من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس التاسع
مجلس يوم السبت، ثامن جمادى الأولى، من سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ -إلى قوله تعالى-: ﴿وَالْأَعْناقِ﴾ يقال: وهبت لك درهما، ووهبتك درهما، كما تقول:
وزنت لك الدّراهم، ووزنتك الدّراهم، وكلت لك البرّ، وكلتك البرّ، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ أى كالوا لهم، ووزنوا لهم، وقد عدّوا لفظ الأمر من وهب إلى مفعولين، الثانى منهما هو الأول، وأخرجوه من معنى الهبة، وأدخلوه فى معنى الحسبان، كقولك: هب زيدا مسيئا واعف عنه، أى احسبه مسيئا، وهب الأمير سوقة وخاطبه، أى ظنّه وعدّه كذلك، والمعنى نزّله فى ظنّك هذه المنزلة، قال قيس/بن الملوّح:
هبونى امرأ منكم أضلّ بعيرهله ذمّة إنّ الذّمام كبير
وداود من الأعجمية التى وافقت العربية فى الوزن، فجاء على مثال فاعول، كعاقول وكافور، ومثله فى الزّنة من الأعلام الأعجمية: سابور، وقابوس، ومن
غير الأعلام قولهم لمكيال الخلّ: راقود-وقال بعض اللغويين-: الراقود ما يجعل فيه الخلّ، ويسمّى الخابية.
وإحدى الواوين من داود وما أشبهه، كطاوس وناوس وهاون محذوفة من الخطّ، لأنهم يكرهون تكرير الأشباه فى كلمة.
وسليمان مصغّر سلمان، وكلّ اسم آخره ألف ونون زائدتان، فتصغيره محمول على تكسيره، فإن علمت أن العرب كسّرته فقلبت ألفه فى التكسير ياء، وأثبتت نونه، فجاءت به على مثال فعالين، حملت تصغيره على تكسيره، فصغّرته على مثال فعيلين، كقولك فى سلطان وسرحان وورشان: سليطين وسريحين ووريشين، لقولهم: سلاطين وسراحين ووراشين، فإن لم تعلم العرب كسّرته على هذا الحدّ أقررت ألفه فجئت به على مثال فعيلان، كقولك فى سكران وعثمان وسلمان: سكيران وعثيمان وسليمان، لأنهم لم يقولوا: سكارين ولا عثامين ولا سلامين، وإن شئت حذفت الألف من سليمان فى الخطّ لطوله بالحرف السادس.
و «نعم» من الألفاظ الموضوعة لغاية المدح، فلذلك مدح الله به نفسه فى قوله: ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ومدح بها أنبياءه، فقال فى سليمان وأيّوب: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ وأراد نعم العبد سليمان، ونعم العبد أيّوب، ولكنّ المقصود بالمدح قد يحذف تخفيفا إذا تقدّم ذكره، وحذفه يقوّى قول من يرى رفعه بالابتداء، لأنك إن جعلته خبر مبتدأ مقدّر، كان الحذف واقعا بجملة، وحذف المفرد أسهل من حذف الجملة.
و (أوّاب) من أوّب إذا رجّع/صوته بالتسبيح، و ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ رجّعى معه، أى سبّحى، والأوّاب أيضا: التّائب.
والصّافن من الخيل: القائم الذى يثنى إحدى يديه، أو إحدى رجليه حتى يقف بها على سنبكه، والسّنبك: مقدم الحافر، فثلاث من قوائمه حوافرها مطبقة على الأرض، والرابعة متّصل بالأرض طرف حافرها فقط، هذا قول أهل اللغة وأصحاب التفاسير.
وقال بعض اللغويين: الصّافن: القائم، ثنى إحدى قوائمه أو لم يثنها، وأصوب القولين عندى الأول، بدليلين، أحدهما: قول الشاعر:
ألف الصّفون فما يزال كأنّهممّا يقوم على الثّلاث كسيرا
والثانى قراءة عبد الله «فاذكروا اسم الله عليها صوافن» أراد معقّلات قياما على ثلاث، شبّه الإبل التى تقام لتنحر وإحدى قوائم البعير معقولة، بالخيل الصّافنة.
والجياد: جمع جواد، وكان القياس أن تصحّ الواو فى الجياد، لتحرّكها فى الواحد، كما صحّت الواو فى الطّوال، لتحرّكها فى طويل، ولكنه مما شذّ إعلاله كشذوذ التصحيح فى القود والاستحواذ ونحوهما، وقد قال بعضهم فى جمع الطويل:
طيال، وأنشدوا:
تبيّن لى أنّ القماءة ذلّةوأنّ أعزّاء الرّجال طيالها
وإنما يجب قلب الواو ياء فى هذا المثال من الجمع إذا سكنت فى الواحد، كواو ثوب وحوض، المنقلبة ياء فى ثياب وحياض.
والجواد من الخيل: كأنه الذى يأتى بجرى بعد جرى، كالجواد من الناس، الذى يعطى مرّة بعد مرّة، وفرّقوا بين مصادرهما، فقالوا: رجل جواد بيّن الجود، وفرس جواد بيّن الجودة والجودة.
وفى قراءة عبد الله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [بطرح قوله: فقال] وجاء فى قراءته عكس هذا: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ يقولان ﴿رَبَّنا﴾ والقول كثيرا ما يحذف لقوّة العلم بمكانه، وقد اتّسع حذفه فى القرآن، كقوله/ تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أى يقولون: سلام عليكم، وكقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ أى فيقال لهم: أكفرتم [بعد إيمانكم] وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ﴾
﴿إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ أى يقولون: ما نعبدهم.
وظاهر لفظ قوله تعالى: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أن انتصاب ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ على المصدر، وليس كذلك، لأنه لم يخبر أنه أحبّ حبّا مثل حبّ الخير، كما قال:
﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ أى شربا مثل شرب الهيم، وكقولك: ضربته ضرب الأمير اللّصّ، أى ضربا مثل ضرب الأمير اللصّ، لأنه لو أراد هذا لأخرج الخيل عن أن تكون من الخير، إذ التقدير: أحببت الخيل حبّا مثل حبّ الخير، وإذا كان هذا القياس ظاهر الفساد كما ترى، كان انتصاب ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ على وجهين:
أحدهما: أن يكون مفعولا به، والمعنى آثرت حبّ الخير، لأنك إذا أحببت الشىء فأنت مؤثّر له، وهذا قول الفراء والزجّاج، و ﴿الْخَيْرِ﴾ هاهنا: هو الخيل، وتسميتها بالخير مطابق لقوله ﵇: «الخيل معقود فى نواصيها الخير».
وقوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ إن شئت علّقته بالمعنى الذى حملت ﴿أَحْبَبْتُ﴾ عليه وجعلت «عن» نائبة مناب «على»، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أى على نفسه، فكأنه قيل: آثرت حبّ الخير على ذكر ربّى، وإن شئت علّقت «عن» بحال محذوفة تقديرها: آثرت حبّ الخير غافلا عن ذكر ربى، أو منصرفا عن ذكر ربّى.
والوجه الآخر: أن يكون ﴿أَحْبَبْتُ﴾ من قولهم: أحبّ البعير: إذا وقف فلم ينبعث، والإحباب فى الإبل كالحران فى ذوات الحافر، وأنشدوا:
/حلت عليه بالقطيع ضرباضرب بعير السّوء إذ أحبّا
فيكون انتصاب ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ على أنه مفعول له، و «عن» متعلّقة بمعنى أحببت، لأنه بمعنى تثبّطت، وهذا القول عن أبى عبيدة، حكاه عنه علىّ بن عيسى الرّمانىّ، قال: قال أبو عبيدة: أحبّ البعير إحبابا، وهو أن يبرك فلا يثور، وذلك فى الإبل كالحران فى الخيل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ أى لصقت بالأرض لحبّ الخير حتى فاتتنى الصلاة، قال أهل التفسير:
وكانت هذه الخيل وردت على سليمان ﵇ من غنيمة جيش كان له، فلما صلّى الظهر دعا بها فلم تزل تعرض عليه حتى غابت الشمس ولم يصلّ العصر، وكان مهيبا لا يبتدأ بشىء ولا يجسر أحد أن ينبّهه لوقت صلاة، ولم يكن ذلك عن تكبّر منه.
قال الزجاج: ولست أدرى أكانت صلاة العصر مفروضة فى ذلك الوقت أم لا؟ إلا أنّ عرض الخيل شغله حتى جاز وقت يذكر فيه الله تعالى، [قال]:
وقال أهل اللغة فى قوله: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ:﴾ يعنى [به] الشمس، ولم يجر لها ذكر، قال: وهذا لا أحسبهم أعطوا فيه الفكر حقّه، لأن فى الآية دليلا على الشمس، وهو قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ لأن معناه إذ عرض عليه بعد زوال الشمس، وليس يجوز الإضمار إلا أن يجرى له ذكر أو دليل بمنزلة الذّكر.
انتهى كلامه.
وأقول: إن إضمار الغائب مستعمل فى كلام العرب على أربعة أوجه: الأول:
عود الضمير إلى مذكور قبله، كقولك: زيد لقيته، وهند قامت، وأخواك أكرمتهما، وإخوتك انطلقوا، والنّساء برزن، هذا هو الأصل فى ضمير الغيبة.
والثانى: توجيه الضمير إلى مذكور بعده، ورد فى سياقة الكلام مؤخّرا ورتبته /التقديم، كقولك: ضرب غلامه زيد، وأكرمتهما أخواك، وكقولهم: «فى بيته يؤتى الحكم»، وكقول زهير:
إن تلق يوما على علاّته هرماتلق السّماحة منه والنّدى خلقا
ومثله فى التنزيل: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
والثالث: رجوع الضمير إلى معلوم قام قوّة العلم به، وارتفاع اللّبس فيه بدليل لفظىّ أو معنوىّ مقام تقدّم الذّكر له، فأضمروه اختصارا أو ثقة بفهم السامع، كقوله: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ أضمر الشمس لدلالة ذكر ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ عليها، من حيث [كان] ابتداء العشىّ بعد زوال الشّمس، ومثله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أضمر القرآن، لأن ذكر الإنزال دلّ عليه، ومثله: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ و ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ أضمر النفس لدلالة ذكر ﴿الْحُلْقُومَ﴾ و ﴿التَّراقِيَ﴾ عليها، ومثله قول حاتم:
أماوىّ ما يغنى الثّراء عن الفتىإذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
أراد حشرجت النفس: أى تردّدت، ومثله إضمار الأرض لقوّة الدلالة عليها فى قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ و ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ ومنه قول الحطيئة:
ألا طرقتنا بعد ما هجعوا هندوقد سرن خمسا واتلأبّ بنا نجد
أراد هجع أصحابى، فأضمرهم وأضمر المطايا فى سرن، والبيت أول القصيدة، ومنه فى شعر المحدثين قول دعبل:
نفر ابن شكلة بالعراق وأهلهفهفا إليه كلّ أطلس مائق
إن كان إبراهيم مضطلعا بهافلتصلحنّ من بعده لمخارق
/أراد مضطلعا بالخلافة، وقول ابن المعتز.
وندمان دعوت فهبّ نحوىوسلسلها كما انخرط العقيق
أضمر «الخمر»، لأن ذكر النّدمان دلّ عليها، ومن ذلك قول المتنبى:
خليلىّ ما هذا مناخا لمثلنافشدّا عليها وارحلا بنهار
أضمر «المطايا» لدلالة المناخ عليها، وهذا فى الشّعر القديم والمحدث غير محصور.
وقول دعبل: «نفر ابن شكلة» شكلة: أم إبراهيم بن المهدىّ، وعنى بنفوره وثوبه على الخلافة والمأمون بخراسان، وقوله: «فهفا إليه كلّ أطلس» أى خفّ إليه، من قولهم: هفا الظّليم: إذا عدا، وهفت الصّوفة: إذا طارت فى الهواء.
والأطلس: الذئب الأغبر، شبّه أتباعه بالذّئاب الغبر.
والمائق: الأحمق.
وقوله: «مضطلعا بها»: أى قويّا على حملها، يقال: اضطلع فلان بالأمر: أى قام به، وقويت أضلاعه على حمله.
وكان مخارق من حذّاق المغنّين، وكان إبراهيم مغنّيا بالعود.
والرابع: إضمار غائب لا يعود على مذكور ولا معلوم، وهو الضمير المجهول الذى يلزمه التفسير، إمّا بالجملة، وإمّا بالمفرد المنصوب، فالمفسّر بالجملة ضمير الشأن والقصّة فى نحو: هو زيد منطلق، و ﴿هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وإنه أنا ذاهب، و ﴿إِنَّهُ﴾
﴿أَنَا اللهُ﴾ فهذا ضمير الشأن، وهى هند جالسة، فهى ضمير القصة، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
والمفسّر بالمفرد الإضمار فى نعم وبئس وربّ، نحو نعم غلاما زيد، و ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ الأصل: نعم الغلام، وبئس البدل، فلما أضمرا فسّرا بنكرة من لفظيهما، والمضمر فى «ربّ» كقولك: ربّه رجلا عالما أدركت، وجاز أن يلاصق «ربّ» المضمر وهى لا تليها المعارف؛ لأنه غير عائد على مذكور، فهو جار مجرى ظاهر منكور.
وقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ طفق من/أفعال المقاربة، التى تلزم بعدها الأفعال المستقبلة، كجعل وأخذ وكرب، تقول: طفق يفعل كذا، وجعل يتكلّم بحجّته، وأخذ يلوم زيدا، وكربت الشّمس تغيب: أى قاربت المغيب، والتقدير: فطفق يمسح مسحا بالسّوق، لا بدّ له من يفعل [كذا]، كما قال تعالى: ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ولا يجوز أن تقدّر أن ﴿مَسْحاً﴾ وقع موقع ماسحا، كما وقع ﴿غَوْراً﴾ موقع غائرا فى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ لأنّ هذا الضّرب من الأفعال يلزمه يفعل، ظاهرا أو مقدرا.
والمسح هاهنا: القطع، ومنه اشتقاق التّمساح، لدابّة من دوابّ البحر، لأنه يقطع بأسنانه كما يقطع السيف.
وقوله: ﴿بِالسُّوقِ﴾ يجوز أن يكون وصفا لمسح، فتكون الباء متعلقة بمحذوف، أى مسحا واقعا بالسّوق، ويجوز أن يكون مفعولا به، عمل فيه الفعل المقدّر، والباء زائدة، أى فطفق يمسح الرءوس من الأعناق مسحا، والسّوق: جمع ساق، كدار ودور، ونار ونور، أنشد أبو زيد، وهو من أبيات الإيضاح:
شهدت ودعوانا أميمة أنّنابنو الحرب نصلاها إذا شبّ نورها
ومثله ممّا أنّث بتاء التأنيث: ناقة ونوق، وقارة-وهى الجبل المنفرد-وقور، ولابة-وهى الحرّة-ولوب، وساحة وسوح، قال الشاعر:
وكان سيّان أن لا يسرحوا نعماأو يسرحوه بها واغبرّت السّوح
هكذا أنشده الرّواة «سيّان» مرفوعا على إضمار الشأن فى «كان».
وروى عن ابن كثير أنه قرأ: ﴿بِالسُّوقِ﴾ على الفعول، وهمز الواو للزوم الضمّة
لها، وإن كانت وسطا، كما همزوها أوّلا فى نحو وجوه ووقّتت.
والتفاسير مجمعة على أنه ضرب بالسيف سوق الخيل وأعناقها، وقول الحسن [فى ذلك] وقتادة سواء، قالا: نسف عراقيبها، وضرب أعناقها، وقال قتادة: ما نازعه بنو إسرائيل فيما فعل، ولكن ولّوه /من ذلك ما ولاّه الله.
وقال الزّجّاج: لم يك سليمان ليضرب سوقها وأعناقها إلا وقد أباحه الله ذلك، ولو لم يكن ما فعله مباحا لكان قد جعل التوبة من الذنب بذنب عظيم.
وقال قوم: إنه مسح بالماء سوقها وأعناقها بيده، وهذا القول غير صحيح، لأنه لم تأت به رواية عن السّلف، ولأن شغلها إيّاه عن ذكر الله لا يوجب مسح سوقها وأعناقها بالماء، وإنما قالوا ذلك لأنّ قتلها منكر، وليس ما يبيحه الله بمنكر، وجائز أن يكون ذلك أبيح لسليمان وحظر فى هذا الوقت.
وكان مالك بن أنس يذهب إلى أنه لا ينبغى أن يؤكل لحم الخيل، لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً﴾ وقال فى الإبل: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع