من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الأول» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
خلفاء وأمراء بني العباس الإمام المستضيء بالله أمير المؤمنين
وابتدأت القسم الأول من العراق مزكي عرقي، ومنشأ حقي، وموطن أهلي، ومجمع شملي. وهو الإقليم الأوسط، والأقنوم الأحوط، وأهله الراسخون علوماً، الباذخون حلوماً. وقدمت مدينة السلام؛ لأنها حوزة الإسلام، وبيضة مملكة الإمام، وتبركت بذكر من أدركته من الخلفاء، ومن أدركه منهم والدي وأعمامي، الذين يشتمل هذا الكتاب على محاسن أيامهم، ومزاين أجوادهم وكرامهم، وذكرت من شعر كل واحد منهم ما سمعته، تفضيلاً لكتابي هذا على الكتب المصنفة في فنها، ليربي بحسنه على حسنها،
فهو - بإشراق أضواء ذكر الإمام المستضيئ بأمر الله أمير المؤمنين أبي محمد الحسن ابن الإمام المستنجد - مضيء المطالع مشرقها، صافي الشرائع مغدقها.
والإمام المستضيئ واحد العصر نبلاً، وثاني البحر فضلاً، وثالث العمرين عدلاً، بل ثالث القمرين أنواراً، وثاني القدر أثراً وإيثاراً، وواحد الزمان قدراً ومقداراً. وهو الثالث والثلاثون من خلفاء بني العباس، ذو الفضل والإفضال والنائل والسطوة والباس، ترجى موهبته، وتخشى هيبته، وتدعى هبته، وينادي نداه فيجبر ويجيب، ويجتدي جداه فيصوب ويصيب. أما السماح فهو بدر سمائه الزاهر، وأما الكرم فهو بحر عطائه الزاخر، وأما الفضل فهو جامع شتاته، ورافع راياته، وواضع شرعه، وشارع وضعه، ومشرق آفاقه، ومنفق أسواقه، قس الفصاحة، وقيس
الحصافة، وصديق السماحة، وفاروق الحماسة، وعثمان الحلم، وعلي العلم. حلل الأيام معلمة منه بطراز العدل، وحلل الأنام مكرمة بإعزاز الفضل. وفي عصره المذهب تسنت الفتوح الأبكار، وجرت على الإيثار الآثار، واستخلصت مصر من الأدعياء، واليمن من الأعداء، وملك بنو أيوب، ومكن الله
ليوسفهم في الأرض، وعادت مصر آهلة بالمقيمين وظائف السنة والفرض.
ولما بويع له بالخلافة في تاسع ربيع الآخر سنة ست وستين وخمس مئة، كنت
بالموصل، فعملت هذه الأبيات المهموزة، ونفذتها إليه على يد الفقيه شرف الدين بن أبي عصرون، فعاد إلي بخلع منه سنية، ودنانير أميرية، وصيرها الإمام رسماً في كل سنة، والأبيات هي:
قد أضاء الزمان بالمستضيئوارث البُرْد وابن عم النّبيء
جاءَ بالحقّ والشريعة والعدلِ فيا مرحباً بهذا المجيء
رَتَع العالمون من عدله الشامل في المرتع الهنيء المريء
ورعوا منه في مَرادٍ خصيبٍلا وخيم ولا وبيل وبيء
رقدوا بعد طول خوف مقضّفي ذَرا الأمن والمهاد الوطيء
فهنيئاً لأهل بغدادَ فازوابعد بؤسٍ بكلّ عيش هنيء
سأوافي فِناءَهُ عن قريبمسرعاً كي أفوز غيرَ بطيء
وأحلّي عيشي بجدّ جديدوأهنّي فضلي بحظّ طريء
وتُريني الأيام نقداً من الآمال ما كان قبله في النسيء
وأمانيّ سوف يظهر منهاعند قصدي ذَراه كلُّ خبيء
عاد حظّي من النحوس بريئاًوغدا السعد منه غير بريء
ولقيتُ الدّهرَ العبوسَ وقد عادَ بوجهٍ طَلْقٍ إليِّ وَضيء
ومُضيء إن كان في الزمن المُظلم فالعَود في الزمان المُضيء
ثم مدحته بعد ذلك بقصائد.
ولما خُطِب له بمصرَ سنة سبع وستين في أيام الوزير عضد الدين، كتبت
إليه قصيدة، أولها:
قد خطبنا للمستضيئ بمصرٍوارثِ المصطفى إمام العَصْرِ
وخذَلنا لنصره العَضُدَ العاضِدَ والقاصر الذي بالقَصْر
قصدت بالعضد العاضد المجانسة، ونصرة وزير الخليفة كنصرته.
وأشعنا بها شِعار بني العباس فاستبشرتْ وجوهُ النصر
ووضَعْنا للمستضيئ بأمر الله عن أوليائه كُلَّ إصْرِ
ومنها:
وجرى من نَداه دِجْلَةُ بغدادَ بشطر ونيلُ مصر بشطرِ
وقد اهتز للهدى كلُّ عِطفٍمثلما افترَّ بالمنى كلّ ثَغْرِ
فبَجدْواهُ زائلٌ كلّ فَقرٍوبنُعماه آهِلٌ كلِّ قَفْرِ
ونداهُ الهدى أزال من الأسماع في كلّ خطّةٍ كلّ وَقْرِ
نشكرُ اللهَ إذْ أتمّ لنا النصرَ ونرجو مَزيدَ أهلِ الشكر
ونشرنا أعلاَمنا السودَ فهراًللعدى الزرق بالمنايا الحمر
خلفاء الهدى سَراة بني العباس والطيّبونَ أهل الطهرِ
كشموس الضحى كمثل بدور التمِّ كالسحب كالنجوم الزهر
وتمام الحبور ما تمّ من خطبة خير الخلائف ابن الحَبْرِ
مَهْبطُ الوحي بيته منزل الذكْر بشَفْعٍ من المثاني ووِتْر
ومنها:
ليس مُثري الرجال مَنْ ملكَ المال ولكنّما أخو اللبّ مُثْر
ولهذا لم ينتفع صاحب القصر وقد شارف الدُّثُورَ بدَثرِ
ومنها في مدح
لسوي نظم مدحه أهجر النظْمِّ فما مَدحُ غيره غير هُجْر
وأرتنا له قلائدَ من مسنٍ وبِرّ ليست بجِيدٍ ونَحْر
وبإِنعامه تَزايد شكريوبتشريفه تَضاعف فخري
كم ثَراءٍ وقوةٍ وانشراحٍمنه في راحتي وقلبي وصدري
وعليِّ النُذُورُ في مثل ذا اليومِ وهذا يوم الوفاء بنَذْري
واستهلّت بوارق الأنعم الغرِّبه في حَيا الأيادي الغُزْر
نَعشَ الحقَّ بعدَ طول عثارٍجَبرَ الحقّ بعدَ وَهْنٍ وكسر
دام نصرُ الهدى بملك بني العبَّاس حتى يكونَ يوم الحشر
وهذه قصيدة طويلة جداً، ولكنني اقتصرت منها على هذا القدر.
ومن قصائدي في مدحه:
هل عائدٌ زمنُ الوصالِ المنْقَضِيأم عائدٌ لي في الصبابة ممرضي
لا أشتكي إلاّ الغرام فإِنّهُبَلوى عليِّ من السماء بها قُضي
يا لاح حالي في الهَوى مشهورةٌحاوَلتَ تسليَتي وأنت مُحرّضي
خَفِّضْ عَليكَ فما الملامُ بناجعٍفيمن يقولُ لكلِّ لاحٍ خَفّض
كان التعرُّضُ لي بِنصحك نافعيلو كان يمكن للسُّلوّ تَعرُّضي
عَرَّضت وجدي للسلوّ ومُتْعِبٌكتمانُ سرٍّ للوُشاةِ مُعرِّض
أَنفقتُ ذُخر الصبر من كلفي فهلمن واهبٍ للصبر أو مِن مُقرِض
أيبلُّ مُضنىً قلبُه مُتَهدِّفٌلسهام رامٍ للّواحظِ مُنْبِضِ
شَغَفي بأغيَدَ مُقْبلٍ بودادهلمحبّه ويَصدّ صَدِّ المعرِض
شكوايَ من دَلٍّ يزيدُ مُحبّبٍوضَنايَ من صدٍّ يدوم مُبغِّض
يا حبّذا ماءُ العُذَيْبِ وحبّذابنِطافه الغُزرِ العِذاب تمضمضي
لَهفي على زمن الشباب فإنِّنيبسوي التأسّف عنه لم أتعوض
نُقِضَتْ عُهودُ الغانياتِ وإنهالولا انقضاءُ شبيبتي لم تَنقض
كان الصِبا أضفى الثياب وإنماذهبت نضارة عيشتي لمّا نُضي
يا حسنَ أَيام الصِّبا وكأنهاأيامُ مولانا الإِمام المستَضِي
وهذه القصيدة أيضاً طويلة.
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع