من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
بيت آخر منها
أمطر علىّ سحاب جودك ثرّةوانظر إلىّ برحمة لا أغرق
يقال: سحاب ثرّ، للكثير الماء، واستعاروه للفرس الكثير الجرى، قال الشاعر:
وقد أغدو إلى الهيجاء بالمحتنك الثّرّ
/المحتنك: الذى احتنكه السّنّ، وذلك إذا قرح، وقالوا للناقة الغزيرة وللطّعنة الواسعة، وللعين الكثيرة الدمع: ثرّة.
ونصب «ثرّة» على الحال، وأنّث الحال لأن السّحاب بمعنى السحائب، ومن قال: سحاب ثرّ، فلأن السحاب اسم مفرد يقع على الجنس، كالشّجر والنّخل، والأغلب عليه التذكير، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ﴾ و ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ و ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ وجاء التأنيث فى قوله تعالى:
﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ و ﴿أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ وأنّث الشجر فى قوله:
﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ. فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ وذكّره فى قوله: ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.
وكان الوجه فى إعراب «لا أغرق» الجزم، على أن يكون جوابا للطلب الذى هو قوله: «انظر إلىّ» بتقدير: فإنك إن تنظر إلىّ لا أغرق، ولهذا الحرف ذكرت هذا البيت.
ورفعه يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون أراد لئلاّ أغرق، وحذف لام العلّة، ثم حذف «أن» فرفع، كما فعل فى قوله:
أوجد ميتا قبيل أفقدها
أراد أن أفقدها، فحذف «أن» فارتفع الفعل لفقد الناصب، قال طرفة:
ألا أيّ هذا الزّاجرى أحضر الوغى
أراد أن أحضر [الوغى] فلما أسقط «أن» رفع، وإن كانت مرادة، ويدلّك على أنّ الأصل أن أحضر قوله:
وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدى
والثانى: أن تكون الفاء فيه مقدّرة، وإذا كانت الفاء فى الجواب مقدّرة ارتفع الفعل بتقديرها، كما يرتفع بإثباتها، وإذا كانوا يحذفونها من جواب الشرط الصريح فيرفعون، كان حذفها من جواب الأمر النائب عن الشرط أسهل، فممّا حذفت فيه من جواب الشرط قوله:
/من يفعل الحسنات الله يشكرها
فأما قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ بضم الضاد وتشديد الراء ورفعها، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: تقدير الفاء، والثانى: التقديم والتأخير، كأنه قيل: لا يضرّكم كيدهم شيئا إن تصبروا وتتقوا، وبهذا التقدير ارتفع «تصرع» من قول الراجز:
يا أقرع بن حابس يا أقرعإنّك إن يصرع أخوك تصرع
وإن شئت رفعته بتقدير الفاء، والثالث: أن يكون ضمّ الراء إتباعا لضمة الضاد، كقولك: لم يردّكم، والأصل: يضرركم، فألقيت ضمّة المثل الأول على الساكن قبله، وحرّك الثانى بالضم إتباعا للضمة قبله، فلما حرّك الثانى وقد سكن الأول وجب الإدغام، وتحريك الثانى فى هذا النحو بالفتح هو الوجه؛ لخفّة الفتحة مع التضعيف، وبه قرأ فى هذا الحرف المفضّل الضبّىّ عن عاصم بن أبى النّجود.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع