من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الخامس
بيت للرّضىّ من قصيدة مدح بها الطائع، رضى الله عنه:
قد كان جدّك عصمة العرب الألىفاليوم أنت لهم من الإعدام
قوله: «الألى» يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون اسما ناقصا بمعنى الذين أراد الألى سلفوا، فحذف الصّلة للعلم بها، كما حذفها عبيد بن الأبرص فى قوله:
نحن الألى فاجمع جموعك ثم وجّههم إلينا
أراد نحن الألى عرفتهم.
والوجه الثانى: أن يكون أراد الأولى، فحذف الواو التى هى عين الفعلى، كما حذفها الأسود بن يعفر فى قوله:
وأتبعت أخراهم طريق الاهمكما قيل نجم قد خوى متتايع
قيل: إنه أراد هجوت آخرهم كما هجوت أولهم، أى ألحقت آخرهم بأولهم فى الهجاء، ويقال: خوت النجوم: إذا سقطت فلم يكن عن سقوطها مطر.
ويدلك على أنه أراد بألاهم أولاهم أمران، أحدهما: معادلتها لأخراهم، ومثله قول أميّة بن أبى الصّلت:
وقد علمنا لو أنّ العلم ينفعناأن سوف تلحق أخرانا بأولانا
/ومثله فى كتاب الله ﷿: ﴿قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ﴾.
/والثانى: أنها لا تخلو من أن يكون المراد بها ما ذكرته، أو تكون «ألى» المبهمة التى فى قول الأعشى:
هاؤلا ثم هاؤلا كلاّ اعطيت نعالا محذوّة بنعالى
أو تكون التى بمعنى الذين، كقول بشر:
ونحن ألى ضربنا رأس حجر
فلا يجوز أن تكون المبهمة ولا الموصولة، لأنّ تينك لا تضافان، فثبت ما ذكرته أن المراد بها أولاهم، وإنما استجازوا مثل هذا الحذف فى المعتلّ الأصلىّ تشبيها له بالزائد، كقولهم فى الرّءوف: الرّؤف، وفى العلابط: العلبط، وفى العرنتن:
العرتن، وفى العريقصان: العرقصان، ومن ذلك حذفهم اللام من مراما، فى قولهم مرامىّ تشبيها لها بألف التأنيث فى حبارى، وحذفهم الياء الساكنة التى هى عين فى تحيّة، تشبيها بالياء الزائدة فى حنيفة، فقالوا: تحوىّ، كما قالوا: حنفىّ، وكذلك شبّهوا اللامات المعتلّة بالحركة الزائدة، فحذفوهنّ للجزم فى نحو: لم يدع ولم يمش ولم يخش، كما حذفوا الحركة من الصحيح.
العلابط: القطيع الضخم من الغنم، والعرنتن: ضرب من الشجر، والعريقصان: اسم جنس من الدوابّ.
بيت للرضىّ، قال أدام الله نعمته: سئلت عنه:
تزهى على تلك الظّباء فليت شعرى من أباها
وقف الهوى بى عندهاوسرت بقلبى مقلتاها
يحتمل قوله: «من أباها» ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون بمعنى قولك:
أبواها، فهو تثنية أب، على لغة من قال: هذان أبان، ورأيت أبين، ومررت /بأبين، فلم يردّ لامه فى التثنية، كما لم يردّ اللام من قال: يدان ودمان، وأنشدوا
على هذه اللغة قول الفرزدق.
يا خليلىّ اسقيانىأربعا بعد اثنتين
من شراب كدم الجوف يحرّ الكليتين
واصرفا الكأس عن الجاهل يحيى بن حصين
لا يذوق اليوم كأساأو يفدّى بالأبين
وعلى هذا المذهب ثنّاه المتنبي فى قوله:
تسلّ بفكر فى أبيك فإنّمابكيت فكان الضّحك بعد قريب
فوزن أباها وأبيك: فعاها وفعيك، وحذفا منهما النّونين للإضافة.
والثانى: أن يكون المراد بقوله «أباها» واحدا، على لغة من قال: هذا أبا، ورأيت أبا، ومررت بأبا، فأبدل من الواو التى هى لام الفعل ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، إذا الأصل فيه: أبو كقلم، فجاء به على حدّ عصا، ويدلّ على أنه فى الأصل فعل مفتوح العين جمعه على آباء، فجاء على حدّ جبل وأجبال، وهذه اللغة رواها أبو العباس ثعلب.
والثالث: أن يكون معنى قوله: «من أباها» من كان لها أبا، فأباها على هذا فعل كقولك: رآها، من قولهم: أبوت ثلاثة: أى كنت أبا لثلاثة.
ورووا أن أعرابيّا وقف على قوم فسألهم فقال: إنى أبوت عشرة، وأخوت عشرة، وأنا اليوم وحيد، فرحم الله من أمر بمير أو دعا بخير.
وقوله: «تزهى» من الزّهو، الذى هو الكبر، لا يستعملونه إلا مضموم الأول
على ما لم يسمّ فاعله، تقول: زهيت علينا يا رجل تزهى، فأنت مزهوّ، أى تكبّرت، ولا تقول: زهوت، فتجعل الفعل له، لأن الفعل إنما هو للشيء الذى يحمله على الزّهو، كالمال والجمال والسلطان، وإنما يفسّرون زهيت بتكبّرت مجازا، وتفسيره: حملت على التكبّر.
/وقوله: «ليت شعرى من أباها» لك فى خبر «ليت» مذهبان: إن شئت قلت: هو محذوف لطول الكلام، وتقديره: واقع أو موجود، وإن شئت قلت: لمّا كان قوله «ليت شعرى» مؤدّيا معنى ليتنى أشعر، استغنى عن خبر، كما استغنى المبتدأ فى قولك: أقائم أخواك، حيث أدّى معنى يقوم، وقوله: «من أباها» جملة ابتداء عمل فى موضعها المصدر، كأنه قال: ليت أن أشعر أىّ الناس أباها.
وأمّا قول القائل:
ليت شعرى إذا القيامة قامتودعا بالحساب أين المصيرا
وقبله:
خمّر الشّيب لمّتى تخميراوحدا بى إلى القبور البعيرا
فإن المصير منصوب بالمصدر، وأين: خبر مبتدأ محذوف، تقديره أين هو، وقد
أساء بشيئين، بحذف المبتدأ، وبالفصل بين شعرى ومعموله بأين، وهو أجنبى، ولو أعطى الكلام حقّه قيل: ليت شعرى المصير أين هو؟
وقوله: «خمّر الشّيب لمّتى» معناه غطّى سوادها، ومنه الخمار لتغطيته الوجه، والخمر لأنها تغطّى العقل، والخمر: ما يوارى من الشّجر، وعنى بالبعير عمره، كقولهم: من كان الليل والنهار مطيّته أسرعا به السّير.
بيت سئلت عنه
غير مأسوف على زمنينقضى بالهمّ والحزن
فقيل: بم يرتفع «غير»؟ فأقول: إن قوله: «مأسوف» مفعول من الأسف، وهو الحزن، «وعلى» متعلّقة به، كقولك: أسفت على كذا أسفا، وحزنت عليه حزنا، ولهفت عليه لهفا، وأسيت عليه أسى، وموضع قوله: «بالهمّ» نصب على الحال، والتقدير: ينقضى مشوبا بالهمّ و «غير» رفع بالابتداء، ولما أضيفت إلى اسم المفعول، وهو مسند إلى الجارّ والمجرور، استغنى المبتدأ عن خبر، كما استغنى «قائم ومضروب» فى قولك: أقائم أخواك؟ وما مضروب غلاماك، عن خبر، من حيث سدّ الاسم المرفوع بهما مسدّ الخبر، لأن «قائم ومضروب» قاما مقام يقوم ويضرب، فتنزّل كلّ واحد منهما مع المرفوع به منزلة الجملة، وكذلك إذا أسندت اسم المفعول إلى الجارّ والمجرور سدّ الجارّ والمجرور مسدّ الاسم الذى يرتفع به، كقولك: أمحزون
على زيد؟ وما مأسوف على بكر، كما تقول فى الفعل: أيحزن على زيد؟ وما يؤسف على بكر، فلما كانت «غير» للمخالفة فى الوصف، فجرت [لذلك] مجرى حرف النفى، وأضيفت إلى اسم المفعول، وهو مسند إلى الجارّ والمجرور، -والمتضايفان بمنزلة الاسم الواحد-سدّ ذلك مسدّ الجملة، حيث أفاد قولك:
غير مأسوف على زيد، ما يفيده قولك: ما يؤسف على زيد.
ربيعة بن مقروم الضّبّىّ:
وواردة كأنها عصب القطاتثير عجاجا بالسّنابك أصهبا
كففت بمثل السّيد نهد مقلّصكميش إذا عطفاه ماءً تحلّبا
إن احتجّ محتجّ لمن أجاز: عرقا تصبّبت، فالدافع له أن يقول: إن العامل فى الماء هو الرافع للعطفين، من حيث كان التقدير: إذا تحلّب عطفاه ماءً، كقولك: إذا زيد راكبا خرج أكرمته، وإنما احتجت إلى إضمار الفعل بعد «إذا»، لأنها تطلب الفعل كما تطلبه «إن» الشرطيّة، والاسم بعدها يرتفع أو ينتصب بفعل مضمر يفسّره الظاهر، كما ارتفع بعد «إن» فى نحو: ﴿إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ﴾ وانتصب بعدها فى نحو:
لا تجزعى إن منفسا أهلكته
فمثال المرتفع بعد إذا ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ﴾ -و ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ﴾ ومثال المنتصب بعدها:
إذا ابن أبى موسى بلالا بلغتهفقام بفأس بين وصليك جازر
فإن قيل: لم نجد اسمين معا مرفوعا ومنصوبا عمل فيهما فعل مضمر.
قيل: بلى، قال سيبويه فى (باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره):
من ذلك قول العرب: أمّا أنت منطلقا انطلقت معك [أى لأن كنت منطلقا انطلقت معك] وأمّا زيد ذاهبا ذهبت معه، قال عبّاس بن مرداس:
أبا خراشة أمّا أنت ذا نفرفإنّ قومى لم تأكلهم الضّبع
ثم قال: فإنما هى «أن» ضمّت إليها «ما» وهى ما التوكيد، وألزمت «ما» لتكون عوضا من ذهاب الفعل، كما كانت الهاء والألف عوضا من ياء الزّنادقة واليمانى. انتهى كلامه.
وهذا الذى قد ذكره من مجىء اسمين مرفوع ومنصوب بفعل مضمر وإن لم يكثر فإنه قد ورد كما ترى.
ولو زعم زاعم أن «عطفاه» رفع بالفعل المضمر، وأن «ماءً» منتصب بقوله «تحلّبا» على قول من روى:
وما كان نفسا بالفراق تطيب
لم يبعد قوله
فأما قول سيبويه: «كما كانت الهاء والألف عوضا من ياء الزنادقة واليمانى» فتفسيره أن أصل الزنادقة: الزناديق، وأصل اليمانى: اليمنىّ، فحذفوا الياء من الزناديق، وعوّضوا منها هاء التأنيث، وحذفوا الياء الساكنة من اليمنىّ، وعوّضوا منها الألف.
والسّيد: الذئب، والنّهد من الخيل: الجسيم، والمقلّص: المرتفع، والكميش:
الصّغير الجردان.
والضّبع فى قوله: «فإن قومى لم تأكلهم الضبع» فيها قولان، أحدهما أنه عنى بالضبع السّنة الشديدة، ومنه الحديث عن النبىّ ﵌: «أن رجلا جاءه فقال: يا رسول الله، أكلتنا الضّبع، وتقطّعت عنّا الخنف» عنى بالخنف جمع خنيف: وهو ثوب من كتّان رديء.
والثانى: أنه أراد [أن قومه] لم يقتلوا فتأكلهم الضّباع.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع