من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الأول» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأمير أبو الحسن علي بن المستظهر بالله
توفي في أيام أخيه المسترشد بالله. ومما كتب به إلى أخيه حين خرج من الدار العزيزة، واتصل بملك العرب دبيس بن صدقة، فلم يرع ذمام قصده، وسلمه إلى أخيه:
فأشمتَّ أعدائي وأوّهنْتَ جانبيوهِضْتَ جناحاً رَيِّشَتْه يدُ الفخر
وما أنت عندي بالملوم ولا الذيله الذنب هذا قَدْر حظّي من الدّهر
وله:
قد جدّدَ الدهر في الوَرى مِحَناوأودع الدهر في الحشا حَزَنا
لو كان شخص يموتُ من أسفِعلى حبيب نأى لكنتُ أنا
وكان وصولي إلى بغداد في الأيام المُقْتَفوِيِّة، وفي ظِلّها المنشأ، وفي فضلها المربي، وفي جوارها حصل الأمن، ووصل المنّ؛ وبخدمتها عُرِفتُ، وبنعمتها تَعرْفتُ، وفي جَنابها حَلا الجنى، وعَلا السنا.
وأَول مَنْ مدحته من الخلفاء المُقتفي ﵁. خَدَمْتُه في سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، بقصيدة عقيب انكشاف كربة الحصار برحيل محمد شاه عن بغداد، أولها:
أَضحتْ ثغور النصر تبسم بالظَفَرْوغدت خيول النصر واضحة الغُرَرْ
ومنها:
يا ابن السَّراةِ ذوي العُلى من هاشموالأكرمينَ أُولي المناقب من مُضَرْ
متقلّدي الذكر المنزّل فيهمُإن نازلوا بَدلاً عن العَضْب الذَّكر
أنت ابن عمِّ المصطفى وسميُّهإبشر فإِنّك بعده خير البشر
من راحتيك المُزن في المَحْل احتديوإلى سناك البدرُ في الليل افتقرْ
أدنى وليِّ في رضاك مُعَظّمٌوأَجَلُّ ذي مُلْكٍ بسخطك مُحتقَرْ
أضحى حمى الباغي رضاك ممنّعاًبين الورى وغدا دم الباغي هَدَرْ
لو كنتَ في زمن النبيِّ لأُنزِلَتْفي هذه السِّيرِ التي لَكم سُوَرْ
بكم الورى في نعمة لا تَنقضيلا تنقضي والله نعمةُ من شَكَرْ
في أنفس بكم تُقَرُّ وألسنبكم تُقِرُّ وأعينٍ بكم تَقَرّْ
عصيكمُ لم يقضِ إلا نحبهمن دهره ومطيعكم إلا الوَطَرْ
ومنها أصف ركوبه:
لما شفعتَ العزمَ وهو مؤيَّدٌبالحزم أسفر بالمُنى منك السَّفرْ
وبرزتَ مثلَ الشمسِ تُشرق للورىوسَناك يحجُبُ عنك ناظِر مَنْ نظرْ
فِي شيبةٍ مفطورة للهِ منأنواره سبحانه فيما فَطَرْ
بيضاء يستسقى بها صوبُ الحياوبأصلها إذ أجدبوا استسقى عمر
وكأنما تلك المِظلَّةُ هالةٌوجه الإمام بضيئ فيها كالقمرْ
ومنها في صفة الجيش:
للهِ جيشٌ للخليفة قادهربُّ الخليفة بالميامن والظّفَرْ
مَجْرٌ إذا جَرَّ القنا لا يرتضيوجه المَجرَّة أن يكون لها مَجَر
أَشجار خَطٍّ إن تشاجرت العِدىأضحت لها هاماتُ مُخْيطهم ثَمرْ
فوق الجياد الجُرْدِ ما وردت وغىًإلا وخيل عدوّها عنها صَدَرْ
يتركن في الظمأ الزُّلال بصفوهويَرِدنَ في الروع الدماء على كَدَرْ
فالأرض وهي فسيحة ضاقت بهوعلى العدى منه فما وجدوا مَقَرْ
قد أوقدوا ناراً هم احترقوا بهاوشِرارهم متطاير بهم الشَّرَرْ
لما أبوا ما فيه خيرهُمُ أتواما فيهم بَشَرٌ نجا إلا بِشَرْ
ومنها:
هذي أمير المؤمنين قصيدةٌغَرّاهُ تَقْصِدُ قُبَّة الملك الأَغَرْ
حسناءُ يَهديها وليّ مُخلصٌلكم الولاءَ فأوْلها حسن النَّظرْ
صُوَرٌ تقوم بها معانٍ منكمُإنّ المعانيّ زائناتٌ للصُّوَرْ
دَقّت لمعنى السحر إلا أنهاراقت ورقّت مثل أنفاس السحَرْ
لما رأيتُ مَنار بيتك كعبةًوافيت فيمن حَجّ بيتك واعتمرْ
وهجرتُ أوطاني إليه، ومَن رأىشرفاً له في أنْ يفارقها هَجَرْ
ونأيتُ عن قومي ليرفع دونهمقدري اصطناعُك لي فجئت على قَدَرْ
والقصيدة طويلة، ولقصدها فضيلة، وكانت لي بها إلى إفضاله وسيلة.
ووَليتُ بعد ذلك الأعمال الجليلة، ووليتُ بواسطَ نيابة وزيره عون الدين بن هبيرة. فانحدر إليها الخليفة مع الوزير، وأنا هناك في دست التصدير، فخرجت للاستقبال، في أهبة الإعظام والإجلال. ولما نظرت إلى الموكب الشريف، نزلت عن المركب المنيف، وجئت أسعى معفراً خد الضراعة، موفراً جد الطاعة. فلما بصر بي الإمام، أمسك عنانه فوقف، واستوقف موكبه الشريف وشرف، وقال مثنياً: هذا
الذي له القصيدة التي من شأنها كذا وكذا؟ فقال له المخلص الكيا الإمام. وهو الذي يقول في هذه المظلة الشريفة:
وكأنما تلك المظلّة هالةوجه الإمام يضيء فيها كالقمر
فلم يبرح حتى وصى الوزير بي، وعرفه بيتي ومحتدي وحسبي، وذلك في سنة أربع وخمسين.
ومدحته، قبل أن أتولى واسط، بقصيدة أخرى، فيها:
كن عاذري في حبهم، لا عاذِلييا فارغاً عن شُغل قلبي الشاغل
هَبْ أَنْ سمعي للنصيحة قابلٌما نافعي والقلبُ ليس بقابل
أخفيتُ سِرّ الوَجْدِ خيفةَ عُذّليفتعرّفوا من أدمعي ومَخايلي
لم يقبلوا عذر المحبِّ وقابلواحقّ الهوى من لوْمهم بالباطل
مالوا إلى وصلي فحين وَصَلْتُهممَلَّوا وليس يُمَلُّ غير الواصل
يا ناشداً يبغي فؤاداً ضائعاًيومَ النوى إثْرَ الخليط الزائل
أين الفؤاد أَراحِلٌ في إثرهمأم سائلٌ ما بين دمع سائل
وأغنَّ أغنى طَرْفُه في سِحرِهورُضابُه في سكره عن بابل
مَن وجهُهُ حَسنٌ وليس بمحسنٍوالقدُّ مُعتدِلٌ وليس بعادل
متلوِّنٌ كمدامِعي متعفِّفٌكضمائري متعذِّرٌ كوسائلي
أنا في الضنى كالخصر منه أشتكيمن جائرٍ ما يشتكى من جائل
يا قلبه القاسي تعلّمْ عطفةًوتمايلاً من عِطْفِهِ المتمايل
سقياً لوصل الغانيات وشربناكأس الرُّضاب على غناء خلاخل
بنواظرٍ قد حِلتُهُنَّ غوافلاًلفتورهنّ وهنَّ غيرُ غوافل
وقُدودُ هنَّ قُدودُ سمرِ رَواعفٍوجُفونُهنَّ جفون بيض مناصل
أيامَ لا عهدُ الوفاء بحائلٍغَدْراً ولا أُمُّ الصَّفاء بحائل
أعقيلَة الحيّ اللّقاحِ ودُونَهابيضٌ وسُمْرٌ من ظُبَىً وذوابِل
بَكّرتْ تلوم على لزوم مواطنٍوَضْعُ الرَّفيع بها ورَفعُ الخاملِ
طال التردّد في البلاد فلم أفزمنها على رغم العدوّ بطائلِ
أوَما رأيتَ البحر يغرَقُ درهويخلّص الأزباد نحو الساحلِ
مُضَرَّيةٌ عذَلتْ على حبِّ الندىمن ليس يسمع فيه عذْل العاذلِ
يا هذه لولا السماحة لم يكنعدم الكريم على ثراء الباخل
عنفت في حب السماحة مؤثراًعُدْمَ الكريم على ثراءِ الباخلِ
أوَ هَل يخاف العُدْمَ مَنْ وجَد الغنىمن جودِ مولانا الإمام العادلِ
ولقد وردتُ فِناء بحرٍ للندىأغنى به عن أنهرٍ وجداولِ
في كفّه للجود خمسة أبحرٍفَيّاضةٍ تُسْمى بخمس أنامِلِ
ممدود ظلِّ العدل ليس بزائلٍمعمودُ رُكن المُلك ليس بمائلِ
ومنها في صفة الجيش:
وَعَرَ مْرَمٍ لَجِبٍ كمنْهالِ النَّقامَجْرٍ ومنهلِّ السحاب الهامِلِ
ستر الغزالةَ بالعجاجةِ مُطْلِعاًزُهر الأسِّنة في سماء قساطلِ
فالشمسُ ما بين العجاج كأَنّهابدرٌ تطلّع جُنْح ليلٍ لائلِ
والنقْعُ ينصل بالنصول خِضابُهُفكأنّه لونُ الشباب الناصلِ
والمُقرَباتُ بأنْسُرٍ وقوائمتحكي قوادِمَ أنْسُرٍ وأجادِلِ
في مأزِقٍ لا يسمع الواغي بهإلا أنينَ صَوارمٍ وصواهِلِ
والجيش مَن مَلك الجيوشَ برأيهفي صائب وبجأشِه في صائلِ
هزم العدى قبل اللقاء برعبهفغدوا بأُمِّ في الشقاوة هابل
طلبوا الفرار ولم يزل متكفّلاًبهزيمة الرِّعْديدِ بأسُ الباسل
ومنها:
أمُطَ؟ وِّقَ الأعناق من إفضالهنِعَماً تسامت عن سؤال السائل
ماذا أقول، ولا يقوم بشكر ماتُوليه من نُغمى لسانُ القائل
أو هل بلوغ مقاصدي بقصائديأم هل قَبول وسائلي برسائلي
أم قد كفى سبباً إلى درك المُنىصدقُ الوَلاء وحُسنُ ظنِّ الآمل
الفخر كلُّ الفخر لِي نظمي لكممِدَحاً تَزِين مشاهدي ومحافِلي
لكنْ يقول الحاسدون لِمَ انثنىغِرِّيدُ مدحِهمُ بجيدٍ عاطل
وإذا حَظِيتُ من الإِمام برتبةفيها الفخار على جميع الناس لي
لا زلت غيثَ مواهبٍ وبقيت غَوْث ممالكٍ وسلمت كَهفَ أَرامل
ثم مدحت الإمام المستنجد بالله بعد انتقال الخلافة إليه بقصائد مدّة مقامي بالعراق. فمن ذلك قصيدة ضادية أوردها الراوية بالمركب الشريف في الديوان آخر شهر رمضان سنة سبع وخمسين، ومنها:
لقد بَسطَ الإِحسانَ والعدل في الأرضإمامٌ بحكم الله في خَلْقه يَقضي
أفاد المنايا والمنى فَوليُّهغدا للمنى يَقضي وحاسده يقضي
مهيبٌ يُغَضُّ الطرف دون لقائهيَغُضُّ حياءً وهو في الحقِّ لا يُغْضي
أفي يوسُفَ المستنجدِ الله قولُهكذلك كنّا ليوسُفَ في الأرض
ألا إنَّ أمراً ليس يُبرَمُ باسمهفإبرامه يُفضي سريعاً إلى النقض
وختم دوام المُلك فيه فلِلتُّقيعلى مُلكه ختمٌ يجلُّ عن الفَضِّ
لِسَيْبٍ وسيفِ كَفُّهُ حالتي نَدىًوبأسٍ فما تخلو من البسط والقبض
صرائمهُ في الحادثات صورامٌإذا نَبت الآراء عن كشفها تمضي
بحزم لأسرار المقادير مُقتضٍوعزم لأبكار الحوادث مُغْتضِّ
إمامٌ له ما يُسخط الله مسخطٌوما غير ما يرضي الإله له مُرْضِ
لكَ النُّور مَوْصولاً بنور محمدأضاءَت به الأنساب عن شرفٍ مَحض
وظِلّك في شرق البلاد وغربهامَدِيدٌ على طول البسيطة والعَرْض
أنمْتَ عباد الله أَمْناً فلم تدععيون العدى رُعباً تكحْلُ بالغمض
فعهدُ الأعادي قالصُ الظلِّ مُنقَصٍونجم الموالي طالعٌ غير منقضِّ
لقد فرضتْ منك النوافل شُكرهاعلى الناس حتى قابلوا النَّفل بالفرض
وما الفرق بين الرُّشْد والغيِّ في الورىسوى حُبِّكم في طاعة الله والبُغض
رفَعتَ منار الدين عَدلاً فأهلُهمن العزِّ في رفع وبالعيش في خفض
بخيلٍ كمثل العارضِ السَّحِّ كثرةًتَضيق صُدور البيدِ عنها لدى العَرض
مُعوَّدة خوض النَّجيع من العدىإذا انتجعته ألسنُ السُّمرِ بالوَخْض
إذا حَفِيت منها النِّعال تنعَّلتبهام عِدى رُضَّتْ بها أيَّما رَضِّ
حوافر خيل ودت الصيد أنهاتكحل منها بالغبار لدى النفض
عوارِضكم نابت عن العارض الرّوِيوآراؤكم أغنت عن الجحفل العَرْض
عدوُّك مرفوض بمَجْهَل حَيرةلقي كلّ سيل من عقابك مرفضّ
عِقابُك أوهاهُ فأصبح ناكِصاًعلى عَقِبيه ما له مُنّةُ النّكض
لشانئكم قلبٌ من الرعب خافقٌومن وَهَج الحمّى تُرى سرعة النّبض
وما صدقتْ إلا بوارقُ عدلكمأوان بروقِ الظلم صادِقة الومض
ومنها في الوزير:
ويحيا ليحيي كلُّ حقٍِ قضى وهلقضى غيركم ما كان للدين من قَرْض
وزيرٌ بأعباء الممالك ناهضٌإذا عجزت شمّ الرواسي عن النهض
مشتّتُ شملٍ للُّهى غير مُنفضٍوجامعُ شملٍ للعلى غير منفضّ
ومنها:
وعزمٌ كحدّ الصارم السيف منتضينَضوتَ به ثوب الغبار الذي ينضي
رجوتُ أميرَ المؤمنين رجاء مَنإلى كلّ مقصودٍ به قصدُه يفضي
وأشكو إليه نائباتٍ نُيوبهانَوابتُ في عظمي ثوابِتُ في نَحضي
ومنكرة إنْ عضّني ناب نائبأما عرفتْ عمودي صَليبا على العَضّ
تحضّ على نِشدان حَظٍّ فقدتهإذا الحظُّ لم ينفع فلا نفعَ في الحضّ
يكلّفها حبُّ السلامة أنّهاتكلّفني حبّ القناعة والغَضّ
لقد صدقتُ إنّ القناعة والتُّقىلأصون في الحالين للدين والعِرض
تقول: إلامَ السعيُّ في الرزق راكضاًورزقك محتومٌ وعمرك في رَكض
ولو كانت الأرزاق بالسعي لم يكنغِنى الغِرّ معقولاً ولا فاقَة العِضّ
إذا كان هذا البحر جَمّاً نَميرهففيمَ اقتناعي عنه بالوشل البَرْض
كفى شرفاً في عصر يوسف أنّنيلبست جديد العزّ في الزمن الغضّ
لساني وقلبي في وَلائك والثَّناعليك فها بعضي يغار من البعض
لَسوَّدَني تسويد مدِحك في الورىفإِضْت بوجهٍ من ولائك مبيضّ
وما كل شعر مثل شعريَ فيكمُومَن ذا يقيس البازِل العَوْد بالنِّقض
وما عزَّ حتى هانَ شعر ابن هانئوللسّنّةِ الغرّاء عِزٌّ على الرفْض
وخدمته في رجب سنة تسع وخمسين وخمس مئة بقصيدة طويلة منها:
رسمٌ عليّ لذلك الرّسمأنّي أُقاسِمه ضنى الجسم
دارٌ على حرب الزمانِ لناجنحت بها سلمى إلى سَلمي
ما للهوى أبداً يلازمنيفيها فهل كتب الهوى باسمي
يا صاح تعذلني على شعفٍما زال يعذرني له خصمي
إني رَضعت لِبان حبهمُويعزّ عنه وإنْ جَفوا فطمي
كلمٌ فراقهم ولومك ليفي حبّهمْ كلمٌ على كلم
بَخِلوا عليَّ بوصل طيفهمُما كان بخل الطيف في زعمي
أنَّى يطيب ويستطيب كرىقلبٌ يهيم وناظرٌ يَهمي
أوَ ما سوى هجري عقابهمُأم ليس غير هواهمُ جُرْمي
أمّا الغرام فأدمعي أبداًيُعربن عنه بألسنٍ عجم
والقلب مسكنهم فكيف رَضُواأن يجعلوه مسكن الهمِّ
والسقم في جسم المحب فلِمْوصفت عيون البيض بالسقم
أُدْمٌ سفكن دمي بأعينهايا للرجال من الدُّمى الأُدْم
بيض الظُّبى تَنْبو وترشقنابيض الظباء بأعينٍ تدمي
ما كنت أعلم قبل رؤيتهاأنَّ النواظر أسهمٌ تُصمي
أقمار خُمرٍ إن سَفرن لناوإن انتقبن أهلّة اللَّثْم
يضعفن عن حمل الإِزار فلميحملن أوزاراً من الإثم
لظباء كاظمةٍ مقابلتيغيظي من الرُّقباء بالكظم
وأغنّ بالكشح الهضيم لهيا كاشحي أغناك عن هضمي
أحمي بجهدي في الهوى جلديواللحظ منه يبيح ما أحمي
من منصفي من جور حاجبهولحاظه عن قوسه ترمي
وحلا ومرّ تجنّيَا وجنىًيا شهده لم شيب بالسمِّ
الخمر ريقته وقد عذبتما كلُّ خمر مُزّة الطعم
وإذا شفت شفةٌ عليل صدٍفالظُّلم صدُّكه عن الظِّلم
أقنعت من برق الحمى سحراًونسيمهِ بالشيم والشم
ورضيت من نُعم وإن مطلتبنَعَمْ ونعمى تلك من نعم
وبلغت من عظم الشكاة مَدىًفيه المُدى بلغت إلى العظم
فإِلامَ تشكو الظلم من زمنٍيتهضّم الأحرار بالظلم
تأتي نوائبه منبهةوتمرُّ كالمرئيّ في الحلم
لا تخفض اسمك وارتفع حذراًفعلاً تصرّفه يد الحزم
سم نفسك العلياء واسمُ بهافي بغية الدنيا عن الوسم
حتى متى تظما إلى ثمدٍأيقنت أنّ وروده يظمي
فدع التيمم بالصعيد ففيكنف الإمام شريعة اليم
ملكٌ ليالي النائبات بهتجلى وتخصب أزمن الأزم
ورأى الورى الوجدان من عدمفي عصره والوُجْدَ من عدم
أوصافه بالوحي نعرفهافصفاته جلّت عن الوهم
تسمو بلثم تراب موكبهفلقد سمت يده عن اللثم
ما كنت تبصر نقع موكبهلولا تواضعه من العظم
النجم منزله ومنزلهللوحي منزل سورة النجم
من معشرٍ آساس ملكهمُصينت قواعدها عن الهدم
من كلّ سامي الأصل سامقهزاكي الخليقة طاهر الجذم
شم المعاطس عزّهم أَبداًقمنٌ بذلّ معاطس الشمّ
المنهبون الوفد وفرهمُوالمشترون الشكر بالشكم
قومٌ يرون إذا هم اجتمعواتفريق ما غنموا من الغنم
خفوا إلى فعل الجميل فمايستثقلون تحمل الغُرم
حمر النصال جلوا ببيضهمُظلمات ظلم الأزمن الدهم
وخطابهم في كل داهيةيقتاد أنف الخطب بالخطم
ومنها:
إرث النبوَّة بل خلافتهافي يوسف المستنجد القرم
كالبدر نوراً والهزبر سطاًيومَ الهياج وليلة التمّ
لا بالجهام ولا الكهام إذانوب الزمان عرت ولا الجهم
لو للسيوف مضاء عزمتهويراعه أمنت من الثّلم
وإذا المنى عقمت فنائلهشافي العقام وناتج العقم
الدين مرتبط بدولتهوالدهر تابع أمره الحزم
لوليه من فيض نائلهفيض الوليّ ونائل الوسمي
قسماً نصيب من الوفاء بهأوفى النصيب وأوفر القسم
للحقّ ما يرضيك من عملٍوالحكم ما تمضيه من حكم
ومنها:
أما الطغاة فقد وسَمتهمُووصَمتهمْ بالذلِّ والرغم
بين الزِّجاج تصدَّعوا شُعَباًصدع الزُّجاج لوقعة الصدم
للوقد أنفسهم وسمعُهُمُللوقر والأعناق للوَقم
إغمد حُسامك في رقابهمُفالداء مفتقر إلى الحَسْم
ومنها:
آزرت ملكك بالوزير فمنشَرْوا كما في العزم والحزم
يحيي الذي أضحى بسيرتهحيَّ المحامد ميت الذمّ
كبرت وجلّت فيك همتهفله بنصحك أكبر الهمّ
هو حاتميُّ الجود ليس يرىإسداء نائله سوى حتم
فليهننا أنّا لملكك فيزمن يردّ شبيبة الهمّ
وهَناك أنك بين أظهرناخَلَفُ النبيّ ووارث العلم
وكما وزَنتَ عِيار فضلك بالإفضال زِنتَ العلمَ بالحلم
بمكارمٍ لك عَرْفُها أبداًفينا يَنُمُّ وعُرفها ينمي
ما روضةٌ غناء حاليةٌوَشياً تُحلّيه يَدُ الرَّقم
فعرائس الأغصان قد جُلِيَتْفي زهرها بالوشي والوسم
وتمايلت أزهارها سَحراًبنسيمه المتمارِض النَّسم
فلكلِّ نَوْرٍ نُور ثاقبةٍولكلِّ ناجِمةٍ سنا نجم
دُرّانِ من طَلّ على زَهرٍيا حُسنَهُ نثراً على نظم
إذْ كلُّ هاتفةٍ وهاتنةمشغولة بالسجع والسجم
فالوُرْق في نوح وفي طربٍوالوَجْد في بَوْح وفي كتم
بأتمّ حسناً من صدائح ليفيكم منزهة عن الوصم
دُرّية الإِشراق مشرفة الدُرّيّ بل مِسكية الختم
تجري وتفتح من سلاستهاصُمَّ الصَّفا ومسامع الصمّ
يغني الطروب عن الغناء بهاوابن الكريم عن ابنة الكرْم
لطُفَت وطالت فهي جامعةعظمَ الحِجا ولطافة الحجم
ولكم سحبت الذيل مبتهجاًحيث الرجاء مطرز الكُمِّ
مستنزرٌ جمَّ الثناء إذاقابلته بعطائك الجمِّ
لم يُخطِ منذ أَصبتُ خِدْمَتكمأغراضَ أغراضي بكم سهمي
ولَرُبَّ مجدٍ قد أَضفت إلىما نلت من خالٍ ومن عمِّ
فالدهر يصرف صَرْفه بكمويكُفُّ كفَّ البسط عن غشم
ولئن نطقت بكم فوصفكمُمُحيي الجماد ومُنطِق البُكم
ولما توفي الوزير ابن هبيرة، أُعتقِلتُ في الديوان ببغداد، بسبب منابتي عنه في واسط والبصرة، فمدحت الخليفة بقصيدة أستعطفته بها في شعبان سنة ستين، منها:
أُعيذُكمُ أن تغفلوا عن أمورهوأن تتركوه نُهبةً لمُغيرهٍ
عفا الله عنكم قد عفا رَسمُ وُدِّكمخلعتم على عهدي دِثار دُثورهِ
بما بيننا يا صاحبي من مودّةوفاءَك إني قانعٌ بيسيرهِ
وهذا أوان النصح إن كنت ناصحاًأخاً فقبيح تركهُ بغرورهِ
وإني أرى الأرْيَ المَشور مَشورةًحَلَتْ موقعاً عند امرئٍ من مُشيرهِ
تحملتُ عِبءَ الوَجد غير مُطيقهِوعَلّمتُ صبر القلب غيرَ صَبورهِ
صِلوا مَن قضى من وحشة البَينِ نحبهونَشرُ مطاوي أُنسه في نُشوره
رعى الله نجداً إذ شكرنا بقربكمقِصارَ ليالي العيش بين قصورهِ
وإذْ راقت الأبصار حُسنى حسانهوأطْرَبتِ الأسماع نجوى سَميرهِ
وإذ بُكرات الروض ألسنةُ الصَّباتعبِّر في أنفاسها عن عبيرهِ
وإذ تكتب الأنداء في شجراتهوأوراقها إملاءَ وُرقِ طيورهِ
ومنها:
أيا نجد حيّاك الحيا بأحبّتيبهم كنت كالفردوس زين نُحوره
وما طاب عَرف الريح إلا لأنّهأصاب عَبيراً منك عند عبورهِ
ومنها:
ومُطْلَقَةٍ لمّا رأَتنيَ موثقاًأعِنَّة دمعٍ أُترِعَتْ من غديرهِ
تناشدني بالله مَن لي ومَن ترىيقوم لبيتٍ شِدْتَه بأمورهِ
فقلتُ لها بالله عودي فإنمّاهو الكافل الكافي بجبر كسيرهِ
ومنها:
هو الفلك الدوّار لكنْ على الورىمقد؟ ّرةٌ أَحداثه من مُديرهِ
عذيريَ أضحى عاذلي في خُطوبهفيا مَن عذيرُ المُبتلى من عَذيرهِ
يُجرّعني من كأُسه صِرْفَ صَرْفِهفعيشٌ مَريرٌ ذوقه في مُرورهِ
ولستُ أرى عاماً من العمر ينقضيحميداً ولم أفرح بمرّ شهورهِ
لحى الله دهراً ضاق بي إذ وَسِعتُهبفضلي كما ضاقت صدور صدوره
فلم أرَ فيها واحداً غيرَ واعدٍيخيِّل لي زَوْرَ الخيال بزُوره
وما كنت أدري أنَّ فضليَ ناقصيوأن ظلام الحظّ من فيض نوره
كذلك طول الليل من ذي صبابةٍيُخبّره عن عَيشه بقصوره
وما كنت أدري أنَّ عقليَ عاقِليوأنّ سراري حادثٌ من سفوره
وكان كتاب الفضل باسمي مُعنونَافحاول حظّي مَحوَهُ من سطورهِ
فيا ليت فضلي الآسري قد عَدِمتُهفأضحى فداءً في فكاك أسيره
أرى الفضلَ معتادٌ له خَسف أهلهِكما الأفق معتادٌ خسوف بدوره
أقول لعزمي إنّ للمجد منهجاًسهول الأماني في سلوك وعوره
فهوّنّ عليك الصعب فيه فإِنمّابأخطاره تَحظَى بوصل خطيره
وما لي يا فكري سواك مُظاهِرٌوقد يستعين المبتلي بظهيره
فخلِّ معنّىً خاض في غمراتهوحسبك معنى خضت لي في بحوره
وكن لي سفير الخير تسفرْ مطالبيفحظُّ الفتى إسفاره بسفيره
وقل للذي في الجدب أطلق جَدُّهسبيل الحيا حتى همى بدروره
لماذا حبستم مخلصاً في ولائكموما الله ملقي مؤمنٍ في سعيره
ومنها:
وكم فَدْفَدٍ جاوزت أجوازه سُرىًكأَنّي وِشاحٌ جائلٌ في خصوره
بمهريّة تحكي بكفّي زمامهاوأحكي لكدِّ السير بعض سيوره
وخاطب أبكار الفدافد جاعلٌبكار المهارى في السرى من مهوره
وإن رجاءً بالإِمام أنوطهحقيقٌ بآمالي ابتسام ثغوره
تمرُّ بعلياه الخلافة عينهافناظرها لم يكتحل بنظيره
ومنها:
أرى الله أعطى يوسفاً حسن يوسفٍومكّنه في العالمين لخِيره
برتني صروف الحادثات فآونيتضعْ منّيَ الإِنعام عند شكوره
كذا القلم المبريُّ آوته أنملٌفقام يؤدّي شكرها بصريره
ومنها:
وما زَهرٌ هامي الرَّباب يحوكهتعمّم هامات الرُّبى بحريره
كانّ سَقِيطَ الطَّلّ في صفحاتهسحيراً نظيم الدُّرّ بين نثيره
يقابل منه النرجسُ الوردَ مثلمارأت بوجنة المعشوق عين غيوره
وللورد خدّ بالبنفسج معذرٌونرجسه طرفٌ رنا بفتوره
بأبهج من شعرٍ مدحتكُمُ بهومعناكُمُ مستودَعٌ في ضميره
وما حقُّ هذا الشعر لا لجريرهوقد سار في الآفاق جيش جريره
وكتبت إليه، وأنا على تلك الحالة قصيدةً في طلب الإدالة، منها:
مقصوده أعصي الهوى وأُطيعههذا لعمر هواك لا أسطيعه
سمعي أصَمُّ عن العذول وعذلِهِفعلامَ يقرع مسمعي تقريعه
غلب النزاع إلى الحسان تجلُّديوالقلب مغلوب العزا منزوعه
لا تنزِعَنّ إلى ملامِ متيِّمٍلا يستتبّ عن النزاع نزوعه
ومَلاحة الرشأِ المليح تروقهوملامة اللاحي الملحّ تروعه
يا عزه لو لم يعزّ عزاؤهيا ذلّه إنْ لم تعنه دموعه
وبمهجتي حلو الشمائل عذبهالكنّه مُرُّ الصدود شنيعه
نشوان من خمر الصبا قلبي بهأفديه مخمورُ الغرام صريعه
غصنٌ على حِقفٍ يميل ويستويفكأَنّما يعصيه حين يطيعه
رثمٌ وفي قلب المحبِّ كِناسهقمرٌ وفي ليل العذار طلوعه
وكانّ قلبَ محبّه إقطاعهوكأنّ خطّ عِذاره توقيعه
مسلوب سهم اللحظ منه محبّهملسوب عقرب صدغِه ملسوعه
للهِ عيشٌ بالحمى أَسلفتهوالشمل غير مفرّقٍ مجموعه
أيامَ دارت للشباب كؤوسهفينا ودرّت بالسرور ضروعه
رويت بأنواء العِهاد عهودهوزَهَت بأنوار الربيع ربوعه
أفراجعٌ ما مر من أيامههيهات لا يرجى إليّ رجوعه
وجدي مقيمٌ ما يزال بظاعنٍتوديع قلبي أنه توديعه
مُلاّك مهجته عليكم حفظهافالملك ليس لمالكٍ تضييعه
لا تنسبوا قلبي إليّ فإِنّهلكُمُ وفيكمْ جرحه وصدوعه
قلبي المتيَّم للأحبَّة كلّهوندى الإمام لمُعتفيه جميعه
وبيوسف المستنجد بن المقتفيدين الهدى سامي العماد رفيعه
ضافي رداء الفخر صافٍ روحهنامي ضياء البشر زاكٍ رُوعه
حالي الضمائر بالعَفاف وبالتُّقىللهِ ما تحنو عليه ضلوعه
محمرُّ نصل النصر في يوم الوغى الْمغبرِّ مبيضَّ العطاء نصوعه
في الأمن إلا ما له وعدّوهفكلاهما في الحالتين مروعه
ومنها:
للهِ أصلٌ هاشميّ طاهرٌطابت وطالت في العلاء فروعه
لكَ نائلٌ محيٍ وبأسٌ مهلكٌفلأنت ضرّار الزمان نفوعه
ومنها:
يا أفضل الخلفاء دعوةَ قانعٍبرضاك ما كشف القناع قنوعه
أيكون مثلي في زمانك ضائعاًهيهات يا مولاي لست تضيعه
أودع جميلاً لي أُذعه فخير منأودَعتَه منك الجميلَ مذيعه
حسب المؤِّمل منجحاً في قصدهأنّ الرجاء إلى نداك شفيعه
ونظمت حينئذٍ قصيدة في عماد الدين بن عضد الدين ابن رئيس الرؤساء، وكان حينئذ أستاذ الدار، ومنها:
قلْ للإِمام علامَ حبس وليكمأولوا جميلكُمُ جميلَ ولائه
أوَليس إذْ حبس الغمامُ وليّهخلّى أبوك سبيله بدعائه
فأمر بإطلاقي وتوفير أرزاقي.
وقد أوردت من مدائحي في أمير المؤمنين المستضيئ بأمر الله ما تهيَّا، وضوَّعت من نفحات ذاك النسيم ريَّا.
ولي فيه مدائح تناسب منائحه كثرة وغزارة، وأيام دولته غضارة ونضارة. فمن ذلك قصيدتان: صادية إليها القلوب صاديةٌ، وضادية نفوس ذوي التضاد من روعتها متضادية.
فالصادية نظمتها في سنة تسع وستين، في أيام نور الدين محمود بن زنكي
رضي الله عنه، وأولها:
أطاع دمعي وصبري في الغرام عصىوالقلب جرّع من كأَس الهوى غصصا
وإنَّ صفو حياتي ما يكدّرهإلا اشتياقي إلى أحبابيّ الخلصا
ما أَطيب العيش بالأحباب لو وصلواوأَسعد القلب من بلواه لو خلصا
زمُّوا فؤادي وصبري والكرى معهمغداة بانوا وزمُّوا للنوى القلصا
وقفت أُتبِعهم قلبي يسايرهموأُرسل الدمع في آثارهم قَصصا
ومقلة طالما قرّت برؤيتهمأضحى السهاد لها من بعدهم رمصا
لم تحدر الدمع إلا أنها رفعتإلى الأحبّة من كرب الهوى قِصصا
رخصت بعد غلائي في محبتكموربِّ غالٍ عزيزٍ هان إذ رخصا
أرى أمانيِّ منكم غير صادقةٍكذا حديث المنى ما زال مخترصا
يا هل تعود ظلال العيش سابغةًوكيف يرجع عيشٌ ظله قلصا
وحبذا قرصٌ للدهر ممكنةٌوالدهر من لم تزل أوقاته فرصا
لهفي على عُنْفُوان العمر كيف مضىعني وشيكاً ولما تمّ لي نقصا
ما كنت أعلم ريعان الصِّبا حلماًإذا انقضى أصبحت لذّاته نُغصا
أيامَ أخلع في اللهو العِذار كماأهوى وأَلبس من أَطرابه قُمصا
أيامَ لا رَشَئي يعتاده مَللٌولا رِشاء الصِّبا من قبضتي ملصا
إذ الليالي بما أهوى مُساعفتيتدني إلى النجح آمالاً إليّ قصى
أروح ذا مَرَحٍ بالوصل مبتهجاًأناله سُؤله من دهره الحصصا
أطاعت الغانيات الغيد منه فتىًإذا لحى في هُواهنّ العَذول عصى
ما بالهُنّ زَهِدْن اليوم فيه وقدأفاده الشيبُ تجريباً وثقل حصى
كَرِهْنَ بعد سوادٍ شيب لِمَّتهلمّا رأَينَ بياضاً خِلْنهُ بَرَصا
بمهجتي رشأَ قلبي له قنصٌّفيا له رشا للأُسد مُقتنصا
تمضي عزائمه في قتل عاشقهعمداً ويطلب في تعذيبه الرُّخَصا
يا لائما بشباك العذل يقنصنيولست إلا لا شراك الهوى قنصا
بغيتَ راحة من تعتاصُ سلوتهوأتعب الناس من يبغي الذي عَوِصا
لا تحرصنَّ على ما أنت طالبهفربَّما حُرم المطلوبَ من حرصا
تبغي بقرع عصا التقريع لي رَشَداًكما ينبّأ ذو حلم بقرعه عصا
أقصِرْ فلي شَعَفٌ بالمجد طال لهباعي وطرف حسودي دونه بخصا
لو أنصف الدهر كان الفضل في دَعَةٍمنه وعاثر حظّ الفضل منتعصا
ربّى الزمانُ بنيه شرَّ تربيةٍفالجهلُ ذو بطنةٍ والفضلُ قد خمصا
لولا زمان الإِمام المستضيئ لنالما امتحى ذنب أيامي ولا محصا
مَن ألزم الله كلّ الخلق طاعتهمُخوّفاً منه عِصياناً وَشقّ عصا
مَن لا خمائل لولا سحبه هطلتولا مخايل لولا برقه وبصا
قد عاش في العِزّة القعساء حامدهومات جاحده من ذِلَّةٍ قعصا
مولىَ لراحة أهل الأرض راحتهوكم يُفرِّج عنّا الحادث اللّحِصا
بالجود للمعتفي حلو الجنى سلساًبالبأس للمعتدي مُرُّ الإِبا عفصا
يا سيّد الخلفاءِ الأوصياء ومَننَبْتُ المنى منه في روض النجاح وصى
يا مُحِكماً كلَّ نظم للزّمان وهَىوجابراً كلّ عظمٍ للمنى وهصا
بالحقّ إن دانت الدنيا له ودناسحاب معروفه الهامي إذا نشصا
أنمت عدلاً عيون العالمين بماأذهبت عنها القذى والرّيْن والغمصا
عدوّكم واقعٌ في الرُّعب طائرهحتى لقد حسب الدنيا له قفصا
وحسبُ كلّ حسودٍ أنَّ ناظرهإلى مهالكه من حيرة شخصا
يا خيرَ مَن حجَّ وفدُ الله كعبتهعلى المطيّ الذي في سيره قمصا
وما توجّه ذو عزمٍ إلى أملٍإلا لدى بابه عن حَجّه فحصا
سأجتدي وابلاً من جوده غَدقاًوأمتري حافلاً من خِلفه لَخِصا
وإنْ عنديَ ذا التوحيد من شَكَرَ النعمى لديك وذا الإشراك من غمصا
من ذا الّذي سار سيري في ولائكمُ غداةَ قال العدا لا سير عند عصا
بعثي على الحقِّ أصفى مصر من رَنَقٍبها وأخرس منها باطلاً نبصا
ومنها في مدح نور الدين محمود بن زنكي قدس الله روحه:
ونالَ عبدُك محمودٌ بها ظفراًما زال يرقبه من قبل مرتبصا
كلب الفرنج عوى من خوف صولتهوقيصر الروم من إقدامه معَصا
سطا فكم فِقْرَةٍ للكفر قد وُقمَتْوكم وكم عنقٍ للشرك قد وقصا
من خوف سطوته أنّ العدوَّ إذاأمَّ الثغورَ على أعقابه نكصا
ورُبَّ معتركٍ رحب الفضاء بهأضحى على مُسعريه ضيِّفاً لَقِصا
لما انتشى الهامُ من كأْس النجيع بهغنّى المهنّد والخَطّيُّ قد رقصا
وللكُماة على أهوالها نَهَمٌنامٍ كانّ بها نحو الردى لعصا
والحرب عضّت بأنيابٍ لها عُصُلٍوالصَّفُّ أحكَم من أَضراسها لَصَصا
والبِيض فيه بقدِّ البَيض ماضيةٌوالسُّمر تخترق الماذِيَّة الدُّلُصا
وكلّ نفسِ مشيحٍ رَهن ما كسبتوالسامِريُّ رَهينٌ بالذي قَبصا
ومن دماء مساعير الهياج نرىعلى سوائعها من نضحها نُفَصا
أعاد عبدك نور الدين منتصراًما كان يغلو من الأرواح مُرتخصا
وكم أخاف العدا بالأولياء كماأخافت الأُسد في إصحارها النُحصا
والمبطلون متى طالت رقابهُمُأبدى من الهُون في أعناقها الوَقَصا
عدى نَداك أمير المؤمنين علىحظٍّ تعدّى ودهرٍ رَيبُهُ قَرَصا
نعشتَ فضلي بإِفضالٍ حَلَلْتَ بهمن عَقده ما لَواهُ الحظُّ أو عَقَصا
تَملَّ مدحَ وليٍّ فخرُ ناظمهأنّ القريض إلى تقريظكم خلصا
لا يصدق الشعر إلا حين أمدحكموكلُّ مدح سوى مدحيكُمُ خرصا
وكيف أحصي بنطقي فضل منتسبٍإلى الذي في يديه نطق كلِّ حصى
وأما الضادية، فإِنّني نظمتها بالشام أيضاً، في أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة سبعين، وهي:
أصَحُّ عيون الغانيات مريضهاوأفتك ألحاظٍ الحسان غضيضها
تَهزُّ قُدود السُّمر للفتك سمرهاوتشهر من أجفانها البيض بيضها
وقد طال فكري في خُصورٍ ضعيفةٍبأعباءِ ما في الأُزْرِ كيف نُهوضها
غَرِضْنَ بشيبي والشبيبة إنمايغرّ الغريراتِ الحسانَ غَريضها
سوافر غُرّ عن وجوهٍ لحُسنهامعانٍ على فهمي يدقّ غموضها
نوافر مسودُّ الشباب أليفهاحَبائب مبيضُّ المشيب بَغيضها
عن المُقْتِر البادي القَتِير نِفارُهاوعند الفتى الحالي الثراء رُبوضها
كأن قلوب العاشقين بدينهارُهون غرامٍ ما تؤدَّي قُروضها
وقد غرّ في ميعادها وهو خُلّبٌكما غرِّ مِن شَيم البروق وميضها
أجرْني بصبرٍ إنّ فيض مدامعيسيولُ هموم في فؤادي مغيضها
وهل مطفئاتٌ أدمعي نارَ لَوعةٍتوقّد في أرجاء قلبي مضيضها
تُكلّفُني نقض العهود بسلوةٍثباتي على إبرام وَجدي نقيضها
أأغضي على حدٍّ من الضيم مُرمضٍوسيفيَ بتّارُ الحدود رميضها
أغثنيَ بالإرشاد فالطرق إنمايَدُلُّ بها خِرِّيتُها ونَفيضُها
النِّفَضَةُ والنَّفِيضَةُ: قوم يبعثون في الأرض ينظرون: هل بها من عدو، أو خوف.
أعِنّي على بلوايَ فالعمر غَمرةيعاين أهوال الرَّدى من يخوضُها
شَجاني انضمامي والخطوبُ كثيرةٌإلى خطّةٍ يؤذي الأُسودَ بعوضُها
تساوي لديها غَثُّها وسمينهاوأودي بها منحوضُها ونحيضها
التحيض: الكثير اللحم، والمنحوض: الّذي أُخذ لحمه.
ولي عند تحقيق المعاني أدَّلةتزيَّف في وقت النُّضار نقوضها
حُظوظي على عِلاّتِها وشَتاتِهاكأبياتِ شِعرٍ ما يصحّ عَروضُها
جوامِدُ لكنْ نار عزمي تُذيبهاجوامحُ لكنْ طول صبري يروضها
ستشرق في أوج الصعود سُعودهاوإنْ زاد إظلامَ الحظوظ حضيضها
بجودٍ أمير المؤمنين وسَيبهتَفيضُ على أرض الأماني فُيوضُها
إمام البرايا خيرها مُستضيئهاغزير الأيادي جَمُّها مُستفيضها
تفيض لترويض الرجاء مياههوللنُجح يُرجَى عِدُّها ونضيضها
جزيل العطايا وافر الفضل وارِف الظِلاّل طويل المأثرات عريضها
تبدّل بالأموال آمال وَفدِهفكم فاقةٍ منّا بوجد يعيضها
ويفتح من مُدّاحه باللُّها اللهاوقد حال من دون القريض جَريضها
إذا اقترحت منّا القرائح مُدحَهتسابق من شوقٍ إليه قريضها
مُواليه مشكور المساعي نَجيحهاوشانيه مردود المباغي دَحُوضها
أتتنا وفود المكرمات بجودهووافى إلينا قَضُّها وقضيضها
إذا ظمئت آمالنا وردت لهبحار لهىً يروي العطاش فضيضها
من الأسرة الغُرّ الّتي بولائهاأفاض المبرّات الغزار مفيضها
مكرّمة أعراضها ومهانةٌلإظهار عزّ الأولياء عُروضها
موالاتهم في الله عن صدق نيّةغسولٌ لأدران الذنوب رحوضها
هُم الكاشفو الغمّاء في كلّ لزبةٍعدا بنيوب النّائبات عضوضها
أضاء بهم شرق البلاد وغربهاوحيزت لهم أطوالها وعروضها
ومن عجب صلّت لقبلة بأسهمرؤوس أعادٍ من ظُباهم محيضها
تدلُّ على الرُّعب الّذي في قلوبهامفاصل للأَعداء شاجٍ نقيضها
وما هامرٌ هامٍ من الودق إن بكىتبسَّم مرهوم الرّياض أريضها
تأرّج واديها وطاب نسيمهاوغرّد شاديها وغنّى غريضها
بأغزر من جود الإِمام الّذي بهإذا شكت الآمال يشفي مريضها
حباني على ضَنّ الزّمان بثروةٍجلا زُبدها في عيشتي ومخيضها
جناح رجائي رِيشَ والنّاس منهمُرجائيَ محصوص الخوافي مَهيضها
إليك أميرَ المؤمنين أحثّهانياقاً تردّى بالهُزال نغوضها
طلائع آمالٍ رَذايا مطالبٍتداعت بتعريق النُّحول نحوضها
حوامل آرابٍ حوامل نُجحهاإذا عقمت ميلادها ونفوضها
لئن عافت الأقدار عن قصد بابكموعارضني عند المسير عروضها
فإِنّي أنَّى كنت في ظلّ طاعةٍلغير هداكم ما تقام فروضها
سأطلب ريّي في ورود بحاركموأهجر قوماً أظمأتني بروضها
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع