تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس السابع باب يشتمل على تفسير آى من كتاب الله تعالى وتعريبها

إعراب قوله ﷿: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ انفرد نافع بنصب الميم من «يوم»، وأجمع الباقون من السّبعة على رفعها، فمن رفعها فالإشارة بهذا إلى اليوم، وهو يوم القيامة، أى هذا اليوم يوم ينفع الصادقين صدقهم، فهذا مبتدأ، ويوم ينفع الصادقين صدقهم خبره، وموضع الجملة نصب بوقوع القول عليها، وموضع الجملة التى هى «ينفع الصادقين صدقهم» جر بإضافة «يوم» إليها.

ومن نصب الميم فموضع «هذا» فى قراءته نصب، مفعول لقال، وانتصاب «يوم» على الظرف للقول، والإشارة بهذا إلى القصص الذى تقدم ذكره فى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي/وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فالمعنى: قال الله هذا الكلام فى يوم ينفع الصادقين صدقهم،

وحقيقته: يقول الله، وكذلك معنى إذ قال الله: إذا يقول الله، وإنما حسن إيقاع الماضى فى موضع الآتى، لأنّ أمر القيامة لظهور براهينه، وصدق المخبر به بمنزلة ما وقع وشوهد، وقال أبو النّجم:

ثمّ جزاه الله عنّا إذ جزىجنّات عدن فى العلالىّ العلى

فوضع «إذ جزى» فى موضع إذا يجزى، ومثله: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ وقد جاء فى القرآن عكس هذا، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ وقوله: ﴿ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ وضع «يعبد» فى موضع «عبد» و «تقتلون» فى موضع «قتلتم» وقال الطّرمّاح:

وإنّى لآتيكم تشكّر ما مضىمن الودّ واستيجاب ما كان فى غد

وضع «كان» فى موضع «يكون» ونقيضه قول زياد الأعجم:

وانضح جوانب قبره بدمائهافلقد يكون أخا دم وذبائح
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

ووجه استجازتهم هذا الإبدال مع تضادّ الأفعال أنّ الأفعال جنس واحد، وإنما خولف بين صيغها، لتدلّ كلّ صيغة على زمان غير الذى تدلّ عليه الأخرى، وإذا تضمّن الكلام معنى يزيح الإلباس، جاز وضع بعضها فى موضع بعض توسّعا.

وأجاز الفراء أن يكون النصب فى ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ﴾ بناء، وموضع «يوم» رفع، فيكون المعنى فى قراءة نافع كالمعنى فى الأخرى، ولم يجز ذلك أحد من البصريين، لأن المضارع معرب، وإنما يجيزون البناء فى المضاف إذا كان فيه إبهام، كمثل وغير وحين، وأضيف إلى مبنىّ، كإضافة حين إلى «عاتبت» فى قوله:

/على حين عاتبت المشيب على الصّبا

وإضافة «يوم» إلى «إذ» فى نحو ﴿مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و ﴿مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ وإضافة «مثل» إلى «أنّ» فى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ وإضافة «غير» إلى «أن» فى قول القائل:

لم يمنع الشّرب منها غير أن هتفتحمامة فى غصون ذات أوقال
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة

وإضافة «بين» إلى الضمير فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ والإعراب فى هذه الأحرف ونظائرها حسن، وإنما سرى البناء من المضاف إليه إلى المضاف كما سرى إليه منه الاستفهام فى نحو: غلام أيّهم تضرب؟، والجزاء فى نحو: صاحب من تكرم أكرم.

ووجه إجازة الفرّاء الفتح فى «يوم ينفع» حمله الفعل على الفعل، والقياس يمنع من جوازه، وقد قرئ فيما شذّ من القراءات السبع: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ بنصب «صدقهم» مع نصب «يوم» وإسناد «ينفع» إلى ضمير راجع إلى الله ﷾، ويحتمل نصب «صدقهم» ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مفعولا له، أى ينفع الله الصادقين لصدقهم.

والثانى: أن تنصبه على المصدر، لا بفعل مضمر، ولكن تعمل فيه الصادقين، فتدخله فى صلة الألف واللام، وتقدير الأصل: ينفع الله الصادقين صدقا، ثم أضيف إلى ضمير «هم» فقيل: صدقهم، كما تقول: أكرمت القوم إكراما، وأكرمتهم إكرامهم، قال الله تعالى فى الإفراد: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً﴾ وفى الإضافة: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ ومثله: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً﴾ و ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾.

والثالث: أن تنصبه بتقدير حذف الباء، لأنك تقول: نفعته بكذا، فيكون الأصل: ينفع الله الصادقين بصدقهم، فلما سقطت الباء وصل الفعل، ومثله فى إسقاط الباء ثم إيصال الفعل قوله سبحانه: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ﴾ أى بأوليائه، لأنّ المعنى يخوّفكم بهم، ويدلّك عليه قوله:

﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ آخر المجلس.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.