تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الأول» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

أثير الدين

أبو جعفر عبد الله بن عميد الدين أبي شجاع المظفر بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء، ابن عم الوزير عضد الدين.

ذو المكان المكين، والفضل المبين، والحلم الرصين، والعلم المتين، المستكمل أدوات الكتابة: من حسن الخط والعبارة، والتصرف في اليراعة والبراعة.

هو ابن العميد الثاني نسباً وأدباً، واحد العصر فضلاً وحسباً، ابتلي بالاعتقال

في الدولة المستنجدية، واستضاءت أمانيه بالأيّام المستضية. وما أجمعه لشتات المعالي، وأبدعه لأبيات المعاني، وأسلكه لجدد السلامة، وأمكنه لقيادة الجودة والنفاسة! اعتناؤه بالنثر أكثر، واشتغاله بالترسل أشهر، فهو الأثير الأثير فلكه في مطالع النجوم، الكبير دركه لمجامع العلوم، المأثور أثره في المنثور والمنظوم، فرند خاطره العضب الغرار ذو أثر، ومدعو صناعاته في زمانه غير كثر.

اتفق اجتماعي معه في التوكيل بالديوان العزيز. ومما أنشدنيه لنفسه في عشرة محرم سنة إحدى وستين وخمس مئة في القمري:

وورقاء تندب فوق الغصونعلى نفسها خوفَ قنّاصها
وأشجى بكاها على نخلةتذكّرها كرب أقفاصها

وأنشدني لنفسه في المسك:

ما أنسَ لا أنسَ مسكاً كان يمسك ليبطيبه رمقاً في الحبس كان بقي
يهدي نسيمَ جنان الخلْد لي وأنافي النّار أشكو إليه شدّة الحرق
فلو قدرت أجازيه وهبت لهسواد عيني وفضلَ الطِّيب من خلقي

وأنشدني لنفسه في الفرس:

وأدهم كالليل لما بدامسيرَهُ والصبح قد أقبلا
ودَعه الصبح بتقبيلةٍما بين عينيه وقد طوّلا
والبرق إذْ خَجَّله عَدْوهحَجَّلَ منه كل ما أَقبلا

وأنشدني لنفسه في السوط:

أنا سوط كالرعد لكن بلا صوتٍ أسوق السحاب من حيث تجري
قبضتني يد كبحرٍ فمن أبصر قبلي بحراً يسيرُ ببرّ

فقلت له: ألمعت في هذا ببيتي الشهاب بن الصيفي، اللذين أنشدنيهما لنفسه:

لِمْ لا أَتيه على الرماح إذافخرت وتحسدني الظُّبى البُتْر
واليّ سوق الريح حالمةًطوداً أشمّ وقابضي بحر

فإنه وصف الفرس، والراكب وكفه، والمقرعة في هذا البيت، ولا يلحق شأوه أحد في معناه.

فقال: الذي قلت، غير هذا المعنى.

وأنشدني أثير الدين ابن رئيس الرؤساء لنفسه في السكين:

وذات حدّ يكلُّ السيف وهي إذادانت على قِمم الأقلام لم تحم
تخافها الأسْدُ في الآجام ضاريةًفكيف تقوى بها الأقلام في الأُجُم
لكنّها إنْ برت روس اليراع مشتفوق الطّروس بلا ساق ولا قدم
وكلّمتك على القرطاس كاتبةًلا من كلام لِسانٍ ناطق وفم
وهذه آية الأقلام أظهرهاموسى حديد كموسى جاء في الأمم

وأنشدني في التفاح لنفسه:

وتفّاحٍ أتى من خدَ قاتلتي وقد جَنَت
فقلت لها لقد أهديتِ ما قد جلّ عن صفتي
بعثت به شهود دميوحمرته ببينتي

وأنشدني لنفسه في الأترج:

أمسيت أرحم أترّجاً وأحسبهلصفرة فيه من بعض المساكين
عجبت منه فما أدري أصفرتهمن فرقة الغصن أو خوف السكاكين

فقلت له: قد التفتّ في هذا البيت إلى بيت الغزي:

كالشمع يبكي ولا يدري أعَبرتهمن صحبة النار أو من فرقة العسل
للشاعر إبراهيم الغزي، اقرأ القصيدة

ثم قلت: ولكن، لي بيتان في الأترج، وهما:

وأترّجة صفراء لم أدر لونهاأمن فَرْق السكين أم من فرق السكن
للشاعر عماد الدين الأصبهاني، اقرأ القصيدة
بحقِّ علتها صفرة بعد خضرةفمن شجر بانت وصارت إلى شجنْ
للشاعر عماد الدين الأصبهاني، اقرأ القصيدة

فعجب من ذلك، وقال: متى نظمها فلم تخطئ المعنى؟ وأنشدني أيضاً لنفسه في الشمعة:

وشمعة في الظلام تؤنسنيوالنار فيها وفيّ تأتلق
تشبهني في الدجى وأفضُلُهاإنّيَ طولَ النهار أحترق

وأنشدني لنفسه في الديوان، عند حضوري معه في الاعتقال، في تاسع عشر رجب سنة ستين وخمس ومئة:

إنّي لأعشق من تملا محاسنهأذني ولم تَر عيني وجهه الحسنا
والعشق بالقلب إمّا العين تصدقهوصف الحبيب وإما تصدق الأذنا

وأنشدني لنفسه ما يكتب على مروحة:

أحسن ما روّح بي شادنيداه تحكي اللؤلؤ الرطْبا
يروّح الجسم بترويحهوحسنه قد روّح القلبا

وأنشدني لنفسه في الدفتر:

خير ما جالس اللبيب كتابٌلا قرين فيه ريا ونفاق
وهو مثل الرّياض حقاً كما أَوراقه بينه لها أوراق

وأنشدني لنفسه:

قلت شعراً قالوا بغير عروضناقص والعروض بالميزان
قلت إنّي لصّ القوافي وديوانيَ من شعر كلّ ذي ديوان
أَسرق الشعر لا بوزنٍ وما يسرق إلاّ حرف بلا ميزان

وأنشدني لنفسه:

وصَيْت بي من كان أخذ عطاي مُنْية قلبِه
والذَّنب للأيّام فيعكس الرّجاء وقلبه
كالمرء يأكل رزقهفي الصّيد من يد كلبه

وهو مأخوذ من قول أبي نواس:

أنعت كلباً أهله من كدّهوكُلّ صيدٍ عندهم من عنده

وله في مرثية ابن التلميذ الطبيب، وكانت وفاته سنة ستين:

أودى أبو الحسن الطبيب، فمن ترىيبقى ليوم فضيلة مشهود
قد قلت لما أن نعوه وأَمطرواحمر الدُّموع على الثّياب السُّودِ
فُقِد الطَبيب فليس توجد صحة الموجود منّا بعد ذا المفقودِ
مرض الصحيح أسىً عليه وبعدههلك المريض بطبّ كلّ بليدِ
فكأَنّما الأرواح من أنفاسهكانت تدبُّ بأعظم وجلودِ
قد كان يصطاد القلوب ببشرهوبلطفه ويلين كلّ شديد
وإذا انتحت ألفاظه لبلاغةركب القريب فنال كلّ بعيد
فالنّاس مأتمهم عليه واحدمن شامتٍ ومؤالف وحسودِ

وأنشدني لنفسه في كتاب صنّفه الوزير في شرح الصحاح، وهو:

كسرتَ الصحاح بتفسيرهاوأصبحت تضربها في الكسور
أكنت دليلا عليها لناوهل كان أعمى دليل البصير
وما كنت تقصد تهذيبهاولكن لتهذي بها في الصدور

وأنشدني له:

يا علّة الفالج لا تتركيمَنْ صحَّة العالم في سقمه

وأنشدني له في الحبس:

أفادني السجن منه عقلاًلعقله سُمتي اعتقالا
لكنَّه شفَّني بغمغادرني بالضنى خيالا
يضيء للعقل كلّ شيءإذ صرتُ من دقتي هلالا

وله فيه:

إن حاول الدهر إخفائي فإنَّ لهفي حبسيَ الآن سراً سوف يبديه
أعدَّني للعُلى ذخراً ومن ذَخرتْيداه في الدهر شيئاً فهو يخفيه

وله في استهداء تقويم:

تفاءلت بالتَّقويم حين طلبتهلعلَّ به تقويم ما اختلَّ من حالي
وللفأل في بعض الأمور إصابةوقد يحكم التقويم أيضاً بإقبالي
فأنعِمْ به حتى يقولوا تطوَّلَتْيداه بما نالت من الفَلك العالي

وله في يهودي كان كاتباً بالعين وشفائي، وصرف:

خدمت بالعين وقد فرّقوابينكما يا سخنة العين
العين لا تسخو بإنسانهالو كنته ما زلت بالعين

وأنشدني في الغزل له:

تجري دموعيَ شوقاً إنْ نظرت إلىبدر السماء وبدرُ الأرض قد غابا
ما أطيبَ العيشَ لو كانا معاً طلعاوأجملَ الصبرَ لو كانا معاً غابا
وجدي بكم فوق ما قد كنت أعهدهلم ينقص البعد من وجدي ولا عابا
يكفيكُمُ سهري في وقت نومكُمُومُرُّ عيشي إذا ما عيشكم طابا

وله في الزهد ومناجاة الله قبل خروجه:

يا أكرم الأكرمين يا مَنْيطمع في جوده العبيدُ
ليس عجيباً خلاص مثليمِنْ سجنِ مَنْ بأسه شديدُ
هل هو إلا عبدٌ لمولىله جميع الورى عبيدُ
يا مُخرج الأعظُم البواليعَجِّلْ خروجي كما أريدُ
فكلّ ما قد كرهت منّيقد تبت منه فما أعودُ
قد بان في شدّتي صديقيوبان لي المبغض الحسود
وكان هذا لِلوصل أهلاوذاك أهلا له الصّدود
وقد أفادتنيَ اللياليتجارباً مثلها يفيد

وأنشدني له إلى جهة أم أمير المؤمنين المستنجد بالله أبياتاً كان التوقيع عليها سبب الإفراج:

يا من لها شرف كفاطمة وعائشة ومريمْ
وعطاؤها كالغيث لابل جودها أندى وأكرم
والخير من بركاتهاوجودها الله يعلمْ
لا فخر مثل فخارهافيمن تأخر أو تقدّمْ
ولها أمير المؤمنين خليفة مولى محكّمْ
مثل النبيّ محمدفي الناس ممدوح معظّمْ
إن كان يوسف حسنُهُفي مصر أعجبَ من تَقدّمْ
فالحسن في كلّ البلاد ليوسف هذا مسَلَّمْ

فبحقّه قسماً تذكر بالسعيد عساه يرحَمْ

وله من أبيات يصف بها مرثية بعضهم:

رَثيتَ مَن ذكره يغثيفاصبرْ على القيء يا سميع
فإنّه كالمدام مُرٌّوالفيء من شربها ذريعُ
لكنْ لها نشوة الحميّافي آخر الأمر يا خليع

وله في النثر في صديق له زاره في محبسه، ثم انقطع عنه: إن استدعينا حضورك أيدك الله، عرضناك للعناء، وإن تاركناك أعناك على البعد والجفاء. والأولى بك أن ترد أمر ترددك إلى هوى مودتك، فإنه ينشطك على المواصلة والطلب، وتتهم مشورة الرأي في مقام الخطار، فإنه يثبطك عن التعب أو العطب. فإن فرسان الوغى، وأهل الصبابة والهوى، لو لم ينزلوا من قلل عقولهم قليلاً، لم يجدلوا قتيلاً، ولا وجدوا إلى قضاء وطر سبيلاً. وقد زرع أيده الله زرعاً ما يقوم بسقيه، غير سعيه؛ ولا ينشيه، إلا تردده وتمشيه. فإن راعاه رعاه، وإن جنى عليه بجفاه حُرمَ جناه.

(وله إلى ابن عمه شهاب الدين، وقد رزق ولداً: عرفت أطال الله بقاك مقدم القادم الميمونة غرته، المأمولة رؤيته، الطالع في سماء مجده هلالاً، الناطقة شواهده بأنه يصير بدراً يملأ العيون جمالاً وكمالاً، فتضاعف تصيبي من المسرة به والاستبشار، ووددت أن تمتد يدي عند الورود به إلى النثار، وشكرت الله على هذه الموهبة النفيسة التي زاد بها عدد هذا البيت فتزينوا بجمالها، وترشحوا للتكثير بها وبأمثالها، والخالق المصور بفضل حكمته يجعله على فطرة الحكمة وعلى الهمة مولوداً، وفي مهاد السيادة والزيادة ممهوداً، وفي الخير والصلاح ناشياً، وإلى رتب النهى والعلى كل يوم صاعداً راقياً، وأن يجعله لبيباً نجيباً، وإلى كل القلوب قريباً حبيباً، ويتبعه بأخوة بدور، يقرون الأعين ويشرحون الصدور، ويملأون الأفنية والدور والمجالس والصدور، ليقوى بهم أزره، ويبقى إلى آخر الدهر صيته وذكره، ويرزق الاستمتاع بهذا الولد السار البار، وبما سيتلوه من الأولاد الصغار والكبار، موقى فيهم كل ما يخافه ويحذره، ملقي منهم

جميع ما يختاره ويؤثره، ولا بَرِحَ يستظلّ ويظللهم، بظل جدهم الصاحب الكبير جامع شمله في العز وشملهم، ليكونوا لقول الأول مستحقين:

سعوا للمعالي وهم صبيةوسادوا وجادوا وهم في المهود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»
ونالوا بِجِدِّهمُ جَدّهمْفإنّ الجدودَ عُلا للجدود

وله رسالة عَمِلها لبعض أصدقائه إلى بعض الكتّاب:

أعزّ الله دعوة مستهامبذكرك في الصباح وفي المساء
دعاك على النوى بلسان شوقدُعا الظمآن من عطش بماء
يصعّد فيك أنفاساً ضعافاًفلو هبّت لطار إلى اللقاء
وما تقوى على ذا البعد نفسيولا نفس بأرض أو سماء

كتب خادم المجلس السامي هذه الخدمة، عن خاطر مملوء بالمحبة وناظر مردود عن النظر بعده إلى أحد من هذه الأمة، ولسان، مملوء ببث الأشواق والأشجان، فائض عن جنان رحب، وبيان سكب. وذا كان الصاحب المخدوم محبباً إلى أنفس مواليه، والخادم المشتاق بليغاً لسناً فيما يخاطب به أو ينشيه، تدفقت ينابيع الكلم من خلال خطابه وكتابه، وارتفعت عوارض التهم عن أوصاف ذاته بالمحبوب وغرامه، وصارت عبارات المحبين من أهل الهوى، وإشارات الممتحنين بالأشواق على طول البعد والنوى، مسلوكة على طريقته، مسبوكة على جسم لطيمته، مرددة من منطقة، مرقعة بخرق خرقه.

لا يدعي كلفي في الحب ذو كلفأنا الأمير على العشاق كلِّهم

ولولا أن شكل الزمان وشغل القلب الشاغل بالأهل والأوطان، يقيدان ذا الصبابة عن الخفوف، إلى من هو به صب مشغوف، والقدوم، على من يشتري يوم وصاله بالنوم وانضاء الركائب وعناء الجسوم، لكنت أجعل مقيلي دائماً لديه، ورحيلي وافداً من منزلي عليه، ومن حضرته إليه. وها أنا مذ الآن مجدّ في قصده، وآخذٌ أهب المسير

عند إقبال القر لتقر به عيناي، وأستريح به من شدة عناي، وأشتو عنده شتاء الأعرابي النازل على آل المهلب حين ذم زمانه وشكا محله، فما زال به إكرامهم وافتقادهم حتى حسبهم أهله. ووصل إلى الخادم تشريف حلله وجمله، فود لو اتبع إنفاذ تشريفه، باستنهاضه في بعض المآرب وتكليفه. ولقد تأمله عليه صدور العراق فما منهم إلا من شكر وبشر، وأثنى عليه خيراً وذكر.

وبعد، فلئن ألبس خادمه خلعة غدا ثوبها مبهجاً، وسيكون غداً منهجاً، فقد ألبس مجده حلة من الثناء والإطراء يبقى حديثها على الأيام طرياً أرجاً، والله لا يسلب كافة أوليائه، سابغ نعمه وآلائه في قرب أو بعد، وكسوة حر أو برد، والسلام).

وكتب إلي، وهو في الاعتقال سنة إحدى وسبعين، زمان اشتغالي بحل أقليدس:

ماذا يضرّ العزيز يوماًإن زار في أسره الذليلا
لو كان يبدي إليّ مَيْلاًلكان يسعى إليّ مِيلا
يا ملهماً حلّ كّلِ شَكْلٍيقيم في حلّه الدليلا
أقليدسي في الأسار شكلفابغ إلى حلّهِ سبيلا

فكتب جوابها قطعةً طويلة على وزنها.

وأنشدني لنفسه ممّا كتبه إلى صديق له يستزيره وهو في الحبس:

الحيُّ لِمْ يُهْجَرُ في حبسهوالمَيْتُ لا يهجر في الترب
إن لم يكن لي فرج عاجلفعجّلوا لي فرج القرب
فأنتم الدّنيا إذا أقبلتعليّ كانت منية القلب

النص من طبعة المجمع العلمي العراقي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب في ذكر محاسن الوزراء والكتاب للدولة العباسية وما نمى إلي من شعرهم الوزير ظهير الدين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.