تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الأول» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

أمين الدولة أبو سعد العلاء بن الحسن بن وهب بن الموصلايا

كاتب الإنشاء بدار الخلافة. كتب لثلاثة من الخلفاء: القائم والمقتدي، والمستظهر ﵃ خمساً وستين سنة. وكان ابتداء خدمته لدار الخلافة في أيام القائم سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، وتوفي ثاني عشر من جمادى الأولى سنة تسع وتسعين بعد أن أضر، وكان يملي على ابن أخته الأجل أبي نصر، ولم يبطل إلى أن مات. وكان نصرانياً فأسلم في أيام المقتدي على يده ووزارة أبي شجاع، ولم يزل موقراً موفور الخدمة، ينوب عن الوزارة المقتدية والمستظهرية،

حتى قال عميد الدولة للمستظهر عنه وابن أخته: هما يمينا الدولة وأميناها. وكان لا يُبرم دونهما أمر. وكان كثير الصدقة والصلة، ذكر عنه أنه فرق في يوم من أيام الغلاء ثلاثين ألف رطل خبزاً.

كان بليغ الإنشاء سديد الآراء؛ رسائله تعبر عن غزارة فضله، ووفور علمه، وكان نثره أحسن من نظمه، لتمرنه عليه، وانقطاعه إليه. على أن له مقطعات مستعذبة أراها أحلى من الأرْي، وأزين من الحلي، وهي في أسلوب شعر الكتاب بعيدة من التكلف في الصنعة، أرق معنى من الدمعة، وأعذب لفظاً من كلمة كريم مستبشر الطلعة.

فمن تلك القطع الموشية، المؤنسة غير الوحشية قوله:

يا هِنْدُ رقّي لفتىً مُدنَفٍيحسن فيه طَلَبُ الأَجرِ
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «يا هند رقي لفتىً مدنف»
يرعى نجوم اللّيل حتّى يرىحلّ عُراها بيدِ الفجرِ
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «يا هند رقي لفتىً مدنف»
ضاق نطاق الصّبر عن قلبهعند اتّساع الخَرق في الهَجْرِ
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «يا هند رقي لفتىً مدنف»

قد راقتني هذه الأبيات لرقّتها، وحلاوة الاستعارة في معناها مع دقتها، ولقد ساعده التوفيق، في هذا التطبيق، وما كل شاعر يخلص من هذا المضيق، هكذا شعر الكتاب يجمع إلى اللطافة طرافة، وإلى الحلاوة طلاوة.

وله أيضاً:

وكأسٍ كساها الحسن ثوبَ مَلاحةٍفحازت ضِياءً مشرقاً يشبه الشمْسا
أضاءت على كفّ المُدير وما درىوقد دجت الظّلماءُ أصبح أَو أمسى

وله:

أقول للائمي في حُبِّ ليلىوقد ساوى نهارٌ منك ليلا
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أقول للائمي في حب ليلى»
أَقِلَّ فما أقلّتْ قطُّ أرضٌمُحبّاً جرّ في الهِجران ذَيْلا
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أقول للائمي في حب ليلى»
ولو ممّن أحبُّ مَلأت عيناًلكنت إلى هواه أشدّ ميلا
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أقول للائمي في حب ليلى»

وله في المستظهر بالله:

يا حبّذا ظبيٌ نشايضمنه هذا الرَّشا
ظبيٌ شعاع نورهأَهدى إلى العين العَشا
تمايلتْ أعطافهمن غير سكرٍ فانتشى
لمّا ارتوى من حسنهزاد القلوبَ عطشا
تمايلتْ أعطافهمن غير سكرٍ فانتشى
لمّا ارتوى من حسنهزاد القلوبَ عطشا
فإِنْ لوى عنانهإلى النَّوَى وأَوَحشا
وشاء أنْ يغدر بيلقول نمّامٍ وشى
لُذْتُ بظلّ مالكٍرُقى المّعالي مذ نّشا
مُستظْهِرٍ بالله دامَ مُنعِماً ومُنعِشا
وعاش ما عاقب ضَؤْء الصُّبح ظلماء العِشا
يأخذ لي بالثّار منعُدْوانهِ كما يشا

وأنشدني الشيخ الإمام الأفضل عبد الرحيم بن الأخوة البغدادي الشيباني بأصفهان، قال: أنشدني ابن المُوصَلايا لنفسه:

يا خليليّ خلّياني ووجديفملام العَذول ما ليس يُجْدي
ودعاني فقد دعاني إلى الحكم غَريم الغَرام للدّين عندي
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «يا خليلي خلياني ووجدي»
فعساه يرِقُّ إذ ملك الرقّبنقدٍ من وصَلْه أَو بوعد
ثمّ من ذا يُجيرُ منه إذا جارَ ومن ذا على تَعدّيه يعدي
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «يا خليلي خلياني ووجدي»

أنا أستحلي هذا النوع من التجنيس وأستعذبه، ويحسبه زلال الماء قلبي في الرقة والصفاء فيشربه ويتشربه.

وأنشدني الشيخ أبو منصور بن أحمد الجواليقي، ولي منه إجازة، قال: أنشدنا العلاء بن الحسن بن وهب الكاتب لنفسه:

أحنّ إلى روض التصابي وأرتاحُوأمْتَحُ من حَوْض التّصافي وأمتاحُ
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أحن إلى روض التصابي وأرتاح»
وأشتاق رِيماً كلّما رُمْتُ صَيدهتَصُدُّ يدي عنه سيوفٌ وأرماح
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أحن إلى روض التصابي وأرتاح»
غزالٌ إذا ما لاح أو فاح نَشْرُهتعذَّبُ أرواحٌ وتعذُبُ أرواح
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أحن إلى روض التصابي وأرتاح»
بنفسي وإن عَزّتْ وأهلي أهلّةلها غُرَرٌ في الحسن تبدو وأَوضاح
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أحن إلى روض التصابي وأرتاح»
فتتّضحُ الأعذار فيهم إذا بَدواوتفتضِح اللاحون فيهم إذا لاحوا
وكرخيَّةِ عَذْراء يُعْذِر حبُّهاومن زندِها في الدّهر تقدح أقداح
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أحن إلى روض التصابي وأرتاح»
إذا جُليت في الكأس والليلُ ما انجلىتقابل إصباح لديك ومِصباح
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أحن إلى روض التصابي وأرتاح»
يطوف بها ساقٍ لسُوق جمالهِنَفاق لإِفساد الهوى فيه إصلاح
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أحن إلى روض التصابي وأرتاح»
به عُجْمَةٌ في اللفظ تُغري بوصلهوإن كان منه بالقطيعة إفصاح
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أحن إلى روض التصابي وأرتاح»
وغُرَّتُهُ صبحٌ وطُرَّته دُجىًومبسِمُه دُرٌّ وريقته راح
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أحن إلى روض التصابي وأرتاح»
أباح دمي مذ بُحْتُ في الحبّ باسمهوبالشّجْو من قبلي المحبّون قد باحوا
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أحن إلى روض التصابي وأرتاح»
وأوعدني بالسُّوء ظُلماً ولم يكنلإِشكال ما يفضي إلى الضّيم إيضاح
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أحن إلى روض التصابي وأرتاح»
وكيف أخاف الضّيمَ أو احذر الرّدىوعوني على الأيّام أَبْلَجُ وضّاح
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أحن إلى روض التصابي وأرتاح»
وظلّ نظام الملك للكَسر جابرٌوللضُّرّ منّاعٌ وللنّفع مَنّاح
للشاعر العلاء بن الحسن بن وهب، من قصيدة «أحن إلى روض التصابي وأرتاح»

وله، نقلته من مجموع:

وإنّي لصَبٌّ بالصِّبا مُذْ غدا لهاهبوبٌ بهاتيك الخِيام تَجول
ومن عجبٍ أنْ أَبتغي من نسيمهاشِفاء عليلٍ والنّسيم عليلُ

وقرأت في كتاب الذيل لابن الهمذاني المؤرخ، أنه عمل قصيدة في نظام الملك، وأنفذها على يد الشيخ الإمام فخر العلماء أبي بكر بن فورك الشافعي ﵁ إلى المعسكر بتبريز، فمثل بين يدي نظام الملك، وقال: إن كاتب الإمام قد أصحبني عروساً آثر أن تُجلى بهذا المجلس

السامي، فأنشدها منشد هناك بمحضر من الأئمة والزُّهاد والأدباء والكتاب، فما فيهم إلا من طرب، وكتب بعضهم إليه متمثلاً بهذا البيت:

وتقسم النّاسُ المسرَةَ بينهمقسماً فكان أجلّهم حظّاً أنا
للشاعر الباجي المسعودي، اقرأ القصيدة

والقصيدة هي هذه:

أثِرْها في أزمّتها تَهادىوغادِ بها الثنايا والوهادا
وأنْجدها إذا ضَعُفَتْ بعزميُذِلُّ لها التهائِمَ والنّجادا
عساها أن تبلّغ بي محلاّعهدتُ به مع المحلِ العهادا
وَتُنزلني على نصبي بربعيوّطئ لي النّدى فيه المهادا
وتعلقني من الأنجاد إِمّاحللتُ بهم جميعاً أو فرادى
بأثقلهم إذا وزنوا حصاةًوأثقبهم إذا قدحوا زنادا
وأسرعهم إلى العليا جواباًوأَسبقهم إلى النُّعمى جوادا
وأصنعهم لمتبع مُراداًوأمرعهم لمنتجع مَرادا
وأخشنهم على الأعداء مسّاًوألينهم لذي طلب قِيادا
وأضفاهم على اللهوفِ ظِلاًوأَوفاهم من المعروف زادا
هنالك لن ترى المقصود إلاغياث الدولة الملكَ الجوادا
أغرُّ إذا اجتبي لبناء مجدعلى فلك العلى أَرسى وشادا
وإنْ أمَّ العُفاة ذَراهُ لَبَّىنَداهُ نِداهمُ عفواً وجادا
ومدَّ إلى مطالب سائليهيداً ألِفت إلى الكرم امتدادا
وردَّ مقاصدَ الآمالِ بيضَاوقد لبست على الجود الحدادا
تخيَّر ذِروة العليا محلاّوطيبَ الذكر في الدُّنيا عَتادا
وصيَّر ما حوتْ كفاه نهباًلوفد الحمد قصداً واعتمادا
ولم تترُك مكارمه عليهطريفاً في يديه ولا تِلادا
ولما أن تفرَّد بالمعاليوأدرك من مداها من أَرادا
وأمطى كاهل الباغي نَداهمن الإِحسان ما أَعيا وَآدا
أفادَ معالِمَ الحمد انتظاماًوزادَ غنائمَ المجد انتضادا
وحرّم أن ترى الأيام فيهالغير نظام علياه اطّرادا
وقاوَمَ صولة العدوان عَدلٌأقامَ به من الحقِّ العمادا
وخصَّ مواقف التقوى بفعلأمات الغيّ واستحيا الرشادا
نَحا فيه صلاحاً لم تُخالطمشارِبهُ قذى ومحا فسادا
أيا من لم يَفدْ أحد عليهبحسن رجائه إلا أفادا
ويا من كلما ازدحمت عليهمطايا الخائفين حمى وذادا
ويا من كلما شكت اللياليإليه الجدبَ والسنةَ الجمادا
أمال إلى بني الآمال عِطفاًإذا أبدا لمكرمة أعادا
وخلّى الجودَ يخلو بالأمانييحكِّمها ويعطيها المرادا
أجِلْ طرفَ انقيادك في محبّإذا كدر الهوى أصفى الودادا
رأى طيّ الضلوع على ولاءلمجدك لم يجد فيه ازديادا
وغالى فيه إذ أرخصت فيهنوالاً منك راوَحَه وغادى
ووافى نشرَ أنعمكم لديهوَوالى في محبتكم وَعادى
وآلى لا انثنى يهدي إليكمثناء ما ارتوى فلم مِدادا
وأصدق في الوفا قولاً وفعلاوأَوثق فيه عقداً واعتقادا

ومنها:

ولو لم أبدِ ما أشكو إليهلفاتحني بأنعمه وبادا
فعش ما غردت في الأيك ورقوماء ما جرى في العود عادا
فِدى لك من ببذل العِرض منهعن المال المصون لديه فادى
وكلُّ يدٍ لواهي العقد ضمّتعلى بخل أنامله الجِعادا
فما يُثنى عليه إذنْ بخيرولا يَثني لمكرمة وسادا
ولم يَرِ زنده في الرشد يوماًولم يَرَ في مقاصده سدادا
ولا عدِمت أوامرُكم نَفاذاًولا عرفت عوارفكم نفادا

النص من طبعة المجمع العلمي العراقي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب في ذكر محاسن الوزراء والكتاب للدولة العباسية وما نمى إلي من شعرهم الوزير ظهير الدين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.