من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الأول» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأجل سديد الدولة
أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الأنباري، منشئ ديوان الخلافة، من
بيت السؤدد والكرم والفضل، وهو شيخ الدولة، كتب لخمسة من الخلفاء، وتوفي في الأيام الزاهرة المستنجدية سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، وولي ولده مكانه.
وكان ﵀ غزير الفضل، رائق الخط واللفظ، ولمكان فضله لم يخل ديوان من شعر أهل العصر من مدحه، لا سيما الغزي، والأرجاني. ولو جمع ما فيه من شعر الأرجاني، لكان ديواناً بنفسه. فاضل مفضال، ومنشئ منشئ بالحقيقة لأبكار الأفكار، عارف بنقد الشعر وجهابذته، فكل ما زيف على محك انتقاده، أذن الدهر بكساده. وكل إبريز خلص على سبكه، ولم يبهرج على محكه، وأجازه صيرفي نقده، ولم يصمه برده، نفق وراج، وصار درة على كل تاج.
وترددت إليه ببغداد، وما كان يتعاطى الشعر تغنياً عنه، وكنت أهابه وأكبره من أن أستنشده، لكنني أثبت من شعره البيتين والثلاثة على حسب ما أنشدتها. فمن ذلك رباعياته الخالبة للِخلب، السالبة للب، فمنهما:
يا قلب إلاَم لا يُفيدُ النّصحدَعْ مزحْك كم هوىً جناه المزح
ما جارحة منك خلاها جرحما تشعر بالخُمار حتىّ تصحو
ومنها:
الدَّهر يعوقني عن الإِلماممَعَ ما أنّي إلى التَّصابي ظام
لا تأخذني بما جنت أيّاميما ذنب السَّهم حين يخطي الرّامي
ومنها:
يا ريح تحملي من المهجورشكواه إلى المُعَسكر المنصور
قولي لمعذّبي شَبيه الحورما أنت عن الجواب بالمعذور
وأنشدني مجد العرب العامري الشاعر بأصفهان، لسديد الدولة في ابن أفلح الشاعر:
يا فتى أفلح وإنْلم يكنْ قطُّ أفلحا
لك وجهٌ مشوهٌأسود قدّ من رحى
وكان وجهه منكراً. وأنشدني أبو المفاخر محمد بن أبي الشرف محفوط بن العلاء بن أسعد بن إسرائيل الجرباذقاني قال: أنشدني سديد الدولة لنفسه:
إن قدَّم الصاحب ذا ثروةٍوعاف ذا فقرٍ وإفلاس
فالله لم يدعُ إلى بيتهغير المياسير من النّاس
قال: فلما رجعت إلى أصفهان أنشدتهما لوالدي، فقال: لما قال: إن قدم الصاحب، كان الأحسن أن يقول: وأخر، أو يغير لفظه قدم، والأولى أن يقول:
إن آثر الصاحب ذا ثروةوعافَ ذا فقر وإِفلاس
فيكون قد جمع بين صناعتين: التطبيق، لأن آثر: اختار، وعاف: كره. والتجنيس بين آثر وثروة. وقوله: فالله لم يدع إلى بيته قاصر عن جواب الشرط، فالفاء وحده لا يصلح جواباً، فالأولى والأحسن أن يقول:
إن آثر الصّاحب ذا ثروةٍوعاف ذا فقرٍ وإفلاس
لا غَزوَ فالربُّ إلى بيتهدعا المياسيرَ من النّاس
وله في بعض الوزراء:
إنَّ زماناً قد صرتَ فيهمرشّحاً للوزارتين
قد أسخنَ الله كلَّ عينفيه ولكنْ لا مِثل عيني
وله:
الآن وما روضه العمر نديلا تخل من الكؤوس والرّاح يدي
في باقي العمر فز بعيش رغدٍعن الدّنيا إذا مضَتْ لم تَعُدِ
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع