تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس السادس

بيت للمتنبّى لم يعرض له أحد من مفسّرى شعره، وهو:

وتراه أصغر ما تراه ناطقاويكون أكذب ما يكون ويقسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقال: من أىّ الرّؤيتين «ترى» الأول والثانى، أمن رؤية العين، أم من رؤية القلب، أم أحدهما من رؤية العين، والثانى من رؤية القلب؟

وأيّهما العامل فى «ناطق»؟.

وما معنى «يكون» الأول والثانى، أناقصان هما أم تامّان، أم أحدهما ناقص والآخر تامّ؟

وما معنى «ما» الأولى والثانية؟.

وعلام انتصاب «أصغر وأكذب»؟.

وما معنى الواو فى قوله: «ويقسم» وظاهر أمرها أنها عاطفة؟ فما المعنى فى عطف «يقسم» على «يكون»؟ فإن قلت: إنها واو الحال فأنت لا تقول: رأيت زيدا ويضحك، تريد ضاحكا، فإن حذفت الواو صحّ أن يكون حالا.

الجواب: إن كلّ واحد من الفعلين المأخوذين من الرّؤية قد تعدّى إلى مفعول واحد، وهو الهاء، لأن «أصغر» منصوب على المصدر، و «ناطقا» منصوب على

الحال [وإذا] كان لم يتعدّ إلا إلى مفعول واحد ثبت أنه من الرؤية التى هى الإبصار، دون الرؤية التى هى العلم، وإنما قلنا إن «أصغر» منصوب على المصدر؛ لأنه مضاف إلى «ما» وهى مصدرية، وأفعل الموضوع للمفاضلة إنما هو بعض ما يضاف إليه، فصار كقولك: سرت أشدّ السير، وكذلك «أكذب» حكمه حكم «أصغر» والناصب «ناطقا» هو الأول منهما، وقد علمت أن الهاء من «تراه» عائدة على عين، فلو كان من الرؤية التى يراد بها العلم اقتضى مفعولا ثانيا، يكون هو الأول فى المعنى، كقولك: رأيت الله غالبا، ولما كانت الهاء/ عائدة على جثّة، فلم يجز لذلك أن يكون المفعول الثانى حدثا، وكان انتصاب «ناطقا» على الحال، علمت أن «تراه» بمعنى تبصره، لا بمعنى تعلمه، فتقدير الإعراب: تراه ناطقا أحقر رؤيتك إياه، فالتحقير تناول الرؤية فى اللفظ، والمراد تحقير المرئىّ، لأن المعنى: تراه ناطقا أحقر منه إذا رأيته ساكتا.

وأما «يكون» الأول والثانى فكلاهما بمعنى يوجد، فإن قلت: أجعل الأول ناقصا وأجعل خبره «أكذب»، لم يجز ذلك؛ لما ذكرته من انتصاب «أكذب» على المصدر؛ لإضافته إلى المصدر، وإذا ثبت أنه اسم حدث لإضافته إلى «ما» المصدرية، والمضمر فى «يكون» عائد على عين، وخبر «كان» إذا كان مفردا فهو واسمها عبارة عن شيء واحد، بطل أن تجعل «يكون» ناقصا، لفساد الإخبار عن الجثث بالأحداث.

والواو فى قوله «ويقسم» واو الحال، فالجملة بعده حال، عمل فيها «يكون» الأول، وهى جملة ابتداء، والمبتدأ محذوف، فالتقدير: وهو يقسم، وحذف «هو»

كما حذف الأعشى «هى» من قوله:

وردت على سعد بن قيس ناقتى ولما بها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أوصلت صرم الحبل من»

أراد: وهى لما بها من الجهد، فحذف المبتدأ من جملة الحال، فالتقدير:

ويوجد وهو مقسم وجودا أكذب وجوده، فالوصف بالكذب يتناول وجوده لفظا وهو فى المعنى موجّه إليه، إذا المعنى: يوجد مقسما أكذب منه إذا وجد غير مقسم، وإنما أضاف الكذب إلى وجوده وكونه، كما أضافوا الخطابة إلى كون الأمير فى قولهم: «أخطب ما يكون الأمير قائما» فالتقدير عند النحويين: أخطب أوقات كون الأمير إذا كان قائما، وهذا اتّساع جرى فى كلام العرب، كما قالوا: «نام ليلك» والمعنى: نمت ليلك كلّه، قال الشاعر:

لقد لمتنا يا أمّ غيلان فى السّرىونمت وماليل المطىّ بنائم
للشاعر جرير، من قصيدة «لا خير في مستعجلات الملاوم»

وقال آخر:

/فنام ليلى وتجلّى همّى

ومثله فى الاتّساع وصف النهار بمبصر فى قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ وإنما النهار مبصر فيه، ومن هذا الضّرب قوله

جلّ وعز: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ [وحقيقته مكركم فى الليل والنهار].

روى عن أبى العباس ثعلب أنه قال: كان الكسائىّ والأصمعىّ يوما بحضرة الرّشيد، وكانا ملازمين له، يقيمان بإقامته، ويظعنان بظعنه، فأنشد الكسائىّ:

أنّى جزوا عامرا سوأى بفعلهمأم كيف يجزوننى السّوءى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطى العلوق بهرئمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن
للشاعر أفنون، من قصيدة «بلغ حُبيباً وخلل في صراتهم»

فقال الأصمعى: إنما هو رئمان أنف، بالنصب، فقال له الكسائىّ: اسكت ما أنت وهذا! يجوز رئمان أنف، ورئمان أنف، ورئمان أنف، بالرفع والنصب والخفض، أما الرفع فعلى الرّدّ على «ما» لأنها فى موضع رفع بينفع، التقدير:

كيف ينفع رئمان أنف، والنصب بتعطى، والخفض على الردّ على الهاء التى فى به.

قال: فسكت الأصمعىّ، ولم يكن له علم بالعربية، إنما كان صاحب لغة، لم يكن صاحب إعراب. انتهى كلامه.

وأقول: إن الضمير الذى هو الهاء والميم فى قوله: «بفعلهم» يعود على عامر، لأنه أراد به القبيلة، وقوله: «من الحسن» متعلّق بحال محذوفة، والتقدير: كيف يجزوننى السّوءى بدلا من الحسن، ومثله فى التنزيل: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أى بدلا من الآخرة، وقال جلّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ التقدير: لجعلنا بدلا منكم ملائكة، وقال كثيّر.

وإنّا لنعطى العقل دون دمائناونأبى فلا نستاق من دمنا عقلا

أراد بدلا من دمنا، والعقل هاهنا: الدّية، وقال آخر فى وصف الإبل:

كسوناها من الرّيط اليمانىمسوحا فى بنائقها فضول
للشاعر المَخَبَّل السَعدي، اقرأ القصيدة

أى كسوناها بدلا من الرّيط مسوحا، والرّيط: جمع ريطة، وهى الملاءة التى لا تكون لفقين، والبنائق: جمع بنيقة، وهى كلّ رقعة ترقع فى القميص كاللّبنة ونحوها، وأراد بالمسوح عرقها، شبّهه لسواده بالمسوح.

والعلوق من النّوق: التى تأبى أن ترأم ولدها أو بوّها، والبوّ-يقال له الجلد أيضا-:

جلد الحوار يحشى ثماما أو حشيشا غيره ويقدّم إليها لترأمه فتدرّ عليه فتحلب فهى ترأمه بأنفها وينكره قلبها، فرأمها له أن تشمّه فقط، ولا ترسل لبنها، وهذا يضرب مثلا لمن يعد بكلّ جميل ولا يفعل منه شيئا، لأن قلبه منطو على ضدّه.

وقوله: «ما تعطى العلوق به رئمان أنف» ما خبريّة بمعنى الذى، وهى واقعة على البوّ، وانتصاب «الرّئمان» هو الوجه الذى يصحّ به المعنى والإعراب، وإنكار الأصمعىّ لرفعه إنكار فى موضعه، لأنّ رئمان العلوق للبوّ بأنفها هو عطيّتها ليس لها عطيّة غيره، فإذا أنت رفعته لم يبق لها عطيّة فى البيت، لفظا ولا تقديرا، ورفعه على البدل من «ما» لأنها فاعل «ينفع» وهو بدل الاشتمال، ويحتاج إلى تقدير ضمير يعود منه على المبدل منه، كأنك قلت: رئمان أنفها إياه، وتقدير مثل هذا الضمير قد ورد فى كلام العرب، ولكن فى رفعه ما ذكرت لك من إخلاء «تعطى» من مفعول فى اللفظ والتقدير، وجرّ الرئمان على البدل أقرب إلى الصّحيح قليلا، وإعطاء الكلام حقّه من المعنى والإعراب إنما/هو بنصب الرئمان، ولنحاة الكوفيّين فى أكثر كلامهم تهاويل فارغة من حقيقة.

ذو الإصبع العدوانىّ:

لقينا منهم جمعافأوفى الجمع ما كانا
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة
كأنّا يوم قرّى إنّما نقتل إيّانا
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة
قتلنا منهم كلّفتى أبيض حسّانا
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة
يرى يرفل فى بردين من أبراد نجرانا

البيت الثانى من أبيات «الكتاب» شاهد على وضع الضمير المنفصل موضع المتّصل.

قوله: «فأوفى الجمع ما كانا» أى فأوفى الجمع الذى لقيناه ما كان عليه أن يفعله، وقرّى: اسم مكان.

وكان حقّ الكلام أن يقول: نقتل أنفسنا، لأن الفعل لا يتعدّى فاعله إلى ضميره إلا أن يكون من أفعال العلم والحسبان والظّنّ، لا تقول: ضربتنى ولا أضربنى، ولا ضربتك، بفتح التاء، ولا زيد ضربه، على إعادة الضمير إلى زيد، ولكن تقول:

ضربت نفسى، وضربت نفسك، وزيد ضرب نفسه، وإنما تجنّبوا تعدّى الفعل إلى ضمير فاعله، كراهة أن يكون الفاعل مفعولا فى اللفظ، فاستعملوا فى موضع الضمير النّفس، نزّلوها منزلة الأجنبىّ، واستجازوا ذلك فى أفعال العلم والظّنّ الداخلة على جملة الابتداء، فقالوا: حسبتنى فى الدار، وظننتنى منطلقا، وظننتك قادما، وزيد خاله عالما، وعمرو يراه محسنا، بمعنى يعلمه، كما جاء فى التنزيل:

﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى. أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ ولم يأت ذلك فى غير هذا الباب، إلا فى فعلين قالوا: عدمتنى وفقدتنى، وأنشدوا لجران العود:

لقد كان لى عن ضرّتين عدمتنىوعمّا ألاقى منهما متزحزح
للشاعر جران العود النمري، اقرأ القصيدة

/ولمّا لم يمكن هذا الشاعر أن يقول: نقتل أنفسنا، ولا نقتلنا، وضع «إيانا موضع «نا» وحسّن ذلك قليلا أنّ استعمال المتّصل هاهنا قبيح أيضا، وأنّ الضمير المنفصل أشبه بالظاهر من المتّصل، فإيّانا أشبه بأنفسنا من «نا» ولكن أقبح من هذا قول الراجز:

إليك حتى بلغت إيّاكا

لأنّ اتصال الكاف ببلغت حسن، فكذلك وضع «إيّاهم» فى موضع «هم» من قوله:

بالوارث الباعث الأموات قد ضمنتإيّاهم الأرض فى دهر الدّهارير

قبيح، ومثله فى ضمير الرفع قول طرفة:

أصرمت حبل الوصل أم صرموايا صاح بل قطع الوصال هم

وأما معنى قوله: «كأنّا نقتل إيّانا» فإنه شبّه المقتولين بنفسه وقومه، فى الحسن والسّيادة، فلذلك وصفهم بقوله:

قتلنا منهم كلّفتى أبيض حسّانا
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة

وبقوله:

يرى يرفل فى بردين من أبراد نجرانا

أى هم سادة يلبسون أبراد اليمن، فكأننا بقتلنا إيّاهم قتلنا أنفسنا، ونصب «حسّانا» على الوصف لكلّ، ولو كان فى نثر لجاز «حسّانين» وصفا لكلّ، على معناها، لأنّ لفظها لفظ واحد ومعناها معنى جمع، فلذلك عاد إليها ضمير واحد فى قوله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ﴾ وضمير جمع فى قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ وأفرد خبرها فى قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ وجمع فى قوله جلّ وعز: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ ومثل ذلك فى إجراء الوصف على المضاف تارة والمضاف إليه أخرى، قولك: أخذت خمسة أثواب طوالا، على النّعت للعدد، وطوال، على النعت للمعدود، وجاء الوصف للمعدود فى قوله جلّ ثناؤه: ﴿إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ وفى قوله: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ وجاء وصف العدد فى قوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ قيل: «طباقا» جمع طبقة، كرقبة ورقاب، وقيل: جمع طبق، كجبل

وجبال، لأنّ السماء كالطّبق لما تحتها، قال امرؤ القيس:

ديمة هطلاء فيها وطفطبق الأرض تحرّى وتدرّ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ديمة هطلاء فيها وطف»

الدّيمة: مطر يدوم أياما، وهى هاهنا سحابة يدوم مطرها، وصارت الواو فيها إلى الياء، لسكونها وانكسار ما قبلها، فإذا حقّرتها أعدت الواو فقلت: دويمة، وكذلك الفعل منها، تقول: دوّمت السّحابة.

وهطلاء: ذات هطلان، وهو تتابع القطر.

وفيها وطف: أى استرخاء، وهى أن يكون لها شبه الهدب من ربابها، والرّباب:

سحاب رقيق دون السّحاب الكثيف.

وتحرّى: من قولهم: تحرّى فلان بالمكان: تمكّث فيه.

وتدرّ: ترسل درّتها، أى ترسل ما فيها من الماء، كما ترسل الناقة لبنها.

وقد قيل فى قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾: إن «طباقا» نصب على المصدر، أى طوبقت طباقا، والتفسير الأول أحبّ إلىّ.

ويقال: حسن وحسنة، فإذا بالغوا فى الحسن قالوا: حسان وحسانة مخفّفان، فإذا أرادوا النهاية فيه قالوا: حسّان وحسّانة، مثقّلان، قال:

دار الفتاة التى كنّا نقول لهايا ظبية عطلا حسّانة الجيد
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «طال الثواء على رسم بيمئود»

وإذا طال الثوب على لابسه وجرّه فى مشيه وركله، قيل: جاء يرفل فى ثيابه، يفعلون ذلك تكبّرا، قال شاعر الكوفة:

ولا يرمح الأذيال من جبريّةولا يخدم الدنيا وإياه تخدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نرى عظما بالبين والصد أعظم»

وأراد بأبراد نجران أبراد اليمن، لأنّ نجران من ناحية اليمن، وبين البصرة والكوفة مكان فى البرّيّة يسمّى نجران.

/

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.