمضها لا أبا لك، فعن قليل ما يرجع إليك الخرجان والعلاوة، فاستحيا منه زياد لسنّه
وشرفه، فأعطاه عطاءه على تمامه، ولم يفعل ذلك مع أحد غيره، فكان ذلك آخر ما قبض [من العطاء].
وكان لبيد آلى على نفسه فى الجاهلية ألاّ تهبّ الصّبا إلاّ نحر وأطعم الناس حتى تسكن، وألزم ذلك نفسه فى الإسلام، وخطب الوليد بن عقبة بن أبى معيط الناس بالكوفة فى يوم صبا، فقال: معاشر الناس، إن أخاكم لبيد بن ربيعة آلى على نفسه فى الجاهلية ألاّ تهبّ الصّبا إلا نحر وأطعم الناس حتى تسكن، وأقام على سنّته فى الإسلام، وهذا اليوم من أيامه فأعينوه، وأنا أول من يعينه، ونزل عن المنبر، فبعث إليه بمائة بكرة، وكتب إليه بهذه الأبيات:
أرى الجزّار يشحذ شفرتيهإذا هبّت رياح أبى عقيل
أشمّ الأنف أصيد عامرىّطويل الباع كالسيف الصّقيل
وفى ابن الجعفرىّ بما عليهعلى العلاّت والمال القليل
فلما وصلت الأبيات إلى لبيد، قال لبنت له: يا بنيّة أجيبيه، فقد رأيتنى وما أعيا بجواب شاعر، فقالت:
إذا هبّت رياح أبى عقيلدعونا عند هبّتها الوليدا
أشمّ الأنف أصيد عبشميّاأعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأنّ ركباعليها من بنى حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيرانحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إنّ الكريم له معادوظنّى بابن أروى أن يعودا
فقال لها أبوها: أحسنت لولا أنك استزدتيه، فقالت: إن الأمراء لا يستحيا من الطلب إليهم، ولا غضاضة على سائلهم، فقال: وأنت فى هذا القول أشعر.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع