من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
إعراب بيت وما يتّصل به
ألم يأتيك والأنباء تنمىبما لاقت لبون بنى زياد
هذا البيت من مقطوعة لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسىّ، وكان سيّد قومه، ونشأت بينه وبين الرّبيع بن زياد العبسى شحناء فى [شأن] درع ساومه فيها، فلمّا نظر إليها وهو على ظهر فرسه وضعها على القربوس ثم ركض بها، فلم يردّها عليه، فاعترض قيس فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهى إحدى المنجبات، وهى أمّ الربيع بن زياد، وقد ذكرت هذا فيما مرّ من الأمالى، وكانت/حين عرض لها قيس في ظعائن من بنى عبس، فاقتاد جملها يريد أن يرتهنها بدرعه، فقالت له:
ما رأيت كاليوم قطّ فعل رجل! أين ضلّ حلمك؟ أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد
أبدا وقد أخذت أمّهم فذهبت بها يمينا وشمالا، فقال الناس فى ذلك ما شاءوا أن يقولوا، «وإنّ حسبك من شرّ سماعه»، فأرسلتها مثلا، فعرف قيس ما قالت، فخلّى سبيلها، ثم اطّرد إبلا لبنى زياد، فقدم بها مكّة، فباعها من عبد الله بن جدعان التّيمىّ معاوضة بأدراع وسيوف، ثم جاور ربيعة بن قرط بن سلمة بن قشير، وهو ربيعة الخير، ويكنى أبا هلال، وقيل: هو ربيعة بن قرط بن عبد بن أبى بكر بن كلاب.
وقال قيس فى ذلك:
ألم يأتيك والأنباء تنمىبما لاقت لبون بنى زياد
ومحبسها على القرشىّ تشرىبأدراع وأسياف حداد
كما لاقيت من حمل بن بدروإخوته على ذات الإصاد
هم فخروا علىّ بغير فخروردّوا دون غايته جوادى
وكنت إذا منيت بخصم سوءدلفت له بداهية نآد
بداهية تدقّ الصّلب منهفتقصم أو تجوب على الفؤاد
أطوّف ما أطوّف ثم آوىإلى جار كجار أبى دؤاد
تظلّ جياده يعسلن حولىبذات الرّمث كالحدإ الغوادى
كفانى ما أخاف أبو هلالربيعة فانتهت عنّى الأعادى
كأنّى إذ أنخت إلى ابن قرطأنخت إلى يلملم أو نضاد
قوله: «ألم يأتيك» أثبت الياء فى موضع الجزم لإقامة الوزن كما [أثبت الآخر] فى قوله:
هجوت زبّان ثمّ جئت معتذرامن هجو زبّان لم تهجو ولم تدع
/ووجه ذلك أنّهما نزّلا الواو والياء منزلة الحرف الصّحيح، فقدّرا فيهما الحركة، فكأنّ الجازم دخل ولفظ الفعل: يأتيك وتهجو بضم لاميهما، كقولك: يضربك ويخرج، فأسقط الحركة المقدرة كما يسقط الحركة الملفوظ بها، ويدلّك على أن الحركة فى هذا النحو مرادة أن الشاعر متى احتاج إليها أظهرها، كما أظهر الضّمّة فى ياء المنقوص، والكسرة فى نحو:
جاءنى ناعى بنعي سليمى
ونحو ما أنشده سيبويه لأعرابىّ من بنى كليب:
فيوما يجازينالهوى غير ماضى
ويوما ترى منهنّ غول تغوّل
وقد أثبتوا الألف فى موضع الجزم، تشبيها بالياء كقوله:
إذا العجوز غضبت فطلّقولا ترضّاها ولا تملّق
وكقول الآخر:
ما أنس لا أنساه آخر عيشتى
فأما إثباتها فى قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ فلأنه نفى لا نهى، أى فلست تنسى إذا أقرأناك، أعلمه الله أنه سيجعل له آية تبين بها الفضيلة له، وذلك أنّ الملك كان ينزل عليه بالوحى فيقرؤه عليه ولا يكرّره، فلا ينسى ﵌ شيئا مما يوحيه إليه وهو أمّىّ لا يخطّ بيده كتابا ولا يقرؤه، قال الله سبحانه: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾.
وقوله: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ فيه قولان: أحدهما: إلا ما شاء الله أن تنساه ثم تذكره بعد، والآخر: إلا ما شاء الله أن يؤخّره فتترك تلاوته على أصحابك إلى وقت آخر، فعلى هذا يكون معنى ﴿فَلا تَنْسى﴾: فلا تترك، كما قال: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أى تركوا الله فتركهم.
وروى أن المأمون قال لأبى علىّ المنقرىّ: بلغنى أنك أمّىّ، وأنك لا تقيم الشّعر، /وأنك تلحن، فقال: يا أمير المؤمنين، أما اللّحن فربّما سبق لسانى بشىء منه، وأمّا الأميّة وكسر الشّعر فقد كان رسول الله ﵌ لا يكتب ولا يقيم الشّعر، فقال له: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتنى رابعا، وهو الجهل، يا جاهل! إن ذلك كان للنبىّ ﵌ فضيلة، وهو فيك وفى أمثالك نقيصة، وإنما منع النبىّ ﵌ ذلك لنفى الظّنّة عنه، لا لعيب فى الشّعر والكتابة.
وفى فاعل «يأتيك» قولان، قيل: إنه مضمر مقدّر، كما حكى سيبويه «إذا كان غدا فأتنى» أى إذا كان ما نحن عليه من الرخاء أو البلاء غدا فأتنى، وتقديره:
ألم يأتك النبأ، ودلّ على ذلك قوله: «والأنباء تنمى» وقيل إن الباء فى قوله: «بما لاقت» زائدة، و «ما» هى الفاعل، كما زيدت الباء مع الفاعل فى: ﴿كَفى بِاللهِ﴾ ومع المبتدأ فى قولهم: «بحسبك قول السوء» ومع المفعول فى نحو: «لا يقرأن
بالسّور» ونحو: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وهى ومجرورها على القول الأول فى موضع النصب، لا متعلقة بتنمى.
وقوله: «كما لاقيت» العامل فيه محذوف، تقديره: لاقيت منهم كما لاقيت من حمل بن بدر، ومثله فى حذف الفعل منه للدّلالة عليه قول يزيد بن مفرّغ الحميرىّ:
لا ذعرت السّوام فى وضح الصّبح مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطى من المخافة ضيماوالمنايا يرصدننى أن أحيدا
طالعات أخذن كلّ سبيللا شقيّا ولا يدعن سعيدا
أراد: لا يدعن شقيّا، فحذف.
فأما قوله تعالى جدّه: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ فهذا التشبيه فى الظاهر كأنه منقطع مما قبله، لأنه جاء بعد قوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [ثم قال]: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾.
وقد قيل فى اتصاله بما قبله وبما بعده أقوال رغبت عن ذكرها، لبعدها عن التأويل، وأوجه ما قيل فيه أن موضع الكاف رفع خبر مبتدأ محذوف، وذلك أن النبىّ ﵌ لما رأى قلّة المؤمنين يوم بدر، وكراهتهم للقتال قال:
«من قتل منهم واحدا فله كذا، ومن أسر واحدا فله كذا» وقيل: إنه جعل للقاتل سلب المقتول، ليرغّبهم فى القتال، فلما فرغ من أهل بدر، قام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله إن نفّلت هؤلاء ما سمّيت لهم بقى [نفر] كثير من المسلمين بلا شيء، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يصنع فيها ما يشاء، فسكتوا وفى أنفسهم من ذلك كراهية، فقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أى اقبلوا ما أمركم الله ورسوله به فى الغنائم وغيرها، ثم قال: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ والتقدير: كراهيتهم لما فعلت فى الغنائم كإخراجك من بيتك على كره منهم، ودلّ على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾.
وذات الإصاد: مكان.
وقوله: «وردّوا دون غايته جوادى» كان قيس بن زهير خاطر حذيفة بن بدر الفزارىّ على فرسيه، داحسن والغبراء، وفرسى حذيفة الخطّار والحنفاء، فجاء
داحس سابقا، وقد أكمنت له فزارة رجلا ليصدّه عن الغاية إن جاء/سابقا، فلطم وجهه ثم أمسكه، فجاء إلى الغاية مسبوقا.
وقوله: «منيت بخصم سوء»: أى بليت به، والنّآد: الشديدة من الدّواهى.
والقصم: الكسر، وجار أبى دؤاد: هو الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان، كان أبو دؤاد الإيادىّ جاوره، فخرج صبيان الحىّ يلعبون فى غدير فغمسوا ابن أبى دؤاد فقتلوه، فقال الحارث: لا يبقى فى الحىّ صبىّ إلا غرّق فى الغدير، فودى ابن أبى دؤاد تسع ديات أو عشرا.
ويعسلن: من العسلان، وهو اهتزاز العادىّ، والحدأ: جمع حدأة، طائر معروف، ويلملم ونضاد: جبلان، ويقال أيضا: يرمرم.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع