أَطاعَ دمعي وصبري في الغرام عَصى
الشاعر: عماد الدين الأصبهاني · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة غزل
هذه القصيدة من شعر عماد الدين الأصبهاني، من العصر الأيوبي، وتقع في 66 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الصاد، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَطاعَ دمعي وصبري في الغرام عَصى ... والقلبُ جرّعَ من كأس الهوى غصصا
وإنَّ صفو حياتي ما يكدِّره ... إلاّ اشتياقي إلى أَحبابيَ الخلصا
ما أَطيبَ العيشَ بالأحباب لو وصلوا ... وأَسعدَ القلبَ مِن بلواه لو خللصا
زمُّوا فؤادي وصبري والكرى معهم ... غداةَ بانوا وزمُّوا للنّوى القلصا
وقفتُ أُتبِعهم قلبي يسايرهم ... وأُرسلُ الدَّمعَ في آثارِهم قَصصا
ومقلة طالما قرَّتْ برؤيتهم ... أَضحى السُّهادُ لها من بعدِهم رمصا
لم تحدر الدَّمعَ إلاّ أَنّها رفعتْ ... إلى الأحبةِ من كربِ الهوى قصصا
رخصتُ بعدَ غلائي في محبتكم ... وربَّ غالٍ عزيزٍ هانَ إذ رخصا
أَرى أَمانيَّ منكم غيرَ صادقةٍ ... كذا حديث المنى ما زال مخترصا
يا هل تعودُ ظلالُ العيشِ سابغةً ... وكيف يرجعُ عيشٌ ظلُّهُ قلصا
وحبّذا فُرَصٌ للدَّهرِ ممكنةٌ ... والدَّهرُ من لم تزلْ أَوقاتُهُ فرصا
لهفي على عُنْفُوانِ العمرِ كيف مضى ... عني وشيكاً ولما تمّ لي نقصا
ما كنتُ أَعلمُ ريعانَ الصِّبا حلماً ... إذا انقضى أَصبحتْ لذّاته نُغصا
أَيامَ أَخلعُ في اللهوِ العذارَ كما ... أَهوى وأَلبسُ من أَطرابهِ قُمصا
أَيامَ لا رَشَئي يعتادُهُ مَلَلٌ ... ولا رِشاء الصِّبا من قبضتي ملصا
إذ الليالي بما أَهوى مُساعفتي ... تدني إلى النُّجحِ آمالاً إليَّ قصى
أَروحُ ذا مَرَحٍ بالوصل مبتهجاً ... أَنالهُ سُؤله من دهره الحصصا
أَطاعت الغانيات الغيد منه فتىً ... إذا لحي في هَواهنَّ العذول عصى
ما بالُهنَّ زهدْنَ اليومَ فيه وقد ... أَفادَهُ الشَيبُ تجريباً وثقلَ حصى
كرِهْنَ بعدَ سوادِ شيبِ لمّتهِ ... لما رأَينَ بياضاً خلْنَهُ بَرَصا
بمهتجي رشأٌ قلبي له قنصٌ ... فيا له رشأ للأُسدِ مُقتنصا
تمضي عزائمهُ في قتلِ عاشقهِ ... عمداً ويطلبُ في تعذيبهِ الرُّخَصا
يا لائماً بشِباكِ العذلِ يقنصني ... ولستُ إلاَّ لأشراكِ الهوى قَنَصا
بغيتَ راحة من تعتاصُ سلوته ... وأَتعبُ الناسِ من يبغي الذي عَوِصا
لا تحرصنَّ على ما أَنتَ طالبُه ... فربّما حُرمَ المطلوبَ من حرصا
تبغي بقرعِ عصا التقريع لي رَشَداً ... كما ينبّأ ذو حلم بقرع عصا
أَقصرْ فلي شَعَفٌ بالمجدِ طالَ له ... باعي وطرفُ حسودي دونه بخصا
وأنصفَ الدهر كان الفضل في دَعَةٍ ... منه وعاثرُ حظِّ الفضل منتعصا
ربَّى الزَّمانُ بنيه شرَّ تربيةٍ ... فالجهلُ ذو بطنةٍ والفضلُ قد خمصا
ولا زمانُ الإمام المستضيء لنا ... لما امتحى ذنب أَيامي ولا محصا
مَن أَلزم اللّه كلَّ الخلقِ طاعته ... مُخوّفاً منه عصياناً وشقّ عصا
مَن لا خمائلاَ لولا سحبُهُ هطلتْ ... ولا مخايلَ لولا برقُهُ وبصا
قد عاشَ في العزَّةِ القعساءِ حامدُهُ ... وماتَ جاحدُهُ من ذِلّةٍ قعصا
مولى لراحةِ أَهلِ الأَرضِ راحتهُ ... وكم يُفرِّج عنّا الحادث اللَّحصا
بالجودِ للمعتفي حلو الجنى سلساً ... بالبأْسِ للمعتدي مُرُّ الإبا عفصا
يا سَيِّدَ الخلفاءِ الأَوصياءِ ومَن ... نَبْتُ المنى منه في روضِ النّجاح وصى
يا مُحكاً كلَّ نظمٍ للزَّمان وهَى ... وجابراً كلَّ عظمٍ للمُنى وهصا
بالحقِّ إن دانتْ الدُّنيا له ودنا ... سحابُ معروفهِ الهامي إذا نشصا
أَنمتَ عدلاً عيونَ العالمينَ بما ... أَذهبتَ عنها القَذَى والرَّينَ والغمصا
عدوكم واقعٌ في الرُّعبِ طائرُهُ ... حتى لقد حسبَ الدُّنيا له قفصا
وحــــسبُ كلّ حسودٍ أَنَّ ناظره ... إلى مهالكه من حيرة شخصا
يا خيرَ مَنْ حجَّ وفدُ اللهِ كعبتَهُ ... على المطيِّ الذي في سيرِهِ قمصا
ومــــا تــــوجَّهــــ ذو عزمٍ إلى أملٍ ... إلاّ لدى بابهِ عن حَجِّهِ فحصا
سأَجتدي وابلاً من جودِه غَدِقاً ... وأَمتري حافلاً من خِلْفهِ لَخصا
وإنَّ عنديَ ذا التوحيد من شَكَرَ ال ... نعمى لديكَ وذا الإشراك من غمصا
من ذا الذي سارَ سيري في ولائكمُ ... غداةَ قالَ العدا لا سيرَ عند عصا
بعثي على الحقِّ أَصفى مصر من رَنقٍ ... بها وأَخرس منها باطلاً نبصا
ونالَ عبدُكَ محمودٌ بها ظفراً ... ما زالَ يرقُبهُ من قبلُ مرتبصا
كلبُ الفرنجِ عوى من خوفِ صولته ... وقيصرُ الرُّومِ مِن إِقدامهِ معَصا
سطا فكم فِقْرَةٍ للكفرِ قد وُقمتْ ... وكم وكم عيقٍ للشّركِ قد وقصا
من خوفِ سطوته أَنَّ العدوَّ إذا ... أَمَّ الثُّغورَ على أَعقابهِ نكصا
ورُبَّ معتركٍ رحب الفضاءِ به ... أَضحى على مَسعريهِ ضيّقاً لقصا
لما انتشى الهامُ مِن كأسِ النّجيعِ به ... غَنَى المهنّد والخطيُّ قد رقصا
وللكُماةِ على أَهوالها نَهَمٌ ... نامٍ كأنَّ بها نحو الرَّدى لعصا
والحربُ عضّتْ بأنيابٍ لها عُصُلٍ ... والصَّفُّ أَحكم من أَضراسها لصصا
والبِيضُ فيه بقدِّ البيضِ ماضيةٌ ... والسَّمرُ تخترقُ الماذيّة الدُّلُصا
وكلُّ نفسِ مشيحٍ رهنُ ما كسبتْ ... والسّامريُّ رهينٌ بالذي قبصا
ومن دماءِ مساعيرِ الهياجِ نرى ... على سوابغها مِن نضحها نُفَصا
أعادَ عبدُكَ نورُ الدِّين منتصراً ... ما كان يغلو من الأراحِ مُرتخصا
وكم أخافَ العِدا بالأولياء كما ... أَخافت الأسد في إصحارها النُّحصا
والمبطلونَ متى طالتْ رقابُهمُ ... أَبدى من الهُون في أَعناقها الوقصا
أَعدى نَداكَ أَمير المؤمنينَ على ... حظٍ تعدَّى ودهرٍ ريبُهُ قَرَصا
نعشتَ فضلي بإفضالٍ حَلَلْتَ به ... من عَقدهِ ما لواهُ الحظُّ أو عَقَصا
تَملُّ مدحَ وليٍ فخرُ ناظمهِ ... أنَّ القريضَ إلى تقريظكم خلصا
لا يصدقُ الشِّعرُ إلاّ حينَ أَمدحكُم ... وكلُّ مدحٍ سوى مدحيكُمُ خرصا
وكيف أحصي بنطقي فضلَ منتسبٍ ... إلى الذي في يديهِ نطقُ كلِّ حصى
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الصاد، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من الصحاح، مقاييس اللغة، لسان العرب:
- بانوا: أنى الشئ يأنى إنى، أي حانَ. وأَنى أيضاً: أدرك. قال الله تعالى: (غَيْر ناظرينَ إناهُ) أي نُضْجَه. ويقال أيضاً: أَنى الحميمُ، أي انتهى حرُّه. ومنه قوله تعالى: (وبَيْنَ حَميمٍ آنٍ) أي بالغٍ إناهُ في شدَّة الحرّ. وكلُّ مدركٍ … (الصحاح)
- برؤيتهم: (بَرَوَى) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ بَعْدَهُمَا وَهُوَ الْوَاوُ وَالْيَاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا تَسْوِيَةُ الشَّيْءِ نَحْتًا، وَالثَّانِي التَّعَرُّضُ وَالْمُحَاكَاةُ. فَالْأَصْلُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ … (مقاييس اللغة)
- بلواه: لوأ: التَّهْذِيبُ فِي تَرْجَمَةِ لَوَى: وَيُقَالُ لَوَّأَ اللَّهُ بِكَ، بِالْهَمْزِ، أَي شَوَّهَ بِكَ. قَالَ الشَّاعِرُ: وكنتُ أُرَجِّي، بَعْدَ نَعْمانَ، جابِراً، ... فَلَوَّأَ، بالعَيْنَيْنِ والوجهِ، جابِرُ أَي شَوَّه. … (لسان العرب)
- تحدر: حدر: الأَزهري: الحَدْرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تَحْدُرُه مِنْ عُلْوٍ إِلى سُفْلٍ، وَالْمُطَاوَعَةُ مِنْهُ الانْحدارُ. والحَدُورُ: اسْمُ مِقْدَارِ الْمَاءِ فِي انْحِدَارِ صَببَهِ، وَكَذَلِكَ الحَدُورُ فِي سَفْحِ جَبَلٍ وَكُلِّ … (لسان العرب)
- جرع: جرع: جَرِعَ الماءَ وجَرَعه يَجْرَعُه جَرْعاً، وأَنكر الأَصمعي جَرَعْت، بِالْفَتْحِ، واجْتَرَعَه وتَجَرَّعَه: بَلِعَه. وَقِيلَ: إِذا تَابَعَ الجَرْع مَرَّةً بَعْدَ أُخرى كالمُتكارِه قِيلَ: تَجَرَّعَه، قَالَ اللَّهُ عزَّ و … (لسان العرب)