من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الثامن
/ وهو مجلس يوم السبت مستهلّ جمادى الأولى، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ الآية. يقال للرجل: تعال، أى تقدّم، وللمرأة: تعالى، وللاثنين والاثنتين:
تعاليا، ولجماعة الرجال: تعالوا، ولجماعة النّساء: تعالين، وجعلوا التقدّم ضربا من التعالى والارتفاع، لأن المأمور بالتقدّم فى أصل وضع هذا الفعل، كأنه كان قاعدا فقيل له: تعال، أى ارفع شخصك بالقيام وتقدّم، واتّسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشى، ويدلك على أن التقدّم الآن قد صار ضربا من الارتفاع قولهم: ارتفع فلان وفلان إلى الحاكم: أى تقدّما إليه، ورفع فلان فى سيره: أى تقدّم فيه، وأصله أنه كأنه أخبّ ناقته ليتقدم فرفع الخبب شخصها وشخصه، واستعملوا التّعالى
للارتفاع وحده، مجرّدا من معنى التقدّم فى قولهم: تعالى الله.
والوجه فى «ما» أن تكون خبريّة، فى موضع نصب بأتل، والمعنى: تعالوا أتل الذى حرّمه ربّكم عليكم، فإن علّقت «عليكم» بحرّم فهو الوجه، لأنه الأقرب، وهو اختيار البصريّين، وإن علّقت بأتل فجيّد، لأنه الأسبق، وهو اختيار الكوفيين، فالتقدير فى هذا القول: أتل عليكم الذى حرّم ربكم.
وأجاز الزجّاج أن تكون «ما» استفهامية، فى موضع نصب بحرّم، والجملة من الفعل والفاعل والمفعول محكيّة بالتّلاوة، لأن التلاوة بمنزلة القول، فكأنه قيل: تعالوا أتل أىّ شيء حرّم ربّكم عليكم، أهذا الذى ادّعيتم تحريمه، أم هذا الذى جئتكم بتحريمه؟ وجوّز أن يكون المراد بالمتلوّ المحرّمات المذكورة فى قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾.
/فأمّا قوله: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ فيحتمل العامل فيه وجوها: أحدها فى قول بعض معربى القرآن أن يكون فى موضع نصب، بدلا من «ما».
والثانى: أجازه هذا المعرب: أن يكون فى موضع رفع، على تقدير مبتدأ محذوف، أى: هو ألاّ تشركوا به شيئا، ولا يصحّ عندى هذان التقديران، إلا أن يحكم بزيادة «لا» لأن الذى حرّمه الله عليهم هو أن يشركوا به، فإن حكمت بأن
«لا» للنفى صار المحرّم ترك الإشراك، فإذا قدّرت بها الطّرح كما لحقت مزيدة فى نحو: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ و ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ استقام القولان.
وأجاز الزجّاج فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون منصوبا بتقدير طرح اللام، وإضمار «أبيّن» أى أبيّن لكم الحرام لأن لا تشركوا به شيئا، لأنهم إذا حرّموا ما أحلّ الله لهم فقد جعلوا غير الله بمنزلة الله، ولمّا جعلوه فى قبولهم منه بمنزلة الله، صاروا بذلك مشركين.
والثانى: أن يكون محمولا على المعنى، فتضمر له فعلا من لفظ الأول ومعناه، وتقديره: أتل عليكم ألاّ تشركوا به شيئا، أى أتل عليكم تحريم الإشراك.
والثالث: أن يكون منصوبا بتقدير: أوصيكم بألاّ تشركوا به شيئا؛ لأن قوله:
﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ محمول على معنى: وأوصيكم بالوالدين إحسانا. انتهى كلام الزجّاج.
ويدلّ على تقدير إضمار الإيصاء قوله فى آخر الآية: ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ﴾ فانتصاب ﴿إِحْساناً﴾ على أنّه مفعول ثان لأوصيكم، كقولك: أوصيك بزيد خيرا. قال أبو النجم:
أوصيت من برّة قلبا حرّابالكلب خيرا والحماة شرّا
ويحتمل عندى قوله: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ﴾ وجهين آخرين، أحدهما: أن تكون «أن» مفسّرة بمعنى «أى» كالتى فى قوله تعالى: ﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا﴾ معناه: أى امشوا، وتكون «لا» نهيا، و «أن» المفسّرة تؤدّى معنى
القول، فكأنه قيل: أقول: لا تشركوا به شيئا، وتنصب «إحسانا» فى هذا الوجه على المصدر، والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا.
فإن قيل: إن «أحسن» إنما يتعدّى بإلى كما قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ قيل: إنه قد يعدّى أيضا بالباء، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ وكذلك نقيضه، عدّته العرب تارة بالباء، وتارة بإلى فقالوا: أسأت إليه، وأسأت به، قال كثيّر:
أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومةلدينا ولا مقليّة إن تقلّت
والوجه الثانى: أن تجعل ﴿عَلَيْكُمْ﴾ منفصلة مما قبلها، فتكون إغراء بمعنى الزموا، كأنه اجتزأ بقوله: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثمّ قيل على وجه الاستئناف: ﴿عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ أى عليكم ترك الإشراك، وعليكم إحسانا بالوالدين، وأن لا تقتلوا أولادكم، وأن لا تقربوا الفواحش، كما تقول: عليك شأنك، أى الزم شأنك، وكما قال تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أى الزموا أنفسكم.
وقوله: ﴿مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أى من خوف إملاق، ومن أجل إملاق، والإملاق والإفلاس والإقتار والإعدام: كلّه الفقر، واستعملت «من» فى موضع لام العلّة كقولهم: زرته من حبّى له، ولحبّى له، كما استعملت «الباء» مكان «اللام» فى قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾.
وقوله: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها﴾ موضعه نصب على البدل من ﴿الْفَواحِشَ﴾ ﴿وَما بَطَنَ﴾ عطف عليه، وقيل فى تفسير ما بطن: إنه الزّنا، وما ظهر: اتّخاذ الأخدان على جهة الرّبية، والأخدان: جمع خدن، وهو الصديق، يكون للمرأة، ويكون للرجل.
وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾ الألف/واللام فى النفس لتعريف الجنس، كقولهم: أهلك الناس الدّرهم والدّينار، ومثله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ ألا ترى أنه سبحانه قال: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ وقد أدخلوا الألف واللام فى الأوصاف على هذا المعنى، كقوله جلّت عظمته: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ وكقول الأخيليّة:
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخبنجد ولم يهبط مع المتغوّر
ومنه قول الراجز:
إن تبخلى يا مىّ أو تعتلّىأو تصبحى فى الظاعن المولّى
أى فى الظاعنين المولّين.
وقوله: ﴿ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ﴾ الكاف والميم فى ﴿ذلِكُمْ﴾ بخلاف الكاف والميم فى ﴿وَصّاكُمْ؛﴾ لأنهما فى ﴿ذلِكُمْ﴾ حرف للخطاب، لا يحكم لموضعه بشىء من الإعراب، وهما فى ﴿وَصّاكُمْ﴾ ضمير موضوع للمخاطبة موضعه نصب، ولو حكمت بأنه فى ﴿ذلِكُمْ﴾ ضمير وجب الحكم بأنه فى موضع جرّ بالإضافة، وأسماء الإشارة لا تصحّ إضافتها؛ لأن ذلك جمع بين تعريفين، تعريف الإشارة وتعريف الإضافة.
ويقال فى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ و ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ و ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ونحو ذلك مما ورد فى كلامه القديم سبحانه، كيف وقع «لعلّ» فى كلام الله تعالى؟ ولعلّ إنما هو حرف موضوع للرجاء، والراجى شاكّ، بدلالة أنك تقول: لعلّى أدخل الجنة، وأرجو أن أدخل الجنة، ولا تقول: أرجو أن يدخل النبىّ ﵌ الجنة، ولا: لعلّ النبىّ ﵌ يدخل الجنة، لأنك على غير يقين من دخولك الجنة، وغير شاكّ فى دخول النبىّ ﵌ الجنة.
وعن هذا السؤال ثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ ما جاء من هذا فى كلامه سبحانه، فهو على شكّ المخاطبين، فكأنه قيل: افعلوا ذلك على الرّجاء منكم/والطمع أن تعقلوا وأن تذكّروا وأن تتّقوا، وإلى هذا ذهب سيبويه فى قوله ﷿: ﴿اِذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ قال: معناه اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكّر أو يخشى.
والثانى: أن العرب قد استعملت «لعلّ» مجرّدة من الشكّ، بمعنى لام كى، فالمعنى: لتعقلوا ولتذكّروا ولتتّقوا، وعلى ذلك قول الشاعر:
وقلتم لنا كفّوا الحروب لعلّنانكفّ ووثّقتم لنا كلّ موثق
فلما كففنا الحرب كانت عهودكمكلمع سراب فى الملا متألّق
المعنى: كفّوا الحروب لنكفّ، ولو كانت «لعلّ» هاهنا شكّا لم يوثّقوا لهم كلّ موثق [وهذا القول عن قطرب].
والثالث: أن يكون «لعلّ» بمعنى التعرّض للشيء، كأنه قيل: افعلوا ذلك متعرّضين لأن تعقلوا أو لأن تذكّروا أو لأن تتّقوا.
تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ هذه الآية من الآى المشكلة التى تعلّقت بها الملحدة، وأنا إن شاء الله أكشف لك غموضها وأبرز مكنونها.
يقال: ما عبأت بفلان: أى ما باليت به، أى ما كان له عندى وزن ولا قدر، والمصدر العبء، و «ما» استفهامية، ظهر ذلك فى أثناء كلام الزجاج، وصرّح به الفراء،
وليس يبعد أن تكون نافية، لأنك إذا حكمت بأنها استفهام، فهو نفى خرج مخرج الاستفهام، كما قال: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾.
وقال ابن قتيبة: فى هذه الآية مضمر، وله أشكلت، أى ما يعبأ بعذابكم ربى، قال: ويوضّح ذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ أى يكون العذاب لمن كذّب بالحقّ لازما. انتهى كلامه.
وأقول: إن حذف المضاف فى كلام العرب وأشعارها وفى الكتاب العزيز أكثر من أن يحصى، وأحسنه ما دلّ عليه معنى/أو قرينة أو نظير أو قياس، فدلالة المعنى كقوله ﷻ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ أى حبّ العجل، وكقوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أى أهل القرية، وكقوله: ﴿فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أى أمر الله، وكقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ أى
[الحجّ] حجّ أشهر معلومات، وكقولهم: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، أى ماء السماء، وكقول مهلهل:
نبّئت أنّ النار بعدك أو قدتواستبّ بعدك يا كليب المجلس
أى أهل المجلس، وكقول المرقّش:
ليس على طول الحياة ندم
أى على فقد طول الحياة.
والقرينة مع المعنى كقول النابغة:
وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتىعلى وعل فى ذى المطارة عاقل
أى على مخافة وعل [وهو تيس الجبل] ودلّ على ذلك تقدّم ذكر المخافة، وأنه قصد إلى تشبيه حدث بحدث.
ودلالة القياس كقولهم: الليلة الهلال، أى طلوع الهلال، والجباب شهرين، أى لبس الجباب، وكقوله: «اليوم خمر وغدا أمر» أى اليوم شرب خمر، وغدا حدوث أمر، وإنما دلّ على هذه المحذوفات أن ظروف الزّمان لا تكون أخبارا عن الأعيان.
ودلالة النّظير مع القياس [والقرينة] كقوله سبحانه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ أراد هل يسمعون دعاءكم؟ كما قال فى الأخرى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾.
ودلالة القياس على هذا المحذوف أنك لا تقول: سمعت زيدا وتمسك حتى تأتى بعد ذلك بلفظ ممّا يسمع، كقولك: سمعته يقرأ، وسمعته ينشد، فتقدير ابن قتيبة:
ما يعبأ بعذابكم ربّى، نظيره فى التنزيل قوله ﷿: ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ/ بِعَذابِكُمْ﴾.
وقد جاء فى تفسير قوله: ﴿ما يَعْبَؤُا بِكُمْ:﴾ أى ما يفعل الله بكم، حكى ذلك الزجّاج.
وحقيقة القول عندى فيه أن موضع «ما» نصب، والتقدير: أىّ عبء يعبأ
بكم ربى، أى أىّ مبالاة يبالى ربّى بكم، وحذف جواب «لولا» كما حذف جواب «لو» فى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى﴾ أى لكان هذا القرآن، والمصدر الذى هو الدعاء على هذا القول مضاف إلى مفعوله، فى قول الفرّاء، وفاعله محذوف، فالتقدير: لولا دعاؤه إياكم، أى لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام، وجواب «لولا» تقديره: لم يعبأ بكم، أى لولا دعاؤه إياكم إلى توحيده لم يبل بذكركم.
وذهب ابن قتيبة، -وهو قول أبى علىّ الفارسىّ-إلى أن الدعاء مضاف إلى فاعله، والمفعول محذوف، الأصل: لولا دعاؤكم آلهة من دونه، وجواب «لولا» تقديره فى هذا الوجه: لم يعذبكم، ونظير قوله: لولا دعاؤكم آلهة من دونه قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾.
وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أى كذّبتم بما دعيتم إليه، هذا على القول الأول، وكذبتم بوحدانية الله، على القول الثانى ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ أى يكون تكذيبكم ملازما لكم، والمراد جزاء تكذيبكم، كما قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً﴾ أى جزاء ما عملوا، وكما قال جلّ وعلا: ﴿هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أى جزاء ما كنتم تكنزون، وحسن إضمار التكذيب لتقدّم ذكر فعله،
لأنك إذا ذكرت الفعل دلّ بلفظه على مصدره، كما قالوا: «من كذب كان شرّا له» أى كان الكذب، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ أى لكان الإيمان، وقوله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أى يرض الشّكر لكم.
والتفاسير مجمعة على أن/المراد بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ ما نزل بهم يوم بدر، وقال الزجّاج: «وقرئت ﴿لِزاماً﴾ مفتوحة اللام، قال: وتأويله: فسوف يكون تكذيبكم لازما لكم، فلا تعطون التوبة منه، وتلزمكم العقوبة، فيدخل فى هذا يوم بدر وغيره من العذاب الذى يلزمهم».
وأقول: إن اللّزام بالكسر: مصدر لازم لزاما، مثل خاصم خصاما، واللّزام بالفتح: مصدر لزم لزاما، مثل سلم سلاما، أى سلامة، قال الشاعر:
تحيّى بالسّلامة أمّ بكروهل لى بعد قومى من سلام
ومنه: ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أى دار السّلامة، فاللّزام بالفتح:
اللّزوم، واللّزام: الملازمة، والمصدر فى القراءتين وقع موقع اسم الفاعل، فاللّزام وقع موقع ملازم، واللّزام وقع موقع لازم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ أى غائرا، وإن شئت قدّرت مضافا، أى كان العذاب ذا لزام، وذا لزام.
آخر المجلس.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع