من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
مسألة (٢)
من مذاهب العرب للمبالغة إعطاء الأعيان حكم المصادر، وإعطاء المصادر حكم الأعيان، فمن ذلك قولهم: «أخطب ما يكون الأمير قائما» فأخطب إنما هو للأمير، وقد أضافوه إلى «ما» المصدرية، ولفظة أفعل التى وضعوها للمفاضلة مهما أضيفت إليه صارت بعضه، ولما أضافوا أخطب إلى «ما» وهى موصولة بيكون صار أخطب كونا، فالتقدير. أخطب كون الأمير، فهذا وصف للمصدر بما يوصف به العين، والمعنى راجع إلى الأمير، فلذلك سدّت الحال مسدّ خبر [هذا] المبتدأ، إذ الحال لا تسدّ مسدّ خبر المبتدأ إلا إذا كان المبتدأ اسم حدث، كقولك: ضربى زيدا جالسا، ولا تسدّ الحال مسدّ خبر المبتدأ إذا كان اسم عين، فالعامل فى هذه الحال
«كان» التامّة مضمرة، فهى حال من ضمير مستتر فى فعل مجرور الموضع، بإضافة ظرف زمانىّ إليه، عمل فيه اسم فاعل محذوف، فالتقدير: ضربى زيدا إذا كان جالسا، أو إذ كان جالسا، تقدّر/ما يقتضيه الفعل من زمان التوقّع أو المضىّ، وذو الحال الضمير المستكنّ فى «كان» وهى كان التى بمعنى وجد، وموضعها جرّ بإضافة «إذا» إليها أو «إذ»، والعامل فى هذا الظرف اسم فاعل مقدّر، كالذى تقدّره فى قولك: الخروج يوم السبت، أى واقع يوم السبت، فأما قول المتنبى:
بحبّ قاتلتى والشّيب تغذيتىهواى طفلا وشيبى بالغ الحلم
فيحتمل موضع «هواى وشيبى» الرفع والجرّ، فالرفع على أن يكونا مبتدءين، وطفلا وبالغ الحلم حالان سدّا مسدّ الخبرين، على ما قررته فى قولك: ضربى زيدا جالسا، فالتقدير: هواى إذ كنت طفلا، وشيبى إذ كنت بالغ الحلم، والجرّ على أن تبدلهما من الحبّ والشّيب، وحسن إبدال الهوى من الحبّ إذ كان بمعناه، والعامل فى الحالين على هذا القول المصدران اللذان هما هواى وشيبى، فالتقدير:
تغذيتى بحبى قاتلتى، وبالشّيب بأن هويت طفلا، وبأن شبت بالغ الحلم. والقول الأول قول عثمان بن جنّى، والثانى قول الرّبعىّ، وكلاهما سديد.
والنصف الآخر من البيت تفصيل لما أجمله فى النصف الأول، لأنه بيّن [به] وقت المحبة ووقت الشّيب، والمعنى: هويت وأنا طفل، وشبت حين احتملت، فصار الهوى والشّيب كالغذاء لى.
ومن إعطاء العين حكم المصدر حتّى وصفوه بالمصدر، أو جرى خبرا عنه قوله
تعالى: ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أى مكذوب به، وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ أى غائرا، وقوله: ﴿ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ أى ساعيات، فسعيا مصدر وقع موقع الحال، كقولهم: قتلته صبرا، أى مصبورا، والمعنى محبوسا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ أى إن ابنك عمل، فى أحد الأقوال الثلاثة، والقول الثانى: أن يكون فى الكلام/تقدير حذف مضاف، أى إنه ذو عمل، والثالث: أن يعاد الضمير إلى المصدر الذى هو السؤال، لدلالة فعله عليه، فالمعنى: إن سؤالك إياى أن أنجّى كافرا غير صالح، وأوجهها أنه جعله العمل اتساعا؛ لكثرة وقوع العمل غير الصالح منه، كقولهم:
ما أنت إلا نوم، وما زيد إلا أكل وشرب، وإنما أنت دخول وخروج، ومنه قول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرتفإنّما هى إقبال وإدبار
فى أحد الوجهين، لأنه يتأوّل على: هى ذات إقبال وإدبار، ومن ذلك قول الشاعر:
ألف الصّفون فما يزال كأنّهممّا يقوم على الثّلاث كسيرا
قد ذكرت قبل أن الصّفون مصدر صفن: إذا ثنى فى وقوفه إحدى قوائمه فوقف على سنبكها، وقد يكون الصّفون أيضا فى غير هذا جمع صافن، قال عمرو بن كلثوم:
تركنا الخيل عاكفة عليهمقلّدة أعنّتها صفونا
وكسير على هذا المعنى من الأوصاف المعدولة عن فاعل إلى فعيل للمبالغة، فكسير أبلغ فى الوصف من كاسر، كما أن رحيما وسميعا وقديرا أبلغ من سامع وراحم وقادر، لأن الموصوف بفعيل هو الذى يكثر منه ذلك الفعل، ومعنى كاسر: ثان، من قولك: ثنى يده: أى لواها، وثنى الفرس قائمته، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ أى لاويا عنقه تكبّرا، وانتصاب «كسيرا» على أنه خبر ما يزال.
وقوله: ممّا يقوم على الثّلاث: ما مصدرية، فالمعنى: من قيامه، ومن متعلّقة بالخبر المحذوف، فتحقيق اللفظ والمعنى: ألف القيام على ثلاث فما يزال كسيرا، أى ثانيا إحدى قوائمه، حتى كأنه مخلوق من القيام على الثلاث.
ومثله فى وصف/العين باسم الحدث قول الآخر:
ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبلوضنّت علينا والضّنين من البخل
كأنه قال: والضنين مخلوق من البخل، ومثله:
*وهنّ من الإخلاف قبلك والمطل ...
أى: والنساء خلقن فى أوّل الدهر من الإخلاف والمطل، فهذا كلّه من تنزيل الأعيان منزلة المصادر.
فأما تنزيل المصادر منزلة الأعيان، فكقولهم: موت مائت، وشيب شائب، وشعر شاعر، قال ابن مقبل:
إذا متّ عن ذكر القوافى فلن ترىلها شاعرا مثلى أطبّ وأشعرا
وأكثر بيتا شاعرا ضربت بهبطون حبال الشّعر حتى تيسّرا
أراد بخبال الشّعر أسباب الشّعر، لأن الحبل يسمّى سببا.
وقد ذهب بعضهم فى قوله: «ممّا يقوم على الثلاث كسيرا» إلى أن «ما» بمعنى الذى، والمضمر فى «يقوم» عائد على «ما»، وكسيرا حال من الضمير، وهو بمعنى مكسور، كقتيل ومقتول، والمعنى: كأنه من الحيوان الذى يقوم على الثلاث مكسورا، وخبر «ما يزال» الجملة من كأنّ واسمها وخبرها، والقول الأول قول أهل العلم الموثوق بعلمهم.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع