من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الأول» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله
أمير المؤمنين أحمد بن ولي العهد إسحاق بن أمير المؤمنين المقتدر بالله أبي الفضل جعفر ابن أمير المؤمنين المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق بالله أبي أحمد طلحة بن أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن أمير المؤمنين المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن أمير المؤمنين الرشيد أبي جعفر هارون بن أمير المؤمنين المهدي أبي عبد الله محمد بن
أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ﵁ وعن آبائه، الذي نطقت بشرفه السور، وأرخت بفضيلته السير، ووضحت حجول أيامه والغرر، وتسنى في زمانه للإسلام الظفر.
أما شرفه، فهو أوضح من ذكاء. وأما مناقبه، فهي بعدد أنجم السماء.
بويع له بالخلافة يوم الأحد، ثاني ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وخمس مئة يوم وفاة المقتفي، وتوفي تاسع شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وخمس مئة.
وكان يحب الفضل وذويه، ويستخدمهم، ويقربهم.
وله شعر حسن، فمنم ذلك ما ذكره الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة في كتاب صنفه له يشرح أبياته، ويقول: وإنما غرض كتابنا هذا شرح أبيات سمح بها خاطره ارتجالاً، وأنا قائم بين يديه، في شخص لا أعلمه في الحقيقة إلا هو.
سَهْلُ التَّعَطُفِ في الصواب دِرايةًبمآله متوقّفٌ في ضدّهِ
مُتأيِّدٌ في رَأْيه لسدادهطلاّع أنجده بواري زنده
والسيفُ يَفْري الهامَ من إفْرِندِهلا ما يُقال مَضاؤه في حَدّه
وكذا اللّبيبُ يرى الصواب برأيهلا يَستريب بقربه أو بُعدِه
وإذا الشجاعة يُسِّرَتْ لمُسدِّدٍِحاز النُّهى منم حزمه وبجدِّه
وله:
وباخِلٍ أشعل في بيتهطرمذةً منه لنا شَمْعَهْ
فما جرت من عينها دمعةحتى جرت من عينه دَمعَهْ
ولأمير المؤمنين المستنجد بالله:
خاله حالٍ وحالي خالُهشَجِيَ الصبُّ به والخال خال
ومنها:
بان لما بان فيه يَقَقٌونُصولُ الشيب فلّ في النِّصال
ونظم شرف الدين مظفر بن الوزير ابن هُبيرة على وزنها قصيدة، منها:
وبنو الأشراف من تحملهمعزّة السُّؤل على ذل السؤال
وللمُستنجد في عامل له كان يمن بخدمته:
يَمُنُّ ولا يَدري بأني عالمٌبأفعاله، والمنُّ بالمنّ يُوزَنُ
وفي القول تعريضٌ وفيه غباوةٌولولا تغابيه لقد كان يَفطِنُ
وهذه الأشعار أكتبها لشرف قائلها، وقد قيل:
وخيرُ الشعر أشرفه رجالاًوشرُّ الشعر ما قال العبيدُ
على أنها قد أعجزت الشعراء، وأعجبت البلغاء الفصحاء.
ويُنسب إلى الإمام المستنجد شعر:
وقد تُنظر الأشياء بالسمع إن جرتموانع صدَّتْ عن تأمُّلِ ناظِر
وله ﵁ في وصف سمعة:
وصفرآء مثلي في القياس ودمعُهاسِجامٌ على الخدّين مثل دموعي
تذوبُ كما في الحبِّ ذبتُ صبابةوتحوي حشاها ما حَوته ضلوعي
وقد تبركنا بذكر الخلفاء الراشدين، الذين أدركتهم وأدركهم والدي وجدي، وأولهم:
القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله
توفي ﵁ في ليلة الخميس ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربع مئة. وكان بويع له بالخلافة يوم موت أبيه القادر، يوم الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة. وكانت مدة خلافته أربعاً وأربعين سنة وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يوماً.
وكان ولياً من الأولياء، ولو جاز بعث نبي لكان من الأنبياء، وهو أزهد الخلفاء.
وله شعر، وقد ذكرته - وإن سبق عصره - تيمناً بذكره، وأورده السمعاني. فمن ذلك قوله:
القلبُ من خَمرِ التَّصابي منتشٍمَن ذا عَذيري من شراب مُعْطشِ
والنفسُ من بَرْحِ الهوى مقتولةٌولكَمْ قتيلٍ في الهوى لم ينعش
جُمعت عليِّ من الغرام عجائبٌخلفن قلبي في إسار موحش
خل يصد وعاذل متنصحومعاند يؤذي ونمام يشي
وقوله سنة الغرق وهي سنة ست وستين وأربع مئة.
يا أكرم الأكرمين العفو عن غرقفي السيئات له وِردٌ وإصدارُ
هانت عليه معاصيه التي عَظُمَتعلماً بأنَّك للعاصين غفّار
فامنُنْ عليّ وسامحني وخذ بيدييا مَن له العفو والجنّات والنار
وقوله ﵁:
سقى ليلنا بأعالي الرُّبامن المزن هطّالةٌ تنسجم
سَهرنا على سنّة العاشقينوقلنا لما يكره الله نَم
وما خيفتي من ظهور الوَرىإذا كان ربُّ الورى قد علِم
وقوله، وما أحسن التشبيه الذي اخترعه!:
قالوا الرحيل فأنشبتْ أظفارهافي خدِّها وقد اعتَلقْنَ خضابا
واخضرَّ تحت بنانها فكأَنَّهاغَرَستْ بأرض بنفسج عُنَّابا
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع