من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الأول» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
كمال الدين
أبو الفضل عبيد الله بن الوزير عضد الدين بن رئيس الرؤساء.
شهم مهيب، وله فهم مصيب. وهو غضنفر بني المظفر، وقيل آل الرفيل. لما تولى أبوه الوزارة، صار أستاذ الدار، فغضت لهيبته الأبصار.
وبيني وبينه من المعرفة وله عند من العارفة ما يوجب علي عرفان قدره، والاعتراف بشكره.
وله شعر يروق ويفوق، ومنه قوله في بعض المماليك المستنجديه، وكان مليحاً:
وأهيف معسول الفكاهة واللمىمليح التثنّي والشمائل والقدّ
به ريَ عيني وهو ظامٍ إلى دميوخدّي له وردٌ ومن خدّه وردي
ولي فيه مديح، ومن ذلك أنّه كتب إلى أخي من العراق يشكره على تكفله بأسبابنا، وتكلفه لآرابنا، فعملت فيه قصيدةً، وسيرتها إليه من الشام، مطلعها:
قضى عمره في الهجر شوقاً إلى الوصلوأبلاه من ذكرى الأحبّة ما يبلي
وكان خليّ القلب من لوعة الهوىفأصبح من بَرْح الصبابة في شغل
وأطريه اللاحي بذكر حبيبهفآلى عليه أن يَزِيد من العذل
وإنّ مرير العيش يحلو بذكركمْوهل لمرير العيش غيريَ مُسْتَحْل
وصالكم الدنيا وهجركم الردىوقربكُمُ عزّي وبُعدكُمُ ذلّي
ومستحسنٌ حِفظ الوداد فراقبوالأجل اقتناء الحمد نهديّ لا أجْلي
نَفى الصبر من قلب المتيّم حَبلُهُوكيف ثبات القلب في مسكن الخبل
فقلبيَ بين الشوق والصبر واقفٌعلى جَدَد بين الولاية والعزل
إذا ما بقاء المرء كان بوصلٍ مَنْيحبَ فإن الهجر نوعٌ من القتل
وهل نافعي عذل ونصح على الهوىوعذليَ يُغري بي ونصحيَ لا يسلي
وما كنت مفتون الفؤاد وإنّماعليّ فتوني دلَه فاتنُ الدلّ
نحولي ممّن شدّ عَقْدَ نطاقهعلى ناحلٍ واهٍ من الخصر منحلّ
إذا رام للصدِّ القيامَ أبت لهروادفه إِلاّ القيامَ على وصلي
كبدر تجلّى في هَزِيع من الدجىوغصنٍ تثنّى فوق حقف من الرمل
وناظره نشوانُ لا من سلافةسقيمٌ بلا سقمٍ كحيل بلا كحل
وأشهد أنّ الحسن ما خطّ خطّهبعارضه والسحر ما طَرفه يُملي
وما لحظه إلاّ عُقارٌ فإنّنيوجدت هوى عينيه يذهب بالعقل
سقى الله بالزوراء عصر استقامتيلإنجازه الوعد المَصَون من المَطلْ
غداة نضوت الجد أبلى جديدهولا عيشَ إلا هزّ عِطْفي إلى الهزل
أنادمُ غرّاً من أفاضل أهلهاكراماً وكلٌّ حلية الزمن العطل
وإخوان صدق للصداقة بينناصفاء صدور طهّروها من الغِلّ
ندارس آي العقل من سورة الهوىونفهم معنى العلم من صورة الجهل
وها أنا قد أصبحت بالشام شائماًسنا بارق من غير وبل ولا طلّ
يؤهَلني للبعد من كلّ حظوةِويحرمني اللذات بعدي من الأهل
ولا صاحب عندي أحاول نصرهبتخفيف ما يعروه من فادح الثفل
وإنّي أرى عين الخصاصة ثروتيإذا عجزت عن سدها خَلّة الخِلّ
أُلايِنُ حسادي الأشدّاء رِقبةًلهم وأعاني الصعب بالخُلُق السهل
وأبقي مداراة اللئيم لعلّهيبيت ولا يطوي الضمير على دغل
سوى السوء لا تجدي مداراة حاسديكما يستفاد السّمّ من صلة الصّلّ
ومن نقص دهري قصد فضلي بصرفهليرخص منه ما من الحقّ أن يغلي
وإنّي من العلياء في الكنف الّذيبه حظُّ فضلي كلّما انحطّ يستعلي
وماذا بأرض الشام أبغي تعسّفاًولا ناقتي فيها ترام ولا رحلي
ولي حرمٌ منه الأفاضلُ في حمىًمن الصون بالمعروف بالبذل في حِلّ
ومن جملة المديح:
أبي الفضل فيه أن يكون كمالهلغير كمال الدين أعني أبا الفضل
رحيب النوادي والندى واسع الذرارفيع الذُّرا عالي السنا وافر الظِّلِّ
نداه حيا المعروف قد شمل الورىعموماً وغيث الخصب شرّد بالمحل
إذا خفيت سُبْلُ الكرام فإنّهكريم المساعي بينهم واضح السبل
وفي الجدب إن جادت سماهُ سماحةبدا زَهَرُ الإسعاف في الأمل العقل
تساوى له الإعلان والسرّ في العلىفخلوته ملء المهابة كالحفلِ
فتى السنّ إلاّ أنّ للملك قوةًبما هو يستهديه من رأيه الكهل
من القوم أمّا المال منهم فعرضة السماح وأمّا العِرض منهم فللبخل
أَضاء زمان المستضيئ إمامِنابآرائه الميمونة العَقد والحلّ
فمن رأيه ما يطلع السعد من سناومن عزمه ما يطبع النصر من نصل
ومنها في صفة الروض:
وما روضة غناء مرهوبة الثرىمُضَوَّعة الأسحار طيّبة الفصل
شمائلها طابت وطاب شمالهاسقتها شَمُولاً عند مجتمع الشمل
تردّد أنفاس النسيم عليلةعليها فيشفي مرُّها كلَّ معتلّ
تهبّ الصبا فيها بِليلٍ بَليلةًعلى زهَر من عبرة الطلّ مبتلّ
لها من ثغور الأقحوان تبسّموتنظر عن أحداق نرجسها النُّجْل
كأنّ نُعاماها تبلّغ نحوناتحايا قرأناها على ألسن الرسل
تؤرّج أرجاء الرضا كأنماتجامل في حمل التحية عن جُمْل
مرجعةٌ فوق الغصون حمامُهافنونَ هدِيلٍ بين أفنانها الهُدل
تنوح بها الورقاء شجواً كأنّهامفجّعة بين الحمائم بالثكل
مطوّقة أبلت سوادَ حِدادِهاففي الجيد باق منه طوق له كُحْلي
بأحسن من أَخلاقك الزُهْر بهجةوأذكى وأزكى من سجيتك الرسل
ومنها:
إليك سرت منّي مطايا مدائحمن الشكر والإحماد مُوقرةَ الحمل
سوائر في الآفاق وهي مطيفةببابك دون الخلق مخلوفة العُقْل
تهذّب معناها بصقليَ لفظهاكما بان إثر المشرفيّ لدى الصقل
وإن يجل شعري في مديحك رونقاًوحسنأً فإنّ الشهد من نِحَل النَّخل
سلمت ولا لاقت عداك سلامةًورهطك في كُثر وشانيك في قُلّ
ودمت ولا زالت بسطوك ديمة الوبال على الأعداء دائمة الوبل
ودرّت لك النعمى على كلّ آملبقيت بقاء الذرّ والحرث والنسل
أخوه:
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع