تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الرابع عشر

وهو من القصيدة التى هذا البيت أوّلها:

أيّها الشامت المعيّر بالدّهر أأنت المبرّأ الموفور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
أم لديك العهد الوثيق من الأيّام بل أنت جاهل مغرور
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
من رأيت المنون عرّين أم منذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى خير الملوك أنوشروان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الرّوم لم يبق منهم مذكور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابور
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
شاده مرمرا وجلّله كلسا فللطّير فى ذراه وكور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
لم يهبه ريب المنون فباد الملك عنه فبابه مهجور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
وتفكّر ربّ الخورنق إذ أشرف يوما وللهدى تفكير
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «وتفكر رب الخورنقِ إِذ أش»
سرّه ملكه وكثرة ما يحويه والبحر معرضا والسّدير
فارعوى قلبه فقال فما غبطة حىّ إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والإمّة وارتهم هناك القبور
/ثم أضحوا كأنهم ورق جفّ فألوت به الصّبا والدّبور
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
وكذاك الأيّام يغدرن بالنّاس وفيها العوصاء والميسور
إن يصبنى بعضالأذاة فلا وا

ن ضعيف ولا أكبّ عثور

وأنا الناصر الحقيقة إن أظلم يوم تضيق فيه الصّدور
يوم لا ينفع الرّواغ ولا يقد م إلا المشيّع النّحرير
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «يوم لا ينفع الرواغ ولا»

قوله: «أيّها الشامت» خاطب به عدىّ بن مرينا الأسدىّ، وقوله: «المعيّر بالدّهر» أراد بنوائب الدهر، يقال: عيّرته بكذا، وعيّرته كذا، وطرح الباء أكثر، قال المتلمّس:

يعيّرنى أمّى رجال ولا أرىأخا كرم إلاّ بأن يتكرّما
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يعيرني أمي رِجال ولا أَرى»

وقوله: «المبرّأ» أراد المبرّأ من المصائب، والموفور: الّذى لم يؤخذ من ماله شيء، يقال: وفر فلان يوفر.

وقوله: «من رأيت المنون عرّين» المنون يذكّر ويؤنّث، فمن ذكّره أراد الدهر، ومن أنّثه أراد المنيّة، ويكون واحدا وجمعا، وقوله: «عرّين» يدلّ على أنه ذهب به مذهب الجمع، كأنه أراد الدّهور أو المنايا، وقيل للدهر أو الموت: المنون، لأنه يقطع منن الأشياء، أى قواها.

و [قوله] «عرّين» معناه اعتزلن، ومنه ومنه العريّة، وهى النخلة التى إذا عرض النخل على بيع ثمرته عرّيت منه، أى عزلت عن المساومة، ويروى: «خلّدن» أى تركنه يخلّد.

والضّيم: القهر.

والخفير: المانع، والحامى، يقال: خفرته: إذا منعته وحميته، وأخفرته: إذا نقضت عهده وأسلمته.

وأبى أبو علىّ فى «المنون» إلا الرفع، ولم يجز فيها النّصب بوجه؛ لأن رأيت فى معنى علمت، وقد وقع متوسّطا، فلا يخلو من أن يكون ملغى أو معملا، فإن اعتقدت إلغاءه حكمت بأن «من» مبتدأ و «المنون» مبتدأ ثان، و «عرّين» جملة من فعل وفاعل فى موضع خبر المبتدأ الثانى، والجملة التى هى المبتدأ الثانى وخبره خبر عن المبتدأ الأول، والعائد إلى «المنون» من خبرها النون، والعائد إلى «من» محذوف، كما حذف عائد المبتدأ فى قوله:

قد أصبحت أمّ الخيار تدّعىعلىّ ذنبا كلّه لم أصنع

وفى قول الآخر:

*ثلاث كلّهنّ قتلت عمدا ...

وفى قراءة من قرأ: وكلّ ﴿وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾.

والتقدير: أىّ إنسان فيما ترى، المنون عرّينه؟ وإن اعتقدت إعمال «رأيت» حكمت بأن «من» مفعول أول، والجملة التى هى «المنون عرّين» فى موضع المفعول الثانى، والتقدير: أىّ إنسان علمت، المنون عرّينه، كقولك: أزيدا علمت الهندات أكرمنه؟.

ويتّجه عندى نصب «المنون» على أن تجعلها مفعولا لرأيت، «وعرّين» فى موضع المفعول الثانى، وتجعل «من» مبتدأ، و «رأيت» ومفعوليها خبرا عنه، والعائد إلى المبتدأ الهاء المحذوفة التى هى مفعول «عرّين» وجاز وجاز حذف العائد إلى المبتدأ من الجملة المخبر بها عنه، على قولك: زيد ضربت، وقول امرئ القيس:

فلمّا دنوت تسدّيتهافثوب نسيت وثوب أجرّ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

وقولهم: «شهر ثرى وشهر ترى وشهر مرعى» أى شهر ترى فيه العشب.

فكأنك قلت: أىّ إنسان علمت النساء أكرمن؟ أردت أكرمنه، فحذفت.

ومواضع حذف العائد ثلاثة: الصّلة والصّفة والخبر، وحذفه من الصّلة أقيس من حذفه من الصّلة، وحذفه من الصّفة أقيس من حذفه من الخبر، وإنما استحسنوا حذفه من الصّلة حتى اتّسع ذلك فى القرآن اتساع الإثبات، لئلاّ يكون اسم من أربعة أشياء، فحذفه من «الذى» مثل: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ وإثباته مثل: ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ وحذفه من «من» مثل:

﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ وإثباته مثل: ﴿وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً/ حَسَناً﴾ واستحسنوا حذف العائد من الصفة، قياسا على حذفه من الصّلة، لاشتراك الصّلة والصفة فى أشياء، منها أن الصفة تتمّم وتكمّل وتوضّح وتخصّص، كما أن الصّلة كذلك، ومنها أن الصفة لا تعمل فى الموصوف، كما أن الصلة لا تعمل فى الموصول، ومنها أن الصفة لا تتقدّم على الموصوف، كما أن الصلة لا تتقدّم على الموصول، ومنها أن العامل فى الموصوف والصفة واحد، كما أن العامل فى الموصول والصلة كذلك.

ويفترقان فى أن الموصول لا يكاد يستغنى عن الصّلة، والموصوف قد يستغنى عن الصفة، فلذلك لم يتأكد تقديرك الصفة مع الموصوف اسما واحدا، كما تأكّد ذلك فى الصلة والموصول، فإزالة العائد من الصلة كإزالة الياء من اشهيباب، فى قولك:

اشهباب.

وأمّا خبر المبتدأ فيفارق الصلة والصفة بأنه ليس مع المبتدأ كاسم واحد، وأنه ليس العامل فيهما واحدا، على رأى أكثر النحويين، وأنه قد يتقدّم على المبتدأ، وأنه إذا لم يشغل فى نحو قولك: زيد ضربته، عمل فى المبتدأ.

وقوله:

أين كسرى خير الملوك أنو شروان

كان أنو شروان بن قباذ بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، من أعظم ملوك فارس، أعاد أمور دولتهم إلى أحوالها بعد ضعفها واختلالها، ونفى رءوس المزادقة، وعمل بسيرة أردشير بن بابك بن ساسان، وافتتح أنطاكية، وكان معظم جنود

قيصر فيها، وبنى بناحية المدائن المدينة التى سماها روميّة، على صورة أنطاكية، وأنزل السّبى الذى سباه من أنطاكية فيها، وافتتح مدينة هرقل والإسكندرية، وملّك آل المنذر على العرب، وسار نحو الهياطلة، واستعان عليهم بخاقان، وكان قد صاهره، فأوقع بهم، وأنزل جنوده/بفرغانة، فلما انصرف من خراسان قدم عليه سيف بن ذى يزن الحميرىّ، يستنصر على الحبشة، فبعث معه إسوارا من عظماء أساورته فى جند من الدّيلم، فافتتحوا اليمن، ونفوا عنها السّودان، وأقاموا هناك إلى أن جاء الله بالإسلام، وكانت مدّة ملكه سبعا وأربعين سنة وأشهرا.

وقوله: «أم أين قبله سابور»: كان قبل أنوشروان بدهر طويل سابور بن أردشير بن بابك بن ساسان، وبعد سابور بن أردشير بدهر: سابور بن هرمز بن نرسى، وكان يلقّب ذا الأكتاف، وهو الذى عناه، وإنما قيل له: ذو الأكتاف، لأنه غزا العرب فى مشاتيها حتى أوغل فى بلادها وغور مياهها، وكان يخلع أكتاف من ظفر به [منهم]. وكسرى: لقب كان لملوك الفرس، وقيصر لملوك الرّوم، وخاقان لملوك التّرك، وبغبور لملوك الهند، وتبّع لملوك حمير.

وروى الكوفيّون كسرى، بكسر الكاف، ورواه البصريّون بفتحها، إلا أبا عمرو بن العلاء، وجمعته العرب جمعين على غير القياس، وهما الأكاسرة والكسور،

وذلك أن حدّ الأفاعلة أن يكون جمعا لإفعال ونحوه، كإسكاف وأساكفة، وأما الكسور فكأنهم جمعوه عليه بتقدير طرح ألفه، فهو كجذع وجذوع، فى قول من كسر أوّله، ودرب ودروب، فى قول من فتحه، واستعمل الكسور أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن نباتة، فى قصيدة مدح بها الملك بهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة وابنه أبا منصور، فقال:

وتفرّست فيه غير محابأنه كائن أبا للكسور
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
يا لها من مخيلة كان يوماشامها أردشير فى سابور
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

وقوله: «وأخو الحضر إذ بناه» يحتمل «أخو الحضر» أن يكون معطوفا على الأسماء المرتفعة بالابتداء، فالتقدير: أين كسرى أم أين سابور، وأين بنو/ الأصفر، وأين أخو الحضر؟ ويجوز أن تقطعه عمّا قبله، فترفعه بالابتداء وتجعل الخبر عنه «شاده»، و «شاده» هو العامل فى الظّرف الذى هو «إذ» ومعنى شاده: رفعه، وقصر مشيد: مرفوع، وقيل: مبنىّ بالشّيد، وهو الجصّ، ويقال لكلّ حجر أملس: «مرمر» وأراد شاده بمرمر، فلما حذف الباء عاقبها النّصب، فالتقدير: وأخو الحضر إذ بناه، رفعه بمرمر.

وقوله: «وجلّله كلسا» يقال: جلّلته الثوب وبالثوب، وطرح الباء أكثر، والكلس: الصّاروج، وهو الجيّار أيضا، وذراه: أعاليه، واحدتها: ذروة،

مكسورة الأول، ومثلها لحية ولحّى، فى قول من ضمّ، والكسر أفصح، ونظيرها فى الشذوذ قرية وقرى.

والحضر: مدينة بين دجلة والفرات بحيال تكريت، شاهدت بقاياها ودخلتها، وقيل: إن الذى بناها الضّيزن بن معاوية بن العبيد بن الأجرام بن عمرو ابن النّخع بن سليح بن حلوان بن الحاف بن قضاعة، وكان ملك الجزيرة، ومعه من بنى العبيد بن الأجرام وقبائل قضاعة ما لا يحصى، ونال ملكه الشام، وأغار على طرف من بلاد العجم، على عهد سابور ذى الأكتاف، وفتح مدينة من مدنهم يقال لها: بهرسير، وقتل من الأعاجم أعدادا، فقال فى ذلك عمر بن ألاه بن جدىّ، أحد بنى عمران بن الحاف بن قضاعة:

دلفنا للأعاجم من بعيدبجمع ملجزيرة كالسّعير
لقيناهم بمجر من علافعلى الخيل الصّلادمة الذّكور
فلاقت فارس منّا نكالاوقتّلنا هرابذ شهر زور
للشاعر جُدَي القُضاعي، اقرأ القصيدة

قوله: «ملجزيرة» حذف نون «من» لسكونها وسكون اللام، تشبيها للنون الساكنة بحروف اللين، لأن فيها غنّة تضارع ما فيهنّ من المدّ واللّين، ومثله قول عمرو ابن كلثوم:

/فما أبقت الأيام ملمال عندناسوى جذم أذواد محذّفة النّسل

وقول الآخر:

أبلغ أبا دختنوس مألكةغير الذى قد يقال ملكذب

أبو دختنوس: لقيط بن زرارة التّميمى، ودختنوس: اسم بنته، وكان مجوسيّا.

فأما قولهم فى بنى الحرث وبنى الهجيم وبنى العنبر: بلحرث وبلهجيم وبلعنبر، فإنهم حذفوا الياء من «بنى» لسكونها وسكون لام التعريف، ثم استخفّوا حذف النون كراهة لاجتماع المتقاربين، كما كرهوا اجتماع المثلين، فحذفوا الأول فى نحو:

غداة طفت علماء بكر بن وائلوعجنا صدور الخيل نحو تميم

أراد: على الماء، ونظير هذا الحذف فى الكلمة الواحدة قولهم فى ظللت ومسست: ظلت ومست، ومنهم من يسقط حركة ما قبل المحذوف ويلقى حركة المحذوف عليه، فيقول: ظلت ومست، يحرّك الظاء والميم بكسر اللام والسين،

وقرأ قوم: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ و ﴿إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً﴾ فإن كان ما قبل المحذوف ساكنا لم يكن بدّ من إلقاء حركته على الساكن لئلا يلتقى ساكنان، وذلك قولهم فى أحسست: أحست، قال أبو زبيد:

سوى أنّ العتاق من المطاياأحسن به فهنّ إليه شوس

الأشوس: الذى ينظر بأحد شقّى عينيه تغيّظا، وقيل: هو الذى يصغّر عينيه ويضمّ أجفانه، والهاء التى فى «به» و «إليه» تعود على الأسد، ولأبى زبيد معه حديث.

فأما نحو بنى النّجّار فلم يخفّفوه فيقولوا بنّجّار، لئلا يجمعوا بين إعلالين متواليين: الحذف والإدغام.

والمجر: الجيش العظيم، وعلاف: بطن من قضاعة، والصّلادم من/ الخيل: الشّداد، واحدها صلدم، وأدخل الهاء فى الصّلادمة تأكيدا لتأنيث الجمع، ومثله الصّياقلة والصّيارفة، ودخول الهاء فى الجمع لمعان، هذا أحدها، والثانى:

دخولها فى نحو: الجحاجحة والتّنابلة، عوضا من ياء الجحاجيح والتنابيل.

والثالث: دخولها فى نحو: المهالبة والمناذرة، دالّة على ما تدلّ عليه الياء فى المهلّبيّين والمنذريين.

والرابع: دخولها فى جمع أسماء أعجمية جاءت على هذا المثال، وذلك نحو:

الجواربة والموازجة والكيالجة، وواحد الموازجة: موزج، وهو الخفّ، وإنما دخلت

الهاء فى جمع هذه الأسماء الأعجمية للمشابهة بين الاسم الذى تلحقه علامة النّسب، وبين الأعجمىّ المعرّب، من حيث كانا منتقلين؛ هذا منتقل إلى التعريب، وذلك منتقل من العلميّة إلى الوصفيّة، وقد دخلت الهاء فيما اجتمع فيه النّسب والعجمة، وذلك نحو: السّبابجة والبرابرة، يريدون: السّبيجيّين والبربريّين، ودخولها فى هذا أوجب من دخولها فى المهالبة والموازجة، لاجتماع المعنيين فيه.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.