من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الأول» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
بنو المطلب الأجل رضي الدين
هبة الله بن محمد بن الوزير ابن المطلب، من بيت السؤدد والفضل.
أدواته في الأدب كاملة تامة، ذو نوادر للخاصة والعامة.
له الخط الرائق، والفضل الفائق. إذا كتب أغضى ابن مقلة مقلته حياء، وأغلق ابن البواب بابه خجلاً. وإذا ترسل فاسترسل كان لفظ عبد الحميد، للفظه عبداً
غير حميد، لكن له لوثة ما تكاد تصحي سماء فضله بسحابها، ولا تبرز شمس أدبه من حجابها.
قصر حظه عن خطه، فصار موجباً لخموله وحطه. وحيث نسخت آي الفضل في عصرنا فلم تقم سوقه، اقتنع بأن يكون ناسخاً لما رأى عهد الأدب منسوخاً، وعقده مفسوخاً.
ورأيت أهل الأدب الأكابر ينبزونه بالجرذ، ويتطايبون معه به، وهو كثيراً ما يذكره فيما ينظمه تعريضاً، وربما صرح به.
ونثره في غاية الحلاوة، واستشهاداته واقعة موقعها، وأبياته مضحكة.
أنشدني لنفسه:
فديت من في وجهها سنَّةٌأشهى إلى القلب من الفرض
تنسى عهوداً سلفت بينناكأنما قد أكلت قرضي
هذه إشارة إلى أن أكل الطعام الذي قرضه الفأر، يورث النسيان على ما يقال.
وأنشدني لنفسه في الهجو:
ألا قبّح الله هذي الوجوهوبدَّلها غيرها أوجها
فلا أفقها مُؤذِنٌ بالندىولا بالعُلى مؤذِنٌ أوجها
وأنشدني لنفسه في الهزل:
بنفسي كلُوُمٌ من هواك أليمةٌوأخفي الذي بي في الهوى وأكايمُ
ولي في الرّضا والسخط عندك، فاعلميسفيعان:... قائمٌ، ودراهمُ!
وأنشدني لنفسه في ابن دينار، كاتب منثر الوزير في محرم سنة إحدى وستين، وكان أحاله عليه فمطله:
مولاي في منثركم كاتبٌيزيد في ظلميَ إفراطا
مضيع للمال لكنهأضحى على شؤمي محتاطا
ظنّ أباه من عطاياك ليفليس يعطينيَ قيراطا
وأنشدني لنفسه في الأديب مفلح أيضاً حيث مطله وكان هو عامل المنثر يخاطب حاجب الوزير:
قل لابن تركان حليف الندى:جواهري في النظم لم تثَقب
والقول يا مولاي لو رُمْتَهُعند وزير العصر لم يصعب
مولاي يا من برُّه عاجلليس بمجنوب ولا متعب
مفلحُ عُرقوب ولكننيأطمع في برّك من أشعب
يقول مَن لقَّبنا هازئاً:هذا جَسدَىً ممتنع المطلب
واعجباً من جرذٍ شاعرٍيُحال بالبرّ على ثعلب!
وأنشدني له أيضاً في نائب الوزير بسبب إحالته على المنثر، وكان قد دافعه:
يا سيدي والطَّالب الغالبقد وقع اللَّصُّ على النائب
ولست أهجو مفلحاً بعدهاقد صحَّ أنَّ الذنب للنائب
وأنشدني لنفسه في ابن تركان:
يا ابن تركان لن يدومَ سِوى اللهـ بعلمي، وكلُّ هَمّ يزولُ
كلُّ حيّ، وإن تمادى به العمرُ طويلاً، إلى الممات يؤول
وأنشدني لنفسه في بعض الوزراء:
يا سيد الوزرآء، عبدكَ لم يزليرجو العلوَّ لظلّك الممدود
فعلام ذِيدَ، وللعفاة مناهِلٌمن حوضك المتُلاطِم المَوْرود؟
نَثَلَ الكنائنَ للنّضال ذِيادهعنكم فأصمى عِرضَ كلِّ حسود
وغدا يهذ من المديح قصائداًتزهى إلى إحسان كلِّ قصيد
وبكلِّ عافية يروح ويغتديمنْ ربّه لكن بغير ثريد
وأنشدني في ذم الغيم لنفسه:
ما أقبح الغيم ولو أنَّهُيُمطرنا دُرّاً وياقوتا!
فكيف والآفاق مغبرةٌّشوهاء لا ماءً ولا قوتا؟
وأنشدني لنفسه في واسط، ويذكر مخالطة النسيم روائح السحاه، وفيه نوع تحميض:
لله واسط! ما أشهى المقام بهاإلى فؤادي وأحلاه إذا ذكرا!
لا عيب فيها ولله الكمال سوىأنَّ النسيم بها يفسو إذا خّطرا
وأنشدني لنفسه:
نَفْضُ التُراب عقوقٌ عن مناكبنالأنَّه نَسَبُ الآباء في القِدَمِ
وأنشدني لنفسه في امرأة له بذلت نفسها لغيره، وتمنعت عليه، وقد لبست على ابنها نقاب سواد:
قلتُ لها إذ أقبلتْفي حُلّة كالسبج
ومنظرٍ يسبي العقول لحظه بالغنج
تضايقي تضايقيلا بدَّ أنْ تنفرجي!
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع