من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الخامس عشر
وهو مجلس يوم السبت، ثامن وعشرين من جمادى الآخرة، سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
ثم إن سابور ذا الأكتاف جمّع لهم وسار إليهم، فأقام على الحضر أربع سنين، وإن النّضيرة بنت الضّيزن رآها سابور ورأته، فعشقها وعشقته، وكان من أجمل أهل دهره، وكانت من أحسن أهل زمانها، فأرسلت إليه: ما الذى تجعل لى إن دللتك على عورة المدينة؟ فقال: أجعل لك حكمك، وأرفعك على نسائى، /وأخصّك بنفسى دونهنّ، فدلّته على قنوات كان يجرى الماء فيها من دجلة إلى المدينة، فقطع الماء عنهم، وفتحها عنوة، وقتل الضّيزن وأباد بنى العبيد، وأصيبت قبائل من حلوان بن الحاف بن قضاعة فانقرضوا.
قال ابن دريد: تفرّعت قضاعة بين الحاف والحاذى، واشتقاق الحاف من الحفا، والحاذى من الاحتذاء. انتهى كلامه.
والحاف: مما حذفت العرب ياءه اجتزاء بالكسرة، كقولهم: العاص، فى العاصى
ابن أميّة بن عبد شمس، وفى العاصى بن وائل السهمى، وكقولهم: اليمان، فى أبى حذيفة بن اليمانى، وكقوله تعالى: ﴿دَعْوَةَ الدّاعِ﴾.
وقال عمر بن ألاه، يذكر من هلك فى تلك الوقعة:
ألم يحزنك والأنباء تنمىبما لاقت سراة بنى العبيد
ومصرع ضيزن وبني أبيهوفرسان الكتائب من تزيد
أتاهم بالفيول مجلّلاتوبالأبطال سابور الجنود
جاء فى هذه الأبيات سناد الحذو، والحذو: حركة ما قبل الرّدف، فإن كانت ضمّة مع كسرة فلا عيب، وإن كانت مع إحداهما فتحة، سمّى ذلك سنادا، كقول عمرو بن كلثوم:
تصفّقها الرياح إذا جرينا
مع قوله:
ولا تبقى خمور الأندرينا
و:
تربّعت الأجارع والمتونا
وكذلك مجىء فتحة العبيد مع كسرة تزيد وضمّة الجنود.
رجع الحديث: وهدم سابور المدينة، واحتمل النّضيرة بنت الضّيزن، فأعرس بها
فى عين التمر، فلم تزل ليلتها تتضوّر من خشونة فراشها، وهو من حرير محشوّ بقزّ، فالتمس ما يؤذيها، فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكنها قد أثّرت فيها، فقال لها سابور: ويحك، بأىّ شيء كان يغذوك أبوك؟ فقالت: بالزّبد والمخّ وشهد الأبكار من النّحل وصفوة الخمر، فقال لها: غذاك بهذا ثم لم تصلحى له، فكيف بك أن تصلحى لى وأنا واترك؟ وأمر رجلا فركب فرسا جموحا، وعصب غدائرها بذنبه، ثم استركضه فقطّعها، وذكرها بعض شعرائهم فى قوله:
أقفر الحضر من نضيرة فالمرباع منها فجانب الثّرثار
وقد قيل إن صاحب الحضر هو السّاطرون بن أسطيرون، وكان ملك السّريانيّين، وكان من رستاق من رساتيق الموصل، يقال له: باجرمى، وشاهد هذا القول قول أبى دواد الإيادىّ، واسمه جارية بن الحجّاج:
وأرى الموت قد تدلّى من الحضر على ربّ أهله السّاطرون
وقيل: إن ملوك الحيرة من ولده.
وقوله: «لم يهبه ريب المنون» ريب المنون: حادث الدّهر، كذا قال المفسّرون فى قوله تعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾.
وقد روى «وتذكّر ربّ الخورنق» بالرفع، و «ربّ الخورنق» بالنصب، فمن رفع، فتذكّر فى روايته: ماض سكنت راؤه للإدغام، ومن نصب أراد: تذكّر أيّها
المعيّر بالدهر ربّ الخورنق، فسكون الراء فى هذا القول بناء، على مذهب البصريين، وجزم على مذهب الكوفيين، و «ربّ الخورنق» مفعول، وهو فى القول الأول فاعل.
ومن روى: «وتفكّر ربّ الخورنق» فليس فيه إلا الرفع، لأن «تفكّر» غير متعدّ، فهو مسند إلى ربّ الخورنق، وسكون رائه للإدغام، كسكونها فى ﴿أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ فى الإدغام الكبير لأبى عمرو.
ومن روى «تذكّر» روى «وللهدى تذكير»، وكان القياس: وللهدى تذكّر وتفكّر، لأن مصدر تفعّلت: التّفعّل، فأما التّفعيل فمصدر فعّلت، كقوله: كلّمته تكليما، وسلّمت تسليما، ولكنّ المصدرين إذا تقارب/لفظاهما مع تقارب معنييهما جاز وقوع كلّ واحد منهما موضع صاحبه، كقوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾.
وربّ الخورنق: النّعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو ابن عدىّ بن نصر بن ربيعة اللّخمىّ.
ويروى: «والبحر معرضا، ومعرض» ويروى: «والنّخل».
والخورنق والسّدير: بناءان، وهما معرّبان، وكان النّعمان هذا من أشدّ الملوك نكاية، وأبعدهم مغارا، غزا أهل الشام مرارا، وأكثر المصائب فى أهله، وسبى وغنم، وكان قد أعطى الملك والكثرة والغلبة، مع فتاء السّنّ.
قال أبو عثمان بن بحر الجاحظ: عاش النّعمان بن امرئ القيس ثمانين سنة، وبنى الخورنق فى عشرين سنة، وكان لمّا عزم على بنائه بعث إلى بلاد الرّوم فأتى
برجل مشهور بعمل المصانع والحصون والقصور للملوك، يقال له سنمّار، وكان يبنى سنين ويغيب سنين، يريد بذلك أن يطمئنّ البناء، فلما فرغ منه تعجّب النعمان من حسنه، وإتقان عمله، فقال له سنمّار عند ذلك تقرّبا إليه بالحذق وحسن المعرفة: أبيت اللّعن، والله إنى لأعرف فيه موضع حجر لو زال لزال جميع البنيان، فقال له: أوكذلك؟ قال: نعم، قال: لا جرم والله لأدعنّه لا يعلم بمكانه أحد، ثم أمر به فرمى من أعلاه فتقطّع، فذكرته العرب فى أشعارها، فمن ذلك قول سليط بن سعد:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبروحسن فعل كما يجزى سنمّار
قوله: جزى بنوه أبا الغيلان: أعاد الهاء إلى المفعول وهى متّصلة بالفاعل، وكلاهما فى رتبته، كقولك: ضرب غلامه زيدا، ولم يجز ذلك أحد من النحويين لأن رتبة الضّمير التأخير عن مظهره، فإذا تقدّم المضمر على مظهره لفظا/ومعنى، لم يجز أن ينوى به غير رتبته، واستعماله فى الشّعر من أقبح الضّرورات، فأما قول الآخر:
جزى ربّه عنّى عدىّ بن حاتمجزاء الكلاب العاويات وقد فعل
فقد تأوّلوه على إعادة الهاء إلى المصدر الذى دلّ عليه «جزى» فقدّروه: جزى ربّ الجزاء، وهو عندى كالبيت الذى قبله.
وقوله: «كما يجزى سنمّار» أراد كما جزى سنمّار، فوضع المستقبل موضع الماضى، وخلاف ذلك قول أبى النجم:
ثم جزاه الله عنّا إذ جزىجنّات عدن فى العلالىّ العلى
وضع «إذ جزى» موضع «إذا يجزى» وقد قدّمت شرح هذا، وقال عبد العزّى بن امرئ القيس [الكلبىّ]:
جزانى جزاه الله شرّ جزائهجزاء سنمّار وما كان ذا ذنب
سوى رصّه البنيان عشرين حجّةيعلّى عليه بالقراميد والسّكب
وظنّ سنمّار به كلّ حبرةوفاز لديه بالمودّة والقرب
فقال اقذفوا بالعلج من فوق برجهفذاك لعمر الله من أعظم الخطب
سنمّار: اسم عربى، ذكره سيبويه فى الأبنية، يقال: رجل سنمّار: إذا كان حسن الوجه أبيضه، ويقال للقمر: سنمّار.
وقوله: «سوى رصّه البنيان»، رصّ البنيان: ضمّ بعضه إلى بعض، وفى التنزيل: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾.
والقراميد: جمع القرمد، وهو الآجرّ، والياء فيه كالياء فى الصّياريف، وحذفها ممّا لا يخلّ بالوزن، ولكنه كان ممن لا يقبل طباعه الزّحاف، ويقال: /قرمدة وآجرّة، مشدّدة الراء، وآجرة، خفيفتها، وآجورة.
والسّكب: الصّاروج، والحبرة: الفرح. وقول عدىّ:
فارعوى قلبه فقال فما غبطة حىّ إلى الممات يصير
ارعوى: رجع وكفّ، والغبطة: السرور والفرح، والغبطة أيضا: حسن الحال، وذلك أن النّعمان بن امرئ القيس ضربت له فازة بأعلى الخورنق فى عام [قد] بكّر وسميّه وتتابع وليّه، وأخذت الأرض فيه زينتها، من اختلاف ألوان نبتها، فهى فى أحسن منظر ومختبر، من نور ربيع مونق، فى صعيد كأنه قطع الكافور، فلو أن نطفة ألقيت فيه لم تترّب، فنظر النّعمان فأبعد النّظر فرأى البرّ والبحر، وصيد الظّباء والحمر، وصيد الطّير والحيتان، والنّجف إذ ذاك بحر تتلاطم أمواجه، وتتواثب حيتانه، وسمع غناء الملاّحين وتطريب الحادين، ورأى الفرسان تتلاعب بالرّماح فى الميادين، ورأى أنواع الزّهر من النخيل والشجر فى البساتين، وسمع أصوات الطير على اختلافها وائتلافها، فأعجب بذلك إعجابا شديدا، وقال
لجلسائه: هل رأيتم مثل هذا المنظر والمسمع؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجّة، والمضىّ على أدب الحقّ ومنهاجه، فقال له: أيّها الملك، قد سألت عن أمر أفتأذن فى الجواب عنه؟ قال: نعم، قال: أرأيت هذا الذى أنت فيه، أشيء لم تزل فيه، أم شيء صار إليك ممّن كان قبلك وهو زائل عنك، وصائر إلى من بعدك؟ فقال: بل هو شيء صار إلىّ ممّن كان قبلى، وسيزول عنّى إلى من يكون بعدى، قال: فأراك إنما أعجبت بشىء تكون فيه قليلا، وتغيب عنه طويلا، وتكون [غدا] بحسابه مرتهنا، فقال: ويحك! فكيف المخلص؟ قال: إما أن تقيم فى ملكك، وتعمل فيه بطاعة الله على ما ساءك وسرّك، وإما أن تضع تاجك وتخلع لباسك، وتلبس أمساحا، وتعبد الله فى جبل/حتى يأتيك أجلك، قال:
فإذا كان السّحر فاقرع علىّ الباب، فإنّى مختار أحد الرأيين، فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا تعصى، وإن اخترت السّياحة فى الفلوات والقفار والجبال كنت رفيقا لا تخالف، فقرع عليه بابه عند السّحر فإذا هو قد وضع تاجه ولباسه، وتهيّأ للسّياحة، فلزما جبلا يعبدان الله فيه حتى أتتهما آجالهما.
وقوله: «ثم بعد الفلاح والملك والإمّة» الفلاح: البقاء، والإمّة: النّعمة.
وقوله: «ثم أضحوا كأنّهم ورق جفّ» روى بعض الرواة: جفّ، أى يابس.
وقوله: «فألوت به الصّبا» أى ذهبت به.
وقوله: «فلا وان ضعيف ولا أكبّ عثور» الوانى: الفاتر، ومنه قوله تعالى:
﴿وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾. والأكبّ: من الانكباب، والعثور هاهنا: المخطئ فى رأيه.
وقوله: «وفيها العوصاء والميسور» العوصاء: العسر، والميسور: اليسر.
وقوله: «وأنا الناصر الحقيقة» الحقيقة: ما يحقّ على الرجل أن يحميه، وقيل:
الحقيقة: الراية.
وقوله: «إن أظلم يوم» أى إن ستر الغبار عين الشمس فأظلم النّهار، ويجوز أن يريد: أنّ الشّدّة تغطّى على القلوب فلا يهتدى للرأى فيه.
وقوله:
يوم لا ينفع الرّواغ ولا يقدم إلاّ المشيّع النّحرير
الرّواغ: الفرار، والمشيّع: الشّجاع، كأنه الذى يشيّعه قلبه، والنّحرير:
الحاذق بالشىء، العالم به. آخر المجلس.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع