تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الثالث

قال كبت الله أعداءه: كان بنو زياد العبسيّون الرّبيع وعمارة وقيس وأنس، كلّ واحد منهم قد رأس فى الجاهلية وقاد جيشا، وأمهم فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وكانت إحدى المنجبات، وهى التى سئلت فقيل لها: أىّ بنيك أفضل؟ فقالت:

ربيع، بل عمارة، بل قيس، بل أنس، ثم قالت: ثكلتهم إن كنت أدرى. وكان لكلّ واحد منهم لقب، فكان عمارة يقال له: الوهّاب، وكان الربيع يقال له:

الكامل، وقيس يقال له: الجواد، وأنس يقال له: أنس الحفاظ، وكان عمارة آلى على نفسه ألاّ يسمع صوت أسير ينادى فى الليل/إلا افتكّه، وفيه يقول المسيّب ابن عامر.

جزى الله عنّى والجزاء بكفّهعمارة عبس نضرة وسلاما
كسيف الفرند العضب أخلص صقلهتراوحه أيدى الرّجال قياما
إذا ما ملمّات الأمور غشينهتفرّجن عنه أصلتيّا حساما
لعمرك ما ألفيته متعبّساولا ماله دون الصّديق حراما

النّضرة: الحسن، ونضر الله وجهك: حسّنه، ومنه ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ والسّلام: التحيّة، والسّلام: السّلامة، والسّلام: الله جلّت عظمته، ومن السّلامة قول الشاعر:

تحيّى بالسّلامة أمّ بكروهل لى بعد قومى من سلام

ومن السلامة أيضا قول الله جلّ ثناؤه: ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وسمّى الله الجنة دار السلام، لسلامة أهلها من الآفات: الفقر والمرض والموت والأحزان.

والفرند: جوهر السيف. والأصلتىّ: الحسن، والأصلتىّ: الماضى من كلّ شيء.

ونصب «قياما» على الحال من الرجال، والحال من المضاف إليه قليلة، فمن ذلك قول الجعدىّ يصف فرسا:

كأنّ حواميه مدبراخضبن وإن كان لم يخضب

نصب «مدبرا» على الحال من الهاء، والحامية: ما فوق الحافر، وقيل الحامية:

ما عن يمين الحافر وشماله، وهذا أثبت.

وأنشدوا فى الحال من المضاف إليه قول تأبّط شرّا:

سلبت سلاحى بائسا وشتمتنىفيا خير مسلوب ويا شرّ سالب
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «أغرك مني يا ابن فعلة علتي»

ولست أرى أن «بائسا» حال من ضمير المتكلم الذى فى «سلاحى» ولكنه عندى حال من مفعول «سلبت» المحذوف، والتقدير: سلبتنى بائسا سلاحى، وجاء بالحال من المحذوف لأنه مقدّر عنده منوىّ، ومثل ذلك فى القرآن قوله جلّ وعزّ:

﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ فوحيدا حال من الهاء العائدة فى التقدير على «من» ومثله: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ ألا ترى أنك لا بدّ أن تقدّر خلقته وحيدا، وبعثه الله رسولا، لأن الاسم الموصول لا بدّ له من عائد لفظا أو تقديرا.

وإنما وجب العدول عن نصب «بائس» على الحال من الياء التى فى «سلاحى» لما ذكرته لك من عزّة حال المضاف إليه، فإذا وجدت مندوحة عنه وجب تركه.

وسلب: يتعدى إلى مفعولين، يجوز الاقتصار على أحدهما، كقولك: سلبت زيدا ثوبا، وقالوا: سلب زيد ثوبه، بالرفع على بدل الاشتمال، وثوبه، بالنصب على أنه مفعول ثان، وفى التنزيل: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ فيجوز على هذا أن تجعل «بائسا» مفعولا ثانيا بتقدير حذف الموصوف: أى سلبت سلاحى رجلا بائسا، كما تقول: لتعاملنّ منّى رجلا منصفا، ومما جاءت فيه الحال من المضاف إليه فى القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ قيل:

إن «حنيفا» حال من إبراهيم، وأوجه من ذلك عندى أن تجعله حالا من «الملّة» وإن خالفها بالتذكير، لأن الملّة فى معنى الدّين، ألا ترى أنها قد أبدلت من الدّين فى قوله جلّ وعزّ: ﴿دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾ فإذا جعلت «حنيفا» حالا من «الملّة»

فالناصب له هو الناصب للملّة، وتقديره: بل نتّبع ملّة إبراهيم حنيفا، وإنما أضمر «نتّبع» لأن ما حكاه الله عنهم من قولهم: ﴿كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ معناه:

اتبعوا اليهودية أو النّصرانية، فقال لنبيّه قل بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا.

وإنما ضعف مجىء الحال من المضاف/إليه، لأن العامل فى الحال ينبغى أن يكون هو العامل فى ذى الحال.

رجعنا إلى ما بدأنا به من الإخبار عن عمارة بن زياد العبسىّ. قالوا: وكان عمارة يحسد عنترة على شجاعته، إلا أنه كان يظهر تحقيره، ويقول لقومه: إنكم قد أكثرتم من ذكره، ولوددت أنى لقيته خاليا حتى أريحكم منه، وحتى أعلمكم أنه عبد، وكان عمارة مع جوده كثير المال، وكان عنترة لا يكاد يمسك إبلا، ولكن يعطيها إخوته ويقسمها فيهم، فبلغه ما يقول عمارة فقال:

أحولي تنفض استك مذرويهالتقتلنى فها أنا ذا عمارا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «أحوْلي تنفضُ استك مذرويها»
متى ما تلقنى خلوين ترجفروانف أليتيك وتستطارا
وسيفى صارم قبضت عليهأشاجع لا ترى فيها انتشارا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «حولي تنفض اِستُكَ مذرويه»
حسام كالعقيقة فهو كمعىسلاحى لا أفلّ ولا فطارا
ومطّرد الكعوب أحصّ صدقتخال سنانه فى اللّيل نارا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «حولي تنفض اِستُكَ مذرويه»
ستعلم أيّنا للموت أدنىإذا دانيت لى الأسل الحرارا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «حولي تنفض اِستُكَ مذرويه»
وخيل قد دلفت لها بخيلعليها الأسد تهتصر اهتصارا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «حولي تنفض اِستُكَ مذرويه»

المذروان: جانبا الأليتين المقترنان، ومن كلام العرب: «جاء ينفض مذرويه»

إذا جاء يتهدّد. وهذا الحرف مما شذ عن [قياس] نظائره، وكان حقّه أن تصير واوه إلى الياء كما صارت إلى الياء فى قولهم: ملهيان ومغزيان، لأن الواو متى وقع فى هذا النحو طرفا رابعا فصاعدا استحق الانقلاب إلى الياء، حملا على انقلابه فى الفعل فى نحو يلهى ويغزى، وإنما انقلبت الواو ياء فى قولك: ملهيان ومغزيان وإن لم تكن طرفا، لأنّها فى تقدير الطّرف، من حيث كان حرف التثنية لا يحصّن ما اتّصل به، لأن دخوله كخروجه، وصحّت الواو فى المذروين؛ لأنّهم بنوه على التثنية، فلم يفردوا فيقولوا مذرى، كما قالوا: ملهى، فصحّت لذلك، كما صحّت الواو والياء فى العلاوة والنّهاية، فلم يقلبا إلى الهمزة، لأنهم بنوا الاسمين على التأنيث، وكما صحّت الياء فى الثّنايين من قولهم: عقلته بثنايين: إذا عقلت يديه جميعا بطرفى حبل، لأنهم صاغوه مثنّى، ولو أنهم تكلّموا بواحده لقالوا: ثناء، مهموز كرداء، ولقالوا فى تثنيته: ثناءان وثناءين، كرداءين.

وقوله: «متى ما تلقنى خلوين» نصب «خلوين» على الحال من الفاعل والمفعول، أراد خاليين، ويروى، برزين: أى بارزين، ومثله الحال من ضمير الاثنين المستتر فى الظّرف من قوله ﷿: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ﴾.

والرّانفة: طرف الألية الذى يلى الأرض إذا كان الإنسان قائما. وأما الألية

فقال أبو علىّ الحسن بن أحمد الفارسىّ ﵀: قد جاء من المؤنّث بالياء حرفان، لم يلحق فى تثنيتهما التاء وذلك قولهم: خصيان وأليان، فإذا أفردوا قالوا: خصية وألية، وأنشد أبو زيد:

ترتجّ ألياه ارتجاج الوطب

وأنشد سيبويه:

كأنّ خصييه من التّدلدلظرف عجوز فيه ثنتا حنظل
للشاعر مالك بن المُرحَّل، من قصيدة «حمدُ الإلهِ واجبٌ لذاته»

انتهى كلامه. وقد جاءت فى قوله-: «روانف أليتيك» تاء التأنيث، كما ترى، /فالعرب إذا مختلفة فى ذلك.

ومعنى «تستطار»: تستخفّ، ويحتمل قوله «وتستطارا» وجهين من الإعراب، أحدهما: أن يكون مجزوما معطوفا على جواب الشرط، وأصله:

تستطاران، فسقطت نونه للجزم، فالألف على هذا ضمير عائد على الرّوانف، وعاد إليها وهى جمع ضمير تثنية، لأنها من الجموع الواقعة فى مواقع التثنية، نحو قولك:

وجوه الرجلين، فعاد الضمير على معناها دون لفظها، إذ المعنى رانفتا أليتيك، كما أن معنى الوجوه من قولك: حيّا الله وجوهكما، معنى الوجهين، لأنه لا يكون لواحد أكثر من وجه، كما أنه ليس للألية إلا رانفة واحدة.

والوجه الثانى: أن يكون نصبا على الجواب بالواو، بتقدير: وأن تستطارا، فالألف على هذا لإطلاق القافية، والتاء للخطاب، وهى فى الوجه الأول للتأنيث، ويجوز أن تجعل التاء فى هذا الوجه أيضا لتأنيث الرّوانف، وجاء الجواب بعد الشرط والجزاء، كما يجيء بعد الكلام الذى ليس بواجب، كالنهى والنفى فى قولهم: «لا تأكل السمك وتشرب اللبن»، و «لا يسعنى شيء ويعجز عنك»، ومثله فى انتصاب الجواب بالواو بعد الشرط والجزاء قول الله ﷿: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ﴾ -ثم قال: - ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ. وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ ومن قرأ: ﴿وَيَعْلَمَ﴾ رفعا-وهو نافع وابن عامر-استأنفه، ومثله فى النصب على الجواب بعد الواو قول النابغة:

فإن يهلك أبو قابوس يهلكربيع الناس والشّهر الحرام
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «ألم أقسم عليك لتخبرني»
ونأخذ بعده بذناب عيشأجبّ الظّهر ليس له سنام

قد روى [ونأخذ] جزما بالعطف على جواب الشرط، ويروى: «ونأخذ»، رفعا على الاستئناف، ويروى: «ونأخذ»، نصبا على الجواب، ومثله الجواب بالفاء بعد الشرط والجزاء فى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ الاختلاف فى «فيغفر» كالاختلاف فى «ونأخذ» قرأه ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائى، جزما بالعطف على «يحاسبكم» وقرأ عاصم وابن عامر، رفعا على الاستئناف، ويروى نصبه على الجواب عن ابن عباس رضى الله عنه، وإنما نصبوا الجواب بعد جملة الشرط والجزاء، لأن الجزاء متعلّق بالشرط، يقع بوقوعه ويمتنع بامتناعه، فأشبه النفى.

والأشاجع: عروق ظاهر الكفّ، واحدها: أشجع، وبه سمّى الرجل، وهو قبل التسمية مصروف كما ينصرف أفكل، ويقال: رجل عارى الأشاجع: إذا كان قليل لحم الكفّ.

وقوله: «حسام كالعقيقة فهو كمعى» العقيقة: الشّقّة من البرق، وهى ما انعقّ منه، وانعقاقه: تشقّقه. والكمع، والكميع: الضّجيع، وجاء فى الحديث- النّهى عن المكامعة والمكاعمة-والمكامعة: أن يضطجع الرجلان فى ثوب واحد ليس بينهما حاجز، والمكاعمة: أن يقبّل الرجل الرجل على فيه.

وقوله: «لا أفلّ ولا فطارا»: أى لا فلّ فيه ولا فطر، والفلّ: الثّلم، والفطر:

الشّقّ.

وموضع قوله: «كالعقيقة» رفع، وصف لحسام، ففى الكاف ضمير عائد على الموصوف. وانتصاب «أفلّ» على الحال من المضمر فى الكاف، والعامل فى الحال ما فى الكاف من معنى التشبيه، والتقدير: حسام يشبه العقيقة غير منفلّ ولا منفطر.

وقوله: «ومطّرد الكعوب»: أى متتابع الكعوب، أى ليس فى كعوبه اختلاف [يقال]: اطّرد القول: إذا تتابع، والكعوب من الرمح: العقد ما بين كل أنبوبين كعب.

والأحصّ: الأملس، يقال: انحصّ رأسه: إذا ذهب شعره، وسنة حصّاء:

لانبت فيها

والصّدق: الصّلب، وقوله:

ستعلم أيّنا للموت أدنىإذا دانيت لى الأسل الحرارا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «حولي تنفض اِستُكَ مذرويه»

أراد: إلى الموت أدنى، وإذا دانيت إلىّ الأسل، فوضع اللام فى موضع «إلى»، لأن الدّنوّ وما تصرّف منه أصله التعدّى بإلى، ومثله فى إقامة اللام مقام «إلى» قول الله سبحانه: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ أى أوحى إليها، ومثله ﴿قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ ثم قال: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾.

والأسل: الرّماح. والحرار: العطاش، ومن دعائهم: «رماه الله بالحرّة تحت القرّة»: أى بالعطش تحت البرد.

وقوله: «وخيل قد دلفت لها بخيل» الدّليف: المشى الرّويد، وهو فويق الدّبيب، وهو مشى الكتيبة إلى الكتيبة.

وقوله: «عليها الأسد تهتصر» معنى تهتصر: تجتذب أقرانها، يقال:

هصرت الغصن واهتصرته: إذا جذبته، ويقال: رجل هصر: إذا كان شديد الجذب للأقران، ومنه اشتقاق: مهاصر، اسم رجل. آخر المجلس.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.