من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الأول» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الوزير عون الدين أبو المظفر يحيى بن هبيرة
نسبه من شيبان بموجب ما أثبته عنه: يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن حسن بن أحمد بن الحسن بن جهم بن عمر بن هبيرة بن علوان بن الحوفزان، وهو الحارث بن شريك بن عمرو بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن الصعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط
ابن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد ابن عدنان. أخرج له هذا النسب بعد سنين من وزارته، وذكره الشعراء في مديحهم إياه.
وكان غزير العلم، ذا هيأة،ذا هيبة، مفوهاً، مهيباً
وزر للمقتفي وللمستنجد، وتوفي ليلة الأحد ثالث عشر جمادى الأولى سنة ستين وخمس مئة، وهو وزير الإمام المستنجد. وكانت مدة وزارته للإمامين إلى حين وفاته ست عشرة سنة وشهرين وتسعة أيام.
وكان يتبرك بيوم الأربعاء، ويقول: هؤلاء المنجمون يتطيرون من التربيعات، وأنا وليت يوم الأربعاء رابع ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمس مئة.
وكان مقرباً لأولي الفضل والدين.
وصنف تصنيفاً في شرح الصحاح وسماه الإفصاح، وبذل على حفظه ونسخه أمواله، حتى كان في زمانه لا يشتغل إلا به.
ورزق من الشعر والشعراء ما لم يرزق أحد، وأجاز عليه.
سمعت صاحب الخبر ابن المهدي يقول يوماً له: ق جمعت من القصائد التي مدحت بها ما يزيد على مئتي ألف بيت، وكان كل سنة يحمل منها مجلداً، فلما توفي الوزير، وبيعت كتبه، اشترى الشريف ابن المهدي ما كان جمعه من خزانة الوزير، وسمعت أنها أخذت منه وغسلت.
ومدائحي فيه كثيرة.
وله شعر حسن، فما أروي له أبيات هنأ بها الخليفة بالعيد:
بك العيدُ يُزْهَى بل بك الدّين يفخرُوأنت الّذي من كلِّ ما فيك أكثرُ
فدٌمْ للأَماني مثلَما أنت حيث قدبلغت إلى ما لم يكن عنه مظهر
أفرضٌ على أن ليس في النّاس ناطقٌمن الفضل إلا ما به أنت أخبر
وله:
يا غايةَ الحُسْن هذا غاية الكَمَدِومُنتهى البدْر هذا منتهى جَلَدي
إن كان حسنك لا يُفضي إلى أمدٍفإِنّ وجديَ لا يُفْضي إلى أمدِ
وله:
ركبت بحار الحبّ جهلاً بقدرهاوتلك بحار لا يُقَفَّى غَريقُها
فسرنا على ريح تدُلُّ عليكُمُفبانت قليلاً ثمَّ غاب طريقها
إليكم بكم أرجو النّجاة فما أرىلنفسيَ منها سائقاً فيسوقها
وله:
تمسكْ بتقوى الله فالمرء لا يبقىوَكلُّ امرئٍ ما قَدَّمت يدهُ يلقى
ولا تظلِمَنَّ النّاسَ ما في يديهِمُولا تذكُرنْ إفْكاً ولا تحسُدَنْ خلقا
ولا تقربن فعل الحرام فإنّمالذاذته تفنى وأنت به تشقى
وعاشِرْ إذا عاشرتَ ذا الدّين تنتفِعْبدربتهِ واحذر معاشرة الحَمقى
ودارِ على الإِطلاق كُلاً ولا تَكُنْأخا عجلٍ في الأمر واستعمل الرِّفقا
وخالِفْ حُظوظ النّاس فيما يرونه الأماني ولا تَستَعْرِ فَنَّ لها الصّدقا
تَعَوَّد فِعال الخير جمعاً فكلّماتَعَوَّده الإِنسان صار له خُلْقا
ولده عز الدين محمد كان كبير الشان رفيعَ المكان. ناب عن والده مدة وزارته، وكان روض الدولة به في ريعان نضارته.
وحبس عند موت أبيه إلى يوم ولاية المستضيئ بأمر الله، فأخرج المحبوسين وما
خرج، فعرف أنه درج.
وله شعر كثير، وقلما نظم شيئاً إلا وعرضه علي، أو سيره إلي. لكنني فقدته كما فقدته، ولو وجدته أوردته.
ولده أبو البدر ظفر لقبه شرف الدين كان جذوة نار لذكائه، وحدة خاطره، وجودة قريحته. يشتعل ذكاءً، ويتوقد فطنةً. وهو محب للفضل والتحلي به.
وله شعر يروق، وعبارة تشوق. امتحن بالحبس في أيام والده سنين بقلعة تكريت، ثم تخلص. ولما توفي الوزير، رقي عنه إلى الإمام أنه عازم على الخروج من بغداد مختفياً، فقبض وحبس.
وقد أثبت له قصائد أنشدنيها لنفسه، نظمها على أسلوبه الرائق مجرياً مهر خاطره الماهر في مضمار مهيار، أرق من صفو العقار. فمن ذلك، وأنشدنيه لنفسه في مدح الإمام المستنجد بالله:
طُلَّ دمٌ بالعِتاب مطلوبٌوطاح دمعٌ في الرَّبع مسكوبُ
وذلَّ قلبٌ أمسى الغرامُ بهوهو بأيدي الغُواة مَنْهُوب
لا أنف للعِرق يستثير لهولا سليم الصُّدود مَطْبوب
يركب في طاعة الهوى خَطَراًتُضرَمُ من دُونِه الأنابيب
إذا ادْلَهمَّ الدُّجى أضاء لهمن زَفَرات الضُّلوع أُلْهُوبُ
لا موعدٌ مُطْمِعٌ ولا أملٌولا لِقاءٌ في العمر محسوب
مقتنِعاً من وصاله بمُنىًأصدَقُ ما عندها الأكاذيب
يا غادَة الحيِّ بعضَ هجرِكِ ليحَسْبِيَ أَنّي إليك منسوب
مقتنِعاً من وصاله بمُنىًأصدَقُ ما عندها الأكاذيب
يا غَادَة الحيِّ بعضَ هجرِكِ ليحَسْبِيَ أَنّي إليك منسوب
ما بعد دمعي دمعٌ يُراقُ ولافوقَ عذابي لدَيْك تَعْذيبُ
لم يبق للنّاصحين من أَملٍفيِّ ولا للعُذَّال تأنيب
وضاق صدر البيداء عن رحليوحُلِّئَت تحتيَ المصاعيب
ألا سقى الله أرض كاظِمةٍصوْبَ حياً قَطْرُهُ شآبيب
وخصَّ داراً أمسى الوصال بهاوهو أَمينُ الأكنافِ مَرْهوب
رحابُها حيث سِرُّنا خَمَروحيث إعلانُنا أهاضيب
يا حَرَجات الظِّلال أَين أَحبّاؤك والعاقِرونَ والنِّيَبُ
وأين تلك القِباب مُشْرعَةًتمنَعُها غِلْمَةٌ يعاسيب
تؤمّها العاشقون عن وَلَهٍفهي لأشُواقهمْ محاريب
فالآن لي في رِباعِها عِبَرٌومن أقاصيصها تَجاريب
فمن ثراها عليَّ أرْدِيَةٌومن دموعي لها جَلابيب
كم عند دَوحِ الغَضى لذي عَلَقٍقلبٌ بأيدي الحِمام مَغْصوب
إذا رَكِبْنَ الأغصان صِحْنَ بنافكلُّ عقلٍ في الرَّكْبِ مسلوب
يا خابِط الليل غيرَ مُتَّئدٍرفقاً فثوب الظّلام غِرْبيب
ما لك لا تألف الرّفيقَ ويُدْنِيك إلى فضل زاده الذّيب
ضمّكما الاتّفاق في قَرَنٍفأنتما صاحبٌ ومصحوب
ومنها:
ما ليّ لا أمدحُ الشَّبابُ وليمن نوره شارةً وتَطريب
إذا تمايلت في مُلاءتهفحبّذا راغِبٌ ومرغوب
أصنعُ ما شئتُ في حمايتهوهو إلى الغانيات محبوب
وكيف لا أُوسعَ المشيبَ قِلىًوهو بماء العيون مخضوب
أيْامه ذِلةٌ ومَبْخَلَةٌولونه نفرةٌ وتثريب
يلومني النّاس أن رأوا كلميليس لها في المديح أسلوب
قد سلكتْ مذهباً تَدِين بهتبراء لا حبة ولا حوب
بكاءُ ربعٍ أو وَصف غانيةوضِدّها خالبٌ ومخلوب
وهل لعرض الزّمان غير فتىيمدحه تغمُر المحاريب
إمام حَقٍّ لنا بطاعتهكلُّ منيع الجَناب مرهوب
تسنّم المُلْكَ وهو ذو ضلعٍفلم تنل حُضْرَهُ السّلاهيب
وقام بالأمر بعد أن نغِلتفيه قلوبٌ وعزَّ مطلوب
فانتظم الأمر غير مُحْتفلٍكذّب غرّ وغرَّ مكذوب
أفاض صِرْفاً ماءَ الظُّبا فغداوهو بصرف النّجيع مقطوب
عوّد فرسانَهُ السُّرى فلهمفي غَمَرات الظّلام تشبيب
لا يسألون النّجمَ ما خبرُ الليل ولا النّافضين ما رِيبوا
كأنّهم ما دَرَوْا على خَطَر الشُّقّة أنَّ الصبَّاح مكتوب
من معشر أعْنَقَتْ بهم هممٌحيث رِواق النُّجوم مضروب
لا يسألون الرّكبان عن غِرَة الخصب ولا أَين سامت النّيب
إنْ رحلوا فالثّرى بهم رمضأو نزلوا فالثراء منصبوب
أو طلبوا فالفضاء ذو حَرَجأَو رَكِبوا فالقضاء مركوب
أو كلّفوا الدَّهْرَ غيرَ عادتهأصحَبَ للأمر وهو مصحوب
وأنشدني لنفسه على وزن قصيدة الأبيوردي التي يقول فيها:
ترنْحَ من بَرْحِ الغَرام مَشُوقُغداةَ نأت بالوائليّة نوقُ
قال هو:
أضاءت لنا بالأبرقَينِ بروقنواقل منها كاذبٌ وصدوق
يُذعْنَ لنا من أهل وَجْرةَ ريبةًيخِفُّ إليها السَّمع وهو فَروق
وما كلُّ مطويٍّ من السّرّ مُنكرولا كلُّ منشور الحديث يروق
أبارق ذاك الشِّعب هل أَضمر النّوىتفرُّقهم أَو ضمَّهُنّ وَسيق
وهل حَرَجات الحَيّ بدّلن أدمعاًعن السُّحْب لم ترقع لهنّ خروق
لعَمْرُكَ ما البرقُ اليمانيُّ وامِقٌولا ذلك الشِّعبُ الرّحيب مَشوق
وهل تزع الأَشجانَ خفقة لامعٍوقد علِقت بالجانحاتِ علوق
لحى الله يوماً بالثنِيّة أشرفتْعلينا بأقصى أرض وجْرَةَ نُوق
يرفّعهنَ الآل فَوْضى كأنماأغار على أطرافهنّ سَرُوق
إذا حَثْحث الحادي بهنُّ أطَغنَهُجوافل أدنى سيرهِنَّ عنيِق
كأنّ توالي الظُّعْن والآل دونَهاسَفِينٌ بمُسْتَنّ الفُراتِ غريق
إذا أفلت شمس الأصيل بدت لناشموسٌ لها فوق الحُدوج شُروق
تسير بها الأظعانُ أَنّى تيمّمَتْقواصدَ لا يشقى بهنّ رفيق
أجيراننا إِنّ القلوبَ لديكمُفهل للجُسوم نحوَكُنّ طريق
لئن جمعتكم نيّةٌ يمنيّةٌوفرّقكم وحش الفِجاج عميق
فودّي على الأَيّام ما تعلمونهوعهدي على طول المَزار وثيق
ولي عبراتٌ لا تضنّ بمائهاتديّمُ في أجراعكم وتريق
فإِن يروها دمعي وإِلاّ سقيتُهادماً ما له إلا الغرام مُريق
يقولون بعض الصّبر عنهم ومنْ لنابأنْ يتساوى مُوثَقٌ وطليق
ولكنَّ حُبّاً أنتمُ بَدءُ غرسهرَطيبٌ على مَحْل الزّمان وَرِيقُ
ألم تعلمي يا ضرَّة البدرِ أنَّنيجديرٌ بفعل الصّالحات خليق
عفيف محاني الرّبوتين وما لناسوى ذلك الستر الرقيق رفيق
ينوب عن الوحي الكفاح وكأسنادموعٌ ومشمولُ الرُّضاب رحيق
إذا خفّت الأحلام وَقّرَ حَبْوَتينِجارٌ وسيع الدّوَحتَيْنِ عريق
تجاذِبُني طُرقَ العَلاء بهِمَّةٍلها فوق مرسي النّيِّريْنِ سُموق
ولكنَّ لي في باطن النّفس حاجةًتَنِمُّ عليها زفرةٌ وشهيق
أُجمّع أسباب المعالي تعلُّلاًوأُعجِزُ في ألفاظها وأفوق
وأَنظِم ما لا تنظم العرْبُ مثلَهُوأَيّ لسان بالمُقال ذَليق
ودخلت يوماً إليه ببغداد قبل نكبته بسنة، في صفر سنة تسع وخمسين وخمس مئة، فأنشدني قصيدة عملها على وزن قصيدة مِهيار التي أولها:
بكَر العارِضُ تحدوه النُّعامىفسُقِيتِ الغيث يا دار أَماما
وسألني أن أعمل قصيدة على وزنها ورويّها، وهي:
أخلَفَ الغيثُ مواعيدَ الخُزامىفقفِ الأنضاءَ تستسقي الغَماما
وخُذِ اليَمْنَةَ من أَعلى الحِمىتَلْقَ بالْغَوْر حَميماً وجِماما
وأبحني ساعةً من عُمُريأملأ الدّار شَكاةً وسلاما
أصف الأشواق في تلك الرُّباوأعاطي التُّرْب سَوْفاً والتئاما
فَلعلّي أنْ تداوي حُرَقيغفلة الغَيران أو أرضي النَّدامى
أيُّ حلمٍ خفّ في حُبِّهمُوعقولٍ رفضت فيه الملاما
ودموعٍ كلّما كَفْكَفَهازاجرُ العَذْلِ أَبَت إِلاّ انسجاما
يا وُلاة الغَدْر ما دِينُكُمُأحرامٌ فيه أن تقضوا ذِماما
قد رضينا إنْ رضيتم بالأذىوعزيزٌ بعزيزٍ أن يُضاما
خَطَرتْ لي يا زميلي سَحَراًنسمةٌ أحسبها ريح أُماما
خطرت والعينُ تقري طيفَهاوالكرى يمزجُ للرَّكْب المُداما
ومنها:
فارجع الطَرْفَ وقل لي في خَفَاأهِضاباً ما تراها أم خِياما
ما صنيعي بِمَهاةٍ كُلمَّازوَّدَتْني رشفة زدت أُواما
أهُيامٌ أم لَظَى في كبِديلفحت حتى انثنى الظَّلمُ ضِرام
ليس إِلا فرط وجدي بهمُظَعَنَ العاذل عنّي أم أقاما
أنا من أسْرِ الهَوى في رِبقَةٍحكمت للحرّ فيها أن يساما
وطني حيث أناخَتْ عيسُكمومقامي حيثما اخترتم مقاما
كل خِلٍ يجتني لذَّتهُوأنا الجاني أراكا وبَشاما
أَنِسَتْ بي وحش أَوطانكُمُفرعى اللهُ ظباءً ونَعاما
كلَما آنسَ قلبي وحشةًملأت سمعي رُغاءُ وبُغاما
وأبيتُمْ ليَ إِلاّ نفرةًوأبى حبْلَكُمُ إلا انصراما
يا زماني ولكم أَدعو بهومن الضِّلَّة أن أدعو الرِّماما
لست عندي بالّذي أَعتِبُهكيف عتبي زَمَناً يأبى الكِراما
أنا حِرزٌ لك من ذمِّ الورىفأتِ ما شئِت حلالاً وحراما
لو بغيري حمَلت أيّامهُلَتَمنّت أنها أمست عُقاما
أطمعَ الدَّهرَ بنوه إِذْ رأواأكْبَرَ النِّعْمة ظِّلاً وحُطاما
فأقرّوه على غفلتهأخملَ الأبرار أمْ أعلى اللئاما
كلُّ شخصٍ تقتضيه دولةٌترفع النّفسَ وتستَدْعي التّماما
وهو لا ينفكُّ حرباً لامرئٍيطلب الذِّروةَ منه والسَّناما
أنا مَن قد رَضيَ النَّاسُ وقدأتعبَ النّفسَ فتى أرضى الأَناما
لا أسوم الدّهرَ إِلاّ صالحاًيشتكي الدّهر ولا أشكو الأَثاما
كلّما قرَب منّي مُعرضاًلم يَزِدْه شَرَفي إِلاّ احتكاما
فهو لا يسألني إِلا الرّضىولغيري شَدّ ما أعطى زماما
فعملت قصيدة، أولها:
خطرتْ تحمل من سَلْمى سلامافانثنى يشكر إِنعاما النُّعامى
مُغرمٌ هاجت جواه نَسْمةٌيا لها من نسمةٍ هاجتْ غراما
نفحةٌ أذكَت بقلبي لَفْحةًكلمَّا هبّت له زادتْ ضِراما
عاتبت سلمى سُحَيْراً أم ترىغازلت بالرّوض أَنفاس الخُزامى
يا لأوطارِي فقد أنشرهانشرها من بعد ما كانت رِماما
ذكَرت ريحُ الصّبا رَوْح الصِّباوزماناً كنتُ بل كانَ غلاما
ونَديماً ليَ لم أندَمْ بهيا رعاه الله من بين النّدامى
ألْهمَ الدَّوْحَ التّثنِّي بثّهشَجْوَهُ بل علّم النَّوْحَ الحَماما
قال ما أطيبَ أَيّامَ الصِّباقلت ما أَطيَبَهُ لو كان داما
كان وعداً بالأماني مُزْنَهُكلَّما استسقيتُهُ عاد جَهاما
وهضيم الكَشْحِ في حبِّي لهلم يَزدْني كاشحي إِلاّ اهتضاما
كَرُمَ العاشِقُ منه مثلَمالؤُمَ العاذِلُ فيه حين لاما
بقَوامٍ علّم الهزّ القناولِحاظٍ تُودِعُ السُّكرَ المُداما
أتراه إِذْ تثنَّى ورناسمهريّاً هزّ أَمْ سَلّ حُساما
خدّه يجرحه لحظ الورىفلذا عارِضُهُ يَلْبَسُ لاما
ويريك الخطّ منه دائراًهالةَ البدر إذا حطَّ اللّثاما
وكثيب الرَّمل قد أخجلهوقضيب البان رِدفاً وقَواما
أنا منه ومن العُذّال فينَصَبٍ أشكو مَلالا وملاما
لم تكن تلك وقد لاحَظْنَنيلحظاتٍ إنّما كانت سهاما
تركت في غَمَراتِ مُهْجَتيغمرات ملكت منها الزِّماما
مهجة أَرخصَها سَوْمُ الهوىوتسامى عزّةً من أنْ تساما
ومقامي بعد توديعهِمُبالحِمى ما خِلتُهُ إلا حِماما
عَدِمَ الإِصباح ليلي بعدَكُمْأسفروا لي مرّةً تجلو الظّلاما
بِتّ عن طيفِكُمُ مُستخبِراًمن غرامي بكُمُ من كان ناما
وغرامي رُمْتُ أن أكتمهفأبى الدّمعُ لأَسراري اكتتاما
ولماذا ظمِئتْ نحوَكُمُمقلةٌ إنسانُها في الدّمع عاما
يا رفيقيَّ ارفقا بي فالهوىعُنْفُهُ يكفي المحِبَّ المُستهاما
أنْجِداني فبنجْدٍ أَرَبيحين غيري شام بالغَوْر الشَّآما
وانشُرا عنديّ أخبار الحِمىفبأَخبار الحِمى قلبيَ هاما
ناظري من دمعتي في شُغُلٍفانظُرا عنّيَ هاتيك الخِياما
سار قلبي يوم ساروا وانْثَنَوْانحوَ نجدٍ وأقاموا فأقاما
عَلِّلاني بأحاديثهِمُفأحاديثهُمُ تَشفي الأُواما
هذهِ أَطلالُهُم تشكو الظَّمافدعا الأدمُعَ تنهلَ انسجاما
وقِفا نستَسقِ جَدْوَى ظَفَرٍفهو من بَخَّلَ بالجود الغَماما
ومنها:
فهو الغيثُ إذا بَثَّ اللُّهاوهو اللّيْث إذا فَلَّ اللُّهاما
لم يزِدْ أَعداءه يومَ الوَغىوالقنا إِلا انحطاطاً وانحِطاما
إجتلَى من مَشرِق المجدِ السَّناوامتطى من بازِل المُلْك السّناما
وأَضاءَتْ بِسَنا سُنّتِهِظُلَمُ الظّلم لأيّام الأيامى
أَوْلَدَتْ أنعُمُهُ عُقْمَ المُنىوشفى من يأسِنا الدّاءَ العُقاما
كرمٌ يُحيي وبأسٌ مهلِكٌوهما ما صَحِبا إِلاّ هُماما
ومنها:
أنت عذْرُ الدَّهْر يا واحدَهُولقد أعظم لولاه اجتراما
ببنيه ملكاً أو سُوقةًملأ الأرضَ طغاةً وطَغاما
ليس بِدْعاً سَقَمي من صِحَتيالقنا حُطِّم من حيث استقاما
وإذا المرءُ تشكّى خطّةًكانت الصِحّة للنّفس سَقاما
ومنها:
صُغتها منظومةً في مدحِكُمْفتَلاها الدُّرُّ فَذَّاً وتُؤاما
جمعت لفظاً ومعنىً شائقاًبَعُدا في الحُسن مرمىً ومراما
هِيَ راحٌ كيف حَلّتْ عَجَباًوهي سِحرٌ كيف ما كانت حراما
فاغتنمها إنّما أوفى الورىمَنْ يَرى من مِثْليَ الحمدَ اغتناما
ونظم ابن الخُراساني أيضاً على وزنها وجماعة من الشّعراء اقْتُرِح ذلك
عليهم ولم يبلغ أحد منا شأو مهيار في بيتي قصيدته اللذين هما في رقة الصبا ورونق الصبا، وهما:
حَمِّلوا ريح الصبّا نَشْرَكُمُقبلَ أنْ تحملَ شِيحاً وثُماما
وابعثوا أشباحكم لي في الكرىإن أذِنْتم لجُفُوني أن تناما
ولمهيار: أروض الوادي أم أبيض الغسق؟ ولشرف الدين بن الوزير ابن هبيرة على وزنها:
أَسلمني إلى الغَرام والأرَقْطيفٌ متى شاء على النّأي طرقْ
يخبِطُ جَفْني بأباطيل المُنىويَسْحَر العين ببشرٍ ومَلَقْ
ما وردتْ أحلامه من مُقلتيفصَدَرت إِلاّ برِيِّ وشَرَقْ
ولا انثنت عن كبِدي ركابُهُبخبرٍ إلا الزّفير والقلق
ضمانة من حبّ ليلى عَلِقتبمهجة خاليةٍ من العَلَق
أحسبها ثاويةً قد تَخِذَتفي كلّ شِعْبٍ من هوى النّفس نفقْ
إليك يا خِلْوَ الهوى عن عَذَليما وَجْدُ سالٍ عنْهُمُ كمن عشِق
دعانيَ الحبُّ فمِلْتُ معهوذو الغرام مصحب فمنطلق
يا راكب اللّيل على ناجِيةٍقد خلطت وَخْدَ الذمِّيل بالعَنَق
يَؤُمّ نَجْداً والعَقيقُ همُّهُمُسترشداً ينفض أخلاق الطرق
عرج على بانات سلع فبهاما شئت من مُصطَبحٍ ومُغْتبقْ
دارٌ لليلى روّضتْ بقربهاتلك البِطاح واكتست ذاك العَبَقْ
فابلغ سلامي إن وجدتَ أذناًواعيةً أو عطفَةً ممّن أبق
آهٍ لسُقْمٍ كلِفَ الآسي بهوولعٍ حَمّلني ما لم أطِقْ
وجسدٍ أنْحَلَه ذكرهُمُومضجع ينبو إذا النّجمُ خَفَق
يا جُلَساءَ الوَصْلِ هل دَوْحُ الحِمىكعهدنا ريّان مُخضرّ الورق
وهل مجاري ذلك الشِّعْب عَفَتْآثارُها أم روّضت تلك الطّرق
وهل ظباؤكن في أرجائهتشب فيه مرحاً وتستبق
هَيْهات ما تسأل إِلاّ زفرةًجائلةً بين الضّلوع والحدق
سَقْياً للأيّامٍ أَطعْنَ أَمَليحتّى علِقتُ من زماني بِسَبَق
وليلة ما فطّن الواشي بهاشهدِتُ وصل صُبْحها قبل الشَّفق
وخَلَوات بين هاتيك الرُّباوقُبلة أصبْتُها على فرق
تسألني لمياء ماذا غرستأَشواقُها في كبدي من الحُرق
أيُّ قلوبٍ لم تُقطّع أسفاًلبعدكم وأَي دمعٍ لم يُرَقْ
ما لي وللدّهر أَعنْ رَويّةٍيجحدني فضْليَ أم ذاك خُلُقْ
يا للزّمان كيف ضاع نَقْدُهلأهله من جاهلٍ أو مُستَحق
وكيف أمستْ فُرُطات صَرْفِهِإلى أولي الفضل دِراكاً تستبق
عارٌ عليك يا زمانُ ما أرىذا العلم عارٍ والجهول مُنتَطِق
ما شرُفتْ نفس امرئٍ بأدبٍإلا وعُدّ فيك من إحدى السُّوَق
ويحَ الرّجال رفِعت آدابهمفالفضل فرعٌ عندهم على الحمُق
واستحوذَ الجهلُ على قلوبهمْحتّى لقد صار البغيض من نطَق
وعاد مَن كان يُعدّ عالماًيبيع في سوق الكساد ما نَفَق
صبراً على عتب اللّيالي إنّهاما أصْحبت مَجبولةٌ على الخرَق
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع