من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الرابع باب يشتمل على تفسير أبيات، إعرابا ومعنى
بيت للكميت بن زيد الأسدىّ، من قصيدة مدح بها بعض ملوك بنى أمية:
صرّ رجل الغراب ملكك فى الناس على من أراد فيه الفجورا
نصب «رجل الغراب»، على المصدر، قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: رجل الغراب: ضرب من صرّ أخلاف الناقة لا ينحلّ، ولا يقدر فصيل على أن يرضع معه، انتهى كلامه.
قال كبت الله عدوّه: إن هذا مثل ضربه وتشبيه، ومفعول «صرّ» محذوف، والمعنى: صرّ ملكك البلاد فمنعها من المفسدين وفطمهم منها، كما يمنع الفصيل لبن أمّه بالصّرّ، والتقدير: صرّ البلاد ملكك صرّا مثل الصّرّ المعروف برجل الغراب.
بيت للشمّاخ.
إذا الأرطى توسّد أبرديهخدود جوازئ بالرّمل عين
الأبردان: الغداة والعشىّ، والجوازئ من البقر والظباء: التى جزأت بالرّطب
عن الماء، أى استغنت، وهو جمع جازئ وجازئة، والمصدر الجزء مضموم الأول، والجزوء أيضا على الفعول، والعين: الواسعة العيون، الواحد أعين وعيناء.
ويقال: ما موضع الأرطى؟
والجواب: نصب بتوسّد، ولا حاجة بك إلى إضمار فعل ينصبه، يكون هذا مفسّرا له، لأن الظاهر غير مشغول عن العمل فيه، وانتصاب «أبرديه» على الظرف، والهاء عائدة على الأرطى، ولو أنها اتصلت بالفعل فقيل: توسّده، وجب أن تضمر للأرطى ناصبا يفسّره هذا الظاهر، ولكنه كقولك: إذا زيدا أكرم بكر طرفى نهاره كان كذا.
أنشد أبو العباس محمد بن يزيد، فى المقتضب:
بعد اللّتيّا واللّتيّا والّتىإذا علتها أنفس تردّت
لم يأت للموصولين الأوّلين بصلة، لأن صلة الموصول الثالث دلّت على ما أراد، ومثله:
من اللّواتى والّتى واللاّتىزعمن أنّى كبرت لداتى
وصل اللاتى وحذف صلة اللواتى والتى، للدّلالة عليها.
ومما حذف منه صلة موصولين، فلم يؤت فيه بصلة أخرى، قول سلمىّ بن ربيعة السّيدىّ:
/ولقد رأبت ثأى العشيرة بينهاوكفيت جانيها اللّتيّا والّتى
أراد اللّتيّا والتى تأتى على النفوس، لأن تأنيث اللّتيّا والتى هاهنا إنما هو لتأنيث الداهية، ألا ترى إلى قول الراجز:
بعد اللّتيّا واللّتيّا والتىإذا علتها أنفس تردّت
وتردّت: تفعّلت من الرّدى، مصدر ردى يردى: إذا هلك، وإن شئت أخذته من التردّى: الذى هو السّقوط من علو، ومنه «المتردّية»: الشاة التى تسقط من جبل أو حائط، أو فى بئر فتموت، ومنه: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى﴾ أى إذا سقط على رأسه فى جهنم.
وحذف الصّلة من هذا الضّرب من الموصولات إنما هو لتعظيم الأمر وتفخيمه، ومثل ذلك حذف الأجوبة فى نحو: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ﴾
ونحو: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً﴾ تقدير الجواب، والله أعلم: لرأيت أمرا هائلا، ومن ذلك قولهم: «أصاب الناس جهد ولو ترى أهل مكة» تقدير المحذوف: لرأيتهم بأسوإ حال، وقد جاء التحقير فى كلامهم للتعظيم كقوله:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهمدويهية تصفرّ منها الأنامل
أراد بالدّويهية الموت، ولا داهية أعظم منها، وكقول أوس بن حجر:
فويق جبيل شامخ الرأس لم تكنلتبلغه حتّى تكلّ وتعملا
أى لم تكن لتبلغ رأسه.
فتحقير اللّتيّا هاهنا إنما هو تعظيم، ويبعد أن يكون أراد باللّتيّا الفعلة الهيّنة لقوله: «وكفيت جانيها اللّتيّا»، والفعلة الهيّنة لا يكاد فاعلها يسمّى جانيا.
/فأما قوله: «ولقد رأبت ثأى العشيرة بينها» فالرّأب: الإصلاح، والثّأى:
الفساد، والظّرف متعلّق بالثّأى: أى أصلحت ما فسد بينها.
بيت، سأل عن إعرابه ومعناه أبو الحسن علىّ بن عبد الرحمن المغربىّ:
أنّى تردّ لى الحمول أراهمما أقرب الملسوع منه الداء
فأجبت بأن الداء مبتدأ قدّم خبره عليه، وإن كان الخبر جملة، اتّساعا، لأن
البصريّين مجمعون على جواز تقديم الجملة على المخبر بها عنه، كقولك: مررت به المسكين، وأكرمت أخاه زيد، أى المسكين مررت به، وزيد أكرمت أخاه، والمعلّق للجملة بالمبتدإ الهاء فى «منه» فالتقدير: الداء ما أقرب الملسوع منه، كقولك:
زيد ما أحسن وجهه، وجاز الإخبار بجملة التعجب، لأن التعجب ضرب من الخبر، من حيث يدخله التصديق والتكذيب، ومثل ذلك الإخبار بنعم وفاعلها، فى قولك: نعم الرجل زيد، فى قول من جعل زيدا مبتدأ، كأنك قلت: زيد نعم الرجل، وإنما ألزموا الخبر المركّب من نعم وفاعلها التقديم على المبتدأ غالبا؛ لقوّة عنايتهم بالمدح.
والأصل فى الحمول أن تكون الأحمال، واتّسعوا فيها حتى استعملوها للمتحمّلين.
ومن ذلك قول المتنبى فى وصف الدنيا:
من رآها بعينها شاقه القطّان فيها كما تشوق الحمول
أى كما يشوق المتحمّلون.
وقوله: «أنّى تردّ لى الحمول» استفهام أخرجه مخرج الإنكار، وقال:
«أراهم» فأعاد إلى الحمول ضمير العقلاء الذّكور، لأنه ذهب بالحمول إلى المتحمّلين.
وقد جاءت الحمول بمعنى النساء المتحمّلات فى قول معقّر بن حمار البارقىّ:
أمن آل شعثاء الحمول البواكرمع الصّبح قد زالت بهنّ الأباعر
والمعنى أنه استبعد بقاءه إلى حين رجعة المتحملين إليه ونظره إليهم، فقال: كيف يردّ لى الذين تحمّلوا حتى أراهم، أى لا يكون ذلك؛ لأنى كالملسوع الذى داؤه المؤدّى إلى موته أقرب الأشياء إليه، لأن داء الملسوع لا تكاد ترجى السلامة منه.
امرؤ القيس، فى وصف ناقته:
تخدى على العلاّت سام رأسهاروعاء منسمها رثيم دامى
جالت لتصرعنى فقلت لها اقصرىإنى امرؤ صرعى عليك حرام
خدى البعير يخدى خديا، ووخد يخد وخدانا ووخدا: كلاهما من السير السريع.
وقوله: «على العلاّت» أى على ما بها من الكلال والجوع والعطش.
و «سام رأسها»: أى مرتفع من نشاطها، وموضع «سام» نصب على الحال، ولكنه أسكنه ضرورة، كقول بشر بن أبى خازم:
كفى بالنأى من أسماء كافى
فرأسها إذا مرتفع بسام، دون الابتداء، ارتفاع الفاعل بفعله، لأن اسم الفاعل إذا اعتمد عمل عمل الفعل، واعتماده أن يكون خبرا أو صفة أو صلة أو حالا.
وروعاء: حديدة الفؤاد، ترتاع من كلّ شيء، وانتصابها على الحال.
والمنسم للبعير كالظّفر للإنسان.
ورثيم: مشقوق، فعيل بمعنى مفعول، صكّته الحجارة فرثمته، وأصل الرّثم فى الأنف، يقال: رثمت أنفه: إذا شققته حتى يسيل [منه] دم، ولكنه استعاره للمنسم.
وقوله: اقصرى، من القصر الذى هو الحبس، أى احبسى جولانك، ومنه ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ﴾.
وقوله: «إنى امرؤ صرعى عليك» كان حقّه أن يقول: صرعه، فيعيد إلى امرئ ضمير غيبة، لأنه اسم غيبة، ولكنه لما وقع خبرا عن ياء المتكلم، والخبر المفرد هو المخبر عنه، أعاد إليه من الجملة التى وصفه بها ضمير متكلّم، ونظير ذلك فى التنزيل قوله جلّت عظمته: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ كان قياسه: يجهلون بالياء، لأنه صفة قوم، وقوم اسم غيبة، والتاء/خطاب، ولكن حسن إجراء الخطاب وصفا لقوم، لوقوعه خبرا عن ضمير المخاطبين.
وقال أبو حاتم سهل بن محمد فى قوله: «صرعى عليك حرام»: المعنى أنه حاذق بالركوب، فهذه الناقة لا تقدر أن تصرعه، وقال غير أبى حاتم: معناه قد آتيت إليك من الإحسان ما لا ينبغى لك معه أن تصرعينى، أى قد حرّم إحسانى إليك صرعى عليك.
وهذا البيت انفرد الأصمعىّ بروايته، وروى «حرام» مكسور الميم، ولو رواه بضمها على الإقواء كان أحبّ إلىّ، وقال أبو حاتم فى تعليل الكسر فيه: أخرج «حرام» مخرج كفاف، من قول الراجز:
يا ليت حظّى من جداك الضّافىوالفضل أن تتركنى كفاف
عدل كفاف عن كاف، وإن شئت قدّرتها معدولة عن التّركة الكافّة. انتهى كلامه.
قال أدام الله نعمته: حرام لا يتأتّى فيها العدل عن فاعل أو فاعلة، كما تأتّى ذلك فى كفاف، وكفاف قد اتّسع استعمالها فى الشعر القديم، وقد ورد فى أشعار المتأخّرين، كقول أبى العلاء المعرّىّ، فى ابتداء مرثية أبى أحمد الموسوىّ والد المرتضى والرّضىّ:
أودى فليت الحادثات كفافمال المسيف وعنبر المستاف
المسيف: الذى ذهب ماله، والمستاف مفتعل من السّوف، وهو الشّمّ.
عدل كفاف عن كافّة، أى ليت الحادثات كفّت عنا خيرها وشرّها، فلم تسد إلينا خيرا، ولم توقع بنا شرّا، فقام هذا بهذا.
وإذا كان العدل فى «كفاف» ممكنا وفى «حرام» متعسّفا وجب اطّراح المتعسّف، وأن تحمل هذه اللفظة على وجه يستقيم به فيها الكسر، وذلك أن يكون /ألحقها ياء النّسب للمبالغة، من حيث كانت وصفا، كقولهم فى الأحمر: أحمرىّ، وفى الدّوّار: دوّارىّ، قال الراجز:
والدّهر بالإنسان دوّارىّ
ثم خفّف الياء من «حرامىّ» ضرورة، كما خفّفها القائل:
قتلت علباء وهند الجملى
فهذا أمثل ممّا رآه أبو حاتم، ويجب على هذا الوجه إثبات الياء فى الخطّ.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع