من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الأول» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأجل سعد الدين
أبو عبد الله الحسين بن شبيب الطيبي. ولد بالطيب، وسكن بغداد، وخص بأمير المؤمنين المستنجد، وولاه إشراف المخزن، وأحله محل أمينه المؤتمن، وخف على قلبه، وجن بحبه، وصار له بمنزلة النديم السمير، وحصل من أثرته بالمقام الأثير. وكان يداعبه ويصحف عليه في خطابه، ويستدعي منه تصحيف جوابه، فمن ذلك أنه أقبل يوماً، فقال له الخليفة: ابن شتيت؟ فقال في الحال: عندك، يعني ابن شبيب، فقال هو: عبدك.
وله نظم رائق، بالإحسان لائق. واتفق له هذا البيت في المستنجد من قصيدة:
أصبحت لبَّ بني العبّاس كلّهمإنْ عُدّدَتْ بحروف الجُمَّل الخلفا
والمستنجد: هو الثاني والثلاثون من خلفاء بني العباس، ولب: اثنان وثلاثون بحساب الجمل.
واتفق للقاضي أبي بكر الأرجاني في المسترشد، وكان التاسع والعشرون من
خلفاء بني العباس، وقد عدهم في قصيدة وقال:
خلائف نظموا في سِلك دهرهمونورَ وجهك منهم في المتون سرى
عشرون تتبعها منهم ثمانيةٌكاتوا المنازِلَ والمسترِشدُ القمرا
ابن شبيب، حلو التشبيب، ورقيق النسيب. وله أشعار تخجل الدر منظوماً، والوشي مرقوماً، والروض ناظراً، والبدر زاهراً.
ومن جملة شعره السائر، ولفظه الساحر، قصيدة له يستطرد فيها بمؤذن يعرف بعباس، جهر الصوت، كان يصل صوته إلى أقاصي المحال ببغداد وقت الصباح:
وشى بالصبح عبّاسوثوب الليل أدراس
ومنها:
وقد مجّ فم الأبريق مما قهقه الكاس
ويقول في آخرها:
فما أطيب ليلَ الوصل لو يخرس عباس!
وله قصيدة في الإمام المستنجد أولها:
إذا حلّ تشرينُ فاحلل أوانافإنّ لكلّ سرورٍ أوانا
وله من قصيدة في الإمام المستضيء:
سرى، والدّجى تصبي غدائره الجُونُ،نسيمٌ على سرَ الأحبّة مأمونُ
وما استيقظ الواشون إلا بنشرهفقالوُا، وما قالُوه وَهْمٌ ومظنونُ
وبحر الهوى طامي الغوارب مزبدٌمخيف، وفُلكي بالصّبابات مشحونُ
إذا جاد فالبحرانِ جرعة شاربٍوإن زاد فالسبعُ الأقاليم ماعونُ
ومنها:
فأنقذ مِصراً من يَدَيْ كلّ كافرٍلنعماه، لا عقل لَدَيْهِ ولا دينُ
إذا ما أراد الله إهباطَ دولةٍتبيذقَ منها في الدُّسوتِ الفرازينُ
ولمّا مضى فِرْعَوْنُها فَرّ عَوْنُهاوأدركها موسى الكليمُ وهارونُ
وَقد بقيت في نفس يَعقوبَ حاجةإلى سيفك الماضي هي الغرب والصينُ
قسوتم ولِنتم غِلظةً وتعطّفاًوفي جانب اللهِ القساوةُ واللينُ
وله من قصيدة فيه:
فمن ذا يبلغ أهل الغرامبهذا العجيب الذي قد بَدَرْ؟
فإنّيَ قد رَقَّ لي من قسافمن شاء سرّ ومَنْ شاء برّ
وما بعد ذلك من غايةٍإذا شهد القلب غاب النظر
وله يهنيء الإمام المستضيء بأمر الله بالخلافة، ويذكر الخلع التي أفاضها على أرباب دولته، ومتقدمي جنده وخاصته، ووجوه الناس من رعيته. وكان رسم له في أيام والده المستنجد أن ينظم أبياتاً على وزن أبيات ابن الحجاج التي أولها:
يا دار يا دار الوزير النّاصح
أمسى بخير في حماه وأنْعميما دام يبقى في الصبّاح الصّالح
وفي هذه الأبيات صوت يعرف بالصباح الصالح. فتأخر عملها إلى حين تولى الخلافة، فقال يمدحه على الوزن والروي:
بكر الغمام لها بدمع سافحطرباً إلى نغم الحمام الصّادح
وتنّبهَ النّوّار في جَنباتهاسحراً لدغدغة النسيم المازح
بالغ في وصف النسيم باللطف بتشبيهه بالمازح، وتشبيه مروره المنبه بالدغدغة، فأحسن في الاستعارة.
وافترّ ثغرُ الأقحوانة ضاحكاًلمّا حَبته يَدُ السحابِ الدّالح
ووشى بها ووشت به أنوارهايا حّبذا نَفس الكتوم البائح
وتسلسلت رُقْشُ الجداول، وانثنتتستنُّ بين أراكها المتناوح
تجري وتجري الريحُ بين غصونهافتميل من راح وطيبِ روائح
فإذا أعير بديعه من روضهاطُرَفاً، أقام بها، فليس ببارح
خَلعَ الربيع على الرُّبا لما انتشىوَشْياً، وضمخها بمسك نافح
خِلع الإمام المستضيء، فإنّهاعظمت وجلّت عن بلاغة شارح
سفرت لنا من طيبها أيّامهعن وجه معشوق الدلال مسامح
عاد الزّمان به إلى رَيْعانهبعد ارتداد مَفارق ومَسايح
رُفِعت لنا عنه السجوُف، فلاح ليكالبدر سُلَّ عن السحاب الرائح
فتبادروا لَثمَ الصعيد، وبايعواطَوْعاً لمجتهدٍ تقيّ صالح
يا صاحب الدعوى العريضة، إنّهصبٌّ إلى ضوء الصباح الصابح
ما بعدها لمؤّملٍ من غايةٍهذا أمير المؤمنين، فصافح!
هذا الذي عادت بُسنّة عدلهسُنَنُ النبيّ إلى الطريق الواضح
فخراً، بني العبّاس، إنَّ لبيتكمشَرَفاً يُنيفُ على السّمِاك الرامح
ماذا يقول الجاحدون لفضلكم؟علت المجرَّةُ عن عُواء النّابح!
وبفضلكم نطق الكتاب مفصّلاًأفكيفَ يبلغه فصاحة مادح؟
يا سعد أخبية الذين تحمَّلواسَعد السعود خِلاف سَعد الذابح
يشير إلى والده المستنجد، ويقول: إن زمان هذا السخي الرحيم السهل الجانب، خير من زمان أبيه الحازم، الشديد السطوة، الصعب الشكيمة.
جاءتك تخِطبكَ الخلافة كفوهافاستجلها عَفواً بغير مشايح
وأفِضْ على عَطش البرايا رحمةًسَيباً كَمنهلّ الغمام السافح
وانْشر رِداءَ العدل في أقطارِهاتَنجُ البغاث من اختطاف الجارح
واستدِركِ الأرماقَ منك بنظرةٍتخلصْ بها من كلّ خَطبٍ فادح
ولقد تجّهمها الزمان، فأَحْيِهاعدلاً يقرّبُ بالبعيد النازح
وقال يمدحه قبل إفضاء الخلافة إليه:
أوحى فِراقُ المُنجدِفالصّبرُ غير مُنجدِ
قالوا: غَداً فِراقُهمْفجاء قبل الموعدِ
بُحتُ بما ألقاه لمّازاد عن تجلّدي
وَشَفّني طول الضنىحتى تلاشى جسدي
لولا الأنينُ لخفيتُ عن عيون الحُسَّد
يا صاحبيَّ، استمعاما لم يَدُرْ في خَلدِ
ألفُ مريضٍ عُللوارُمانةً في بَلد
فما تُرى بناظرٍولا تُنالُ بيدِ
عَزَّ الذي تبغي، فقدعزَّ وجودُ المسعد
سقى حُمولَ الظاعنين كلُّ جَوْنٍ مُرْعِدِ
ولا عَدَتْهم روضةٌأزهارُها كالعسجدِ
نرجسها مُركّبفي قُضب الزُّمرَدِ
كأنما مرّ بها المولى أبو محمد
وجادَها بَنانُهبسائح مُطّردِ
يلبس إنْ جمّشه الريح صُنوفَ الزَّرَدِ
فتارة صَفيحةًوتارة كالمبرَدِ
سَرَى إلينا جُودُهُمن غير ضَرْبِ مَوْعدِ
وشمتُ من أخلاقهشَمائلَ التفرُّدِ
ودَلَّ حسن بِشرهِعلى كريم المحِتدِ
للِه منه ساعةٌمسعودةٌ في مولدي!
قبّلتُ ظهرَ كفهفيها بغير عَددِ
وافترّ لي حين بداثغرُ الزمان الأغيد
وردّني إلى الشباب والنَّعيم الأرْغد
ودَبَّ من ألفاظهسكر الصِبّا في جسديِ
فمن عجيب ما جرىأنّيَ لم أعَرْبدِ
يقول: إنه في بعض خرجات المستنجد بالله إلى الصيد، أدناني من خدمته، وأعطاني يده فقبلتها، ولطف بي، وحادثني ساعة.
يا من أُرَجِّيه على الدهرِ لِيوْمي وغَدي
ومن أفَدّيهِ ببذْل النفس لا بالصَّفَد
أصغ إلى شعري الذّييبقى بقاء المُسَندِ
بكم عُرِفْتُ والسهىمُعَرَّفٌ بالفَرْقَدِ
دام عليكم ظَّل مَوْلانا الامام الأمْجَدِ
العالم الحَبر المليك لقائم المُستنجِدِ
ناب عن الله وعنشَرْع النَّبيّ أحمد
به حَمِدْنا زمناًمن قبله لم يُحمَدِ
فخُلّدِت أيّامهفي صَفو عيشٍ رَغَدِ
ولسعد الدين بن شبيب من قصيدة في المستنجد:
مستنجدٌ باللهِ مالكهاأمسى لأِفلاك العْلى قُطْبا
إنْ عدَّد الخلفاء حاسبناألفيته لجميعهم لُبّا
لأن المستنجد كان الثاني والثلاثين من خلفاء بني العباس، ولب: في حساب الجمل اثنان وثلاثون.
وأعاد المعنى في نظم آخر، فلطف:
أنت الإمام الذي يحكي بعيرتهمن نابَ بعد رسول الله أو خَلفا
أصبحتَ لبَ بني العباس كلّهمإنْ عُدّدِت بحروف الجُمَّل الخلفا
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع