من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الأول» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
باب في ذكر محاسن الوزراء والكتاب للدولة العباسية وما نمى إلي من شعرهم الوزير ظهير الدين
أبو شجاع محمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم، من أهل روذراوَر.
مولده بقلعة كِنكِوَر سنة سبع وثلاثين وأربع مئة. وزر للإمام المقتفي، بعد عزل عميد الدولة أبي منصور بن جَهير، سنة ستّ وسبعين وأربع مئة. وعزل سنة أربع وثمانين يوم الخميس تاسع عشر صفر. ولما قرأ التوقيع بعزله وانصرف، كان يُنشد:
تولاّها وليس له عدوّوفارقها وليس له صديق
فخرج إلى الجامع ماشياً يوم الجمعة من داره، وانثالت العامة عليه تصافحه وتدعو له، وكان ذلك سبباً لإلزامه بيته. ثم أخرج إلى روذراور، وهي موطنه قديماً، فأقام هناك مدّة، ثم خرج إلى الحجّ وسافر إلى مكّة في موسم سنة سبع وثمانين، فخرج العرب على الرُّفقة بقرب الرَّبَذَة، فلم يسلم من الحجيج سواه. وجاور بعد الحجّ بمدينة الرّسول صلوات الله عليه إلى أن تُوفّي في النصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين، ودفن بالبَقيع عند القبّة الّتي فيها قبر إبراهيم ﵇ ابن رسول الله ﷺ.
وكان عصره أحسن العصور، وأيامه أنضر الأزمان، ولم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدين وقانون الشريعة مثله، صعباً شديداً في أمور الشرع، سهلاً في أمور الدنيا، لا تأخذه في الله لومة لائم. ذكره ابن الهمذاني في الذيل وقال: (كانت أيامه أوفى الأيام
سعادة للدولتين، وأعظمها بركة على الرعية، وأعمها أمناً، وأشملها رخصاً، وأكملها صحةً، لم يغادرها بؤس، ولم تشبها مخافة. وقام للخلافة في نظره من الحشمة والاحترام، ما أعادت سالف الأيام.
وكان أحسن الناس خطاً ولفظاً.
وله شعر حسن، وذكر أنه لم يقل بعد الوزارة غير هذه القطعة في الزهد:
قد آن بعد ظلام الشَّيب إبصاريللشّيب صبحٌ يناجيني بإِسفار
ليلُ الشّباب قصيرٌ فاسْرِ مُبتكراًإِنّ الصّباحَ قصارى المُدْلِجِ السّاري
كم اغتراريَ بالدُّنيا وزُخْرُفِهاأبني بِناها على جُرْفٍ لها هارِ
وكم كذوبٍ بعهدٍ لا وفاءَ لهتعّلم الغَدرَ منها كلُّ غدْارٍ
دارٌ مآثمها تبقَى ولذّتُهاتفنى ألا قُبِّحت هاتيك من دارٍ
فما انتفاعي بأوطارٍ مضت سَلَفاًقضيتُها وكأنْ لمْ أقضِ أوطاري
فليت إذ صَفِرتْ ممّا كسبْتُ يديلم تعتَلِقْ مِن خطاياها بأوزارِ
ليس السَّعيدُ الّذي دُنياهُ تسعدهُإنَّ السّعيدَ الّذي ينجو من النّارِ
أصبحت من سيئآتي خائفاً وَجِلاًواللهُ يعلم إعلاني وإسراري
إذا تعاظَمَني ذنبي وآيسَنيرجوتُ عفوَ عظيمِ العفوِ غفّارِ
وقرأت في المذيل تأريخ أبي سعد السمعاني: سمعتُ أبا علي أحمد بن سعيد العجلي يقول: قلت للوزير أبي شجاع: أردت أن أقرأ عليك ديوان شعرك. فقال: لا، ولكن أنشدك أبياتاً من شعري. وأنشدني لنفسه:
ليس المقادير طوعاً لامرئ أبداًوإنّما المرء طوعٌ للمقاديرِ
فلا تكن إن أتت باليُسْر ذا أشَرٍولا يَؤُوساً إذا جاءت بتَعسيرِ
وكن قنوعاً بما يأتي الزَّمانُ بهفيما يَنوبُك من صفوٍ وتكديرٍ
فما اجتهادُ الفتى يوماً بنافعهوإنّما هو إبلاءُ المعاذير
وأورد السَّمعانيّ في المذيّل: أنشدني المُباركُ بن مَسْعود الغَسَّال له:
ما كان بالإِحسان أوْلاكُملو زرتُمُ من كان يهواكُمُ
أحبابَ قلبي ما لكم والجفاومَنْ بهذا الهَجر أغراكمُ
ما ضركُمْ لو عُدتُمُ مُدْنَفاًمُمرّضاً من بعض قتلاكمُ
أنكرتمونا مُذْ عهدناكمُوخُنْتُمونا مذ حَفِظْناكمُ
لا نظرتْ عيني سوى شخصِكمْولا أطاع القلب إلاّكمُ
جُزتمْ وخُنْتمْ وتحاملْتُمعلى المُعَنّى في قضاياكمُ
ما كان أغناني عن المُشتكىإلى نجوم الليل لولاكمُ
سَلُوا حُداةَ العيس هل وردت ماءً سوى دمعي مطاياكمُ
أو فاسألوا طَيْفَكمُ هل رأىطَرْفي غَفا من بَعْدِ مَسْراكمُ
أحاول النَّوم عسى أنّنيفي مُستَلَذّ النَّوم ألقاكمُ
يا ظَبَيات الإِنس في ناظريوُرودُكم والقلب مرعاكمُ
خونوا وُجوروا وانصفوا واعدلوافي كلّ حالٍ لا عدِمْناكمُ
ما آن أنْ تَقضُوا غَرِيماً لكميخشاكمُ أن يتقاضاكم
ونقلت ببغداد من مجموع له:
وإِنّي لأُبْدي من هواك تَجَلُّداًوفي القلبِ منّي لوعةٌ وغليلُ
فلا تَحسَبي أنّي سَلوت فربّماتُرى صِحّةٌ بالمرء وهو عليلُ
وله:
أيذهب جُلُّ العُمْرِ بيني وبينكمْبغير لقاءٍ إنَّ ذا لَشَدِيدُ
فإِن يسمح الدَّهْر الخؤون بوصلكمعلى فاقتي إني إذَنْ لَسعِيدُ
وله، نقلتهُ من مجموع آخر:
وأسلمني الباكون إلا حمامةمطوَّقة قد صانعت ما أصانِعُ
إذا نحن أنفَدْنا الدُّموعَ عَشيّةًفموعدُنا قَرْنٌ من الشَّمس طالع
إذا لم يكن إلا صدودٌ وجفوةٌفما أنا فيما بين هذين صانع
أبيتُ بليلٍ ليس فيه راحِمٌولا مُسْعدٌ إِلاّ الحَمام السّواجع
ونقلت من ذيل التأريخ لابن الهمَذاني: أنه سئل الوزير أبو شجاع إجازة أبيات كثيرٍ التي منها:
إذا قيل هذا بيتُ عزة قادنيإليه الهوى واستعجلتني البوادر
فقال:
ألا ليتَ شعري والعِدا يُوعدوننيأيعذُرني إنْ زرْتُ عَزَّةَ عاذر
أمر على أبيات عزّة خائفاًعِداها فجنْبي عنهُمُ متزاوِرُ
ألا إنّ بيتاً لا أزورُ فِناءَهُلأشهَى من البيت الّذي أنا زائرُ
إذا حضر الواشونَ أبديت سَلْوةًوفي القلب من حُبِّيكِ داءٌ مخامرُ
تعاللتِ عنّي كي تخوني مودَتيوتلك التي يا عَزِّ كنتُ أحاذِرُ
تقولين لم أضْمِرْ بقلبي خيانةًدَعِيني فما للنّاس إلاّ الظَّواهرُ
وله في نظام الملك لمّا قصده إلى أَصفهان، وكتب بذلك إلى بغداد:
مَن مبلغٌ ساكني الزوراء مَأْلكةًأنّي بمنزل عزٍّ صِينَ من هُون
حيث اشتريتُ غلاء العِزّ مرتخصاًبصفقةٍ لم أكن فيها بمغبون
فاليوم أيقنت أنَّ الدَّهْرَ سالمنيوأن أيدي العدا قد قصّرت دُوني
لا زال ركن قوام الدّين مُستَلَمَاًمُشَيّداً بالمعالي غير مَعْيُون
يفيض في النّاس فضلاً ينعشون بهوالله يُعطيه أجراً غيرَ ممنون
وله فيه:
أترى الزْمانَ يجور في أحكامهوالدَّهْر ينصُرني بعدل قوامه
كلاّ فجارُ أبي عليّ في الحِمىمن عِزّهِ والخصبُ من إنعامه
متبوِّئاً للعزّ في سلطانهمتهنّئاً بالأمن في أيّامه
من مبلغٌ أهل العراق وفيهمُمَن لو ذُكرتْ له بكى بسجامه
أني نزلتُ بدار أكرم طائعلإلهه ونبيّه وإمامه
هيهات أخشى الدّهر بعد تحرٌُّميبجواره وذمامه وطعامه
ذاك امروٌ يخشى الإِله ويتَّقيمتحرّجاً في حلّه وحَرامه
فسل اللّياليَ إن جهلت حديثهتخبر بطول سجوده وقيامه
فليهن سلطان البلاد سُعودُهفالله يكلأ ملكه بنظامه
وإني أذكر من فضائله مما ذكره ابن الهمذاني لمعاً، وهو أنه ظهر منه من
التلبس بالدين وإظهاره، وإعزاز أهله والرأفة بهم، والأخذ على أيدي الظلمة ما أذكر به عدل العمرين وكان لا يخرج من بيته حتى يكتب شيئاً من القرن ويقرأ في المصحف ما تيسر، وكان يؤدي زكاة أمواله الظاهرة في سائر أملاكه وضياعه وإقطاعه، ويتصدق سراً.
وعرض عليه رقعةٌ فيها: إن في الدار الفلانية بدرب القيار امرأة معها أربعة أطفال أيتام وهم عراة جياع، فاستدعى صاحباً له وقال له: مر واكسهم، وأشبعهم. وخلعَ أثوابه وحلف: لا لبستها ولا دفئت حتى تعود وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم. ولم يزل يرعد إلى أن عاد صاحبه إليه وأخبره بذلك. فلا جرم أن الله
تعالى ختم له بالخير، كما قال الله تعالى: والعاقبة للمتقين.
ومن أشعاره في أمير المؤمنين المقتدي، وأثبتها لكونها في الخليفة:
بقيتَ أمير المؤمنين مخَلّداًتُطِلّ بأسبابِ العَلاءِ على النّجم
وتفديك أرواح المَوالي على الرِّضاوتفديك أرواح الأعادي على الرّغمْ
فقرٌ بذخر الدِّين عَيْناً وصِنْوِهِأبي جعفر يا معدِن الجود والحَكْم
إذا الدَّهْرُ لم يثلمْ عُلاكَ فإِنّهجدير بأن يلقى أماناً من الذمّ
فلا زلت في الإقبال ما ذرّ شارقوما درّ في أرضٍ حَيا الدِّيَم السُّجْم
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع