تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

مسألة أخرى

/ قال سيبويه: وتقول: ما مررت بأحد يقول ذاك إلا عبد الله، وما رأيت أحدا يفعل ذاك إلا زيدا، هذا وجه الكلام، وإن حملته على الإضمار الذى فى الفعل فقلت: إلا زيد، فرفعت، فعربىّ، قال الشاعر:

فى ليلة لا نرى بها أحدايحكى علينا إلا كواكبها
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

وكذلك: ما أظنّ أحدا يقول ذاك إلا زيدا، وإن رفعت فجائز حسن، وإنما اختير النصب هاهنا؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا المستثنى بمنزلة المبدل منه، ولا يكون بدلا إلاّ من منفىّ، لأن المبدل منه منصوب منفىّ، ومضمره مرفوع، فأرادوا أن يجعلوا المستثنى بدلا من أحد، لأنه هو المنفىّ، وجعلوا «يقول ذاك» وصفا للمنفىّ، وقد تكلّموا بالآخر، لأن معناه معنى المنفىّ، إذ كان وصفا لمنفىّ. انتهى كلامه. ومعنى قوله: تكلّموا بالآخر، أى تكلّموا بالرفع فى المستثنى.

وأقول: إنّ إبدال المستثنى إنما يقع فيما كان غير واجب، نفيا أو نهيا، أو استفهاما، وذلك قولهم: ما خرج أحد إلا زيد، ولا تمرر بأحد إلا عبد الله، وهل لقيت أحدا إلا محمدا، فإن وصفت المستثنى منه بجملة من فعل وفاعل مضمر، كقولك: ما رأيت أحدا يقول ذاك، فحكم الصّفة حكم الموصوف، فى تناول

النفي [لها] فإذا استثنيت من الضمير [الذى] فى يقول، فكأنك استثنيت من الموصوف المضمر المنفىّ، فلذلك جاز الرفع فى المستثنى، من حيث كان بدلا من مرفوع عائد على المنفىّ.

والبيت الذى أنشده سيبويه شاهدا على جواز الرفع، من مقطوعة لرجل من الأنصار، وروى أنه لما أدخلت حبابة على يزيد بن عبد الملك دخلت وعليها ثياب معصفرة، وبيدها دفّ وهى تصفّقه بيدها، /وتغنى بهذه الأبيات:

ما أحسن الجيد من مليكة واللّبّاات إذ زانها ترائبها
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يشتاق قلبي إلى مليكة»
يا ليتنى ليلة إذا هجع الناس ونام الكلاب صاحبها
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يشتاق قلبي إلى مليكة»
فى ليلة لا نرى بها أحدايحكى علينا إلاّ كواكبها
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

رفع «كواكبها» على البدل من المضمر فى «يحكى»، ولولا احتياجه إلى تصحيح القافية كان النصب فيها أولى، من ثلاثة أوجه: أحدها إبدالها من الظاهر الذى تناوله النفى على الحقيقة، والثانى نصبها على أصل باب الاستثناء، كقراءة ابن عامر اليحصبىّ: «ما فعلوه إلاّ قليلا منهم»، والثالث أنه استثناء من غير الجنس، كقولك: ما فى الدار أحد إلا الخيام، وأهل الحجاز مجمعون فيه على النصب، وعلى ذلك أجمع القرّاء فى قوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ﴾.

والبيت الذى ذكره سيبويه يقع فى أكثر نسخ الكتاب غير منسوب إلى شاعر مسمّى، ووجدته فى كتاب لغوىّ منسوبا إلى عدىّ بن زيد، وتصفحت نسختين من ديوان شعر عدىّ فلم أجد فيهما هذه المقطوعة، بل وجدت له قصيدة على هذا الوزن وهذه القافية، أولها:

لم أر مثل الأقوام فى غبن الأيّام ينسون ما عواقبها
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «لم أر مثل الأقوام في غبن الأيام»
يرون إخوانهم ومصرعهموكيف تعتاقهم مخالبها
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «لم أر مثل الأقوام في غبن الأيام»
فما ترجّى النّفوس من طلب الخير وحبّ الحياة كاذبها
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «يشتاق قلبي إلى مليكة»

قوله: «فى غبن الأيام» يدل على أنهم قد استعملوا الغبن المتحرّك الأوسط فى البيع، والأشهر: غبنته فى البيع غبنا، بسكون وسطه، والأغلب على الغبن المفتوح أن يستعمل فى الرأى، وفعله غبن يغبن مثل ركب يركب، يقال: غبن رأيه، والمعنى: فى رأيه، ومفعول الغبن فى البيت محذوف، أى فى غبن الأيام إياهم، ومما استعمل فيه الغبن المفتوح الأوسط فى البيع قول الأعشى:

لا يقبل الرّشوة فى حكمهولا يبالى غبن الخاسر
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «واصل طيف الحب كالهاجر»

وقوله: «ما عواقبها» ما استفهامية، «وينسون» معلّق، كما علق نقيضه، وهو يعلمون، فالتقدير: ينسون أىّ شيء عواقبها، ويحتمل «ما» أن تكون موصولة بمعنى الذى أو التى، وكونها بمعنى التى هاهنا حسن، و «عواقبها» فى هذا الوجه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: ينسون التى هى عواقبها، أى ينسون الأشياء

التى هى عواقب الأيام، وجاز حذف العائد من الصلة، وهو أحد جزئى الجملة، على ضعف، كما روى عن رؤبة بن العجّاج أنه قرأ: ﴿مَثَلاً ما بَعُوضَةً﴾ بمعنى الذى هو بعوضة، وعلى هذا قرأ يحيى بن يعمر: ﴿تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أى الذى هو أحسن، وهذا وإن كان قبيحا من حيث كان المحذوف ضميرا مرفوعا، وهو أحد ركنى الجملة، فقد جاء مثله فى الشعر، نحو ما رواه الخليل عن العرب من قولهم:

ما أنا بالذى قائل لك سوءا، وروى شيئا، وإنما حسن حذف المبتدأ العائد هاهنا لتكثّر الصّلة بالموصول والجارّ والمجرور، ومثله فى التنزيل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي﴾

﴿السَّماءِ إِلهٌ﴾ التقدير: الذى هو فى السماء إله، وقوى الحذف هاهنا لطول الصّلة بالظرف، والظرف متعلق بإله، لأنه فى معنى معبود.

فإن قيل: هلاّ كان ﴿إِلهٌ﴾ مبتدأ، والظرف خبرا عنه قدّم عليه، لأن المبتدأ متى كان نكرة وخبره ظرف وجب تقديم الظرف، كقولك: فى الدار رجل، وإذا كان ﴿إِلهٌ﴾ مبتدأ والظرف خبره، لم يحتج [به] إلى تقدير جزء آخر.

فالجواب: أنّ هذا التقدير يؤدّى إلى إخلاء الصّلة من عائد على الموصول لفظا وتقديرا؛ لأنك إذا جعلت الظرف خبرا عن إله أضمرت فيه عائدا/على إله، وبقى الموصول بغير عائد، فقد ثبت بهذا صحّة ما قرّرته من تقدير مبتدأ راجع إلى الموصول.

ومعنى قوله: «وحبّ الحياة كاذبها» أن حبّ النفوس للحياة قد يستحيل بغضا، لما يتكرّر عليها من الشدائد والآفات التى يتمنّى صاحبها الموت، كما قال المتنبى:

كفى بك داء أن ترى الموت شافياوحسب المنايا أن يكن أمانيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

واللّبّة: الموضع الذى [يكون] عليه طرف القلادة، والترائب: واحدتها تريبة، وقيل: تريب، وهو الصّدر، وإنما جمع اللّبّة والتّربية بما حولهما، كأنه سمّى ما يجاور اللّبّة لبّة، وما يجاور التّربية تربية، كما قالوا: شابت مفارقه، وبعير

ذو عثانين، ومثل البيت فى جمع اللّبة والتّربية قول الآخر:

والزّعفران على ترائبهاشرق به اللّبّات والنّحر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لمن الديار رسومها قفر»

وفى التنزيل: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾.

آخر المجلس.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.