من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو الحسن بن أبي الخير سلامة النصراني الدمشقي
كاتب تاج الملوك أخي الملك الناصر. فيه أدب وذكاء. كتب لي من شعره قوله:
يا حبّذا يومنا، والكأْس ناظمةٌنظمَ الحَباب عليها شَمْلَ أَحبابِ
ونحن ما بين أَزهارٍ تحفّ بأَنْهارٍ وما بين أَقداح وأَكواب
والماءُ تلعب أَرواحُ النسيم بهما بين ماضٍ وآتٍ، أَيَّ تلعاب
كأَنه زَرَدُ الزَّغْف السوابغ، أونقش المَبارد، أَو تفريك أَثواب
وقوله:
سَلِ الحبيب الذي هام الفؤاد بههل يذكر العَهد، إِنّ العهد مذكورُ
أَيّام نأخذُها صَهْباءَ صافيةًيُمْسي الحزين لديْها وهو مسرور
يسعى بها غُصن بانٍ في كثيب نقاًله على القوم ترديد وتكرير
إِذا أَتاك بكأْسٍ خِلْتَها قَبَساًيسعى به في ظلام الليل مَقْرور
يُعْطيكه وهو ياقوتٌ، ويأْخذهإِذا أَشرت إليه، وهو بَلُّورُ
والأَرضُ قد نَسَجتْ أَيدي الربيع لهاوشْياً تردَّتْ به الآكام والقُور
كأَنّ منثورها، والعينُ ترمُقهدراهمٌ حين تبدو أَو دنانير
ما شئتَ من منظرٍ في روضها نَضِرٍكأَنما نَوْرُه من حسنه نُور
تظلُّ أَطيارُها تشدون بها طرباًإِذا تبدَّتْ من الصبح التباشير
من بُلبلٍ كلّما غنّاك جاوَبَهفيها هَزارٌ وقُمْرِيّ وشُحْرور
كأَنما صوت ذا صَنْجٌ، يجاوبهمن ذاك نايٌ، وذا بَمٌّ، وذا زِير
وله في مدح تاج الملوك أيضاً في زمن الربيع:
تاجُ الملوك، أَدامَ الله نعمته،أَسْخى البريَّة من عُجْم ومن عَرَبِ
مولىً، أَياديه في أَرض يَحُلُّ بهاأَجدى وأَحسن آثاراً من السُّحُبِ
يُفَتِّح النَّورُ فيها من أَناملهفتنجلي منه في أَثوابه القُشُبِ
حتى ترى روضَها يحكي مواهبَهفالبعض من فضّةٍ والبعض من ذهب
وله من قصيدة فيه بعث بها إليه في المعسكر في أيام الربيع:
مولايَ، مجدَ الدين، قد عاودتْدمشقَ مِنْ بعْدِك أَشجانُها
نَيْرَبُها قد مات شوقاً إِلى المَوْلى وواديها ومَيْدانُها
مالتْ إِليه في بساتينهامن شدَّ الأَشواق أَغصانُها
وأَقسمْت من بعده لا صحامن لوعةِ الأَشجان نَشْوانها
وماسَ من أَشواقِه آسُهاواهتزّ إِذْ بان له بانُها
وغنَّتِ الأَطيارُ من شَجْوِهاواختلفت في الدَّوْح أَلحانها
واصفرّ في الرَّوْضة مَنْثُورهامِنْ شوقِه واخضرّ رَيْحانها
رقرقت الدمعَ عليه كماترقرقت بالماء غُدرانها
فلا خَلَتْ يا خيرَ هذا الورىبُطْنانها منك وظُهْرانها
تلك هي الجنة، لكنّهامُذْ غِبْتَ عنها غاب رضْوانها
وله فيه وقد وعده بخلعة:
يا من له الشُّكر، بعد الله مُفْتَرَضُعليّ، ما عِشْتُ في سِرّي وفي علني
إِن كان غيرُك لي مولىً أُؤَمِّلُهوأَرتجيه، فكانت خِلعتي كفني
وله يقتضيه بالخلعة وقد عزم على المسير إلى العسكر المنصور:
مولايَ جُدء لي بوَعْديمن قبل سَيْرِ الرِّكابِ
أَنعِمْ عليَّ بثوبٍتَرْبَحْ جزيل الثواب
ثوب تكاملَ حُسْناًكخُلْقِك المستطاب
كأَنّه زمن الوصْل في زمان الشباب
وفوطة مِثل شَعْريرقيقة أَو شرابي
طويلة مثل ليليلمّا جفا أَحبابي
كأَنها رَمَضانإِذا أَتى في آب
وله فيه:
يا حبَّذا أَبواه إِذوَلَداه من كرمٍ وخِيرِ
وكذاك قد يُستخرج الدُّرّ النفيس من البحور
والشّمس من أَنوارِهايبدو سَنا القمر المُنير
ما زال مُنذُ فِطامهفي عَقْلِ مُكْتَهِلٍ كبيرِ
مولىً حوى فضل الأَكابر وهو في سنّ الصغير
ولقد رَقى دَرَج الأَوائل وهو في الزمن الأخير
وله فيه:
يا مَنْ يَعُمُّ سَماحُه ونوالُهكرماً كما عَمَّ السَّحابُ المُمْطِرُ
ويفوح ما بَيْنَ الأَنام ثناؤهفكأَنه في كلّ حيٍّ عَنْبَرُ
إِني شقيتُ وفي ظِلالك أَنعُمٌولقد ظمئت وفي يمينك أَبْحُر
ولقد ذَلَلتُ وأَنت حِصْنٌ مانعٌولقد ضَلَلْت وأَنت بدرٌ نَيِّر
أَغنى نداك الناسَ إِلاّ فاقتيفاللهُ يُغني من يشاء ويُفْقِر
فلئن نظرتَ إِليّ نظرة مُجْمِلٍفلأَنت أَولى بالجميل وأَجدَر
ومدحني في مصر بهذه القصيدة، وهي في حسن الفريدة، في ذي القعدة من سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة:
أَمُطيلَ عَذْلي في الهوى ومُفَنِّديهل أنت في غَيِّ الصَبابة مُرْشدي
هيْهاتَ، ما هذا المَلامُ بزاجريفانقُض، أَبَيءتَ اللعن، منه أَو زِد
أَنت الفِداء ومَنْ يلوم لشادنٍأَنا في هواه مضلَّلٌ لا أَهتدي
يجلو لعينك غُرَّةً في طُرّةٍفيُريك أَحسن أَبيضٍ في أسود
يسطو على عُشّاقه من قَدّهوجفونِه، بمُثَقَّفٍ ومُهَنَّد
قمرٌ يظَلُّ الماءُ في وَجَناتهوالنارُ بين تَرَقْرُقٍ وتَوَقُّد
ومن العجائب أَنّ ناراً خالطتماءً وأَن ضِرامها لم يَخْمَدِ
وكذاك ماءُ الدَمع إِن أَنْضَجْ بهنارَ الصَّبابة والأَسى، تَتَوَقَّد
فصَبابتي لمّا تَخِفَّ، وأَدمُعيلمّا تجِفّ، وزفرتي لم تَبْرُد
كم بِتُّ أَرعى الفَرْقَدَيْن كلاهماشَعفاً بمن يرنو بِعَيْنَيْ فَرْقَد
آليتُ أَرقُدُ في هواه، ومن يكنذا لوعةٍ وعلاقةٍ لم يَرْقُد
علّ الليالي يكتَسِينَ بشاشةًيوماً فتُنْجِز بعد مَطلٍ موعدي
إِنْ رقّ لي بعد القساوة قلبُهفالماء يقطُر مِنْ صِفاح الجَلْمَد
فأَجِلْ لحاظَك في محاسن وجههإن تستطع نظراً إِليه وَرَدِّد
تنظرْ إِلى الأَنوار بين مُمَسَّكٍومسبج ومُنَرْجَسٍ ومُوَرَّج
فكأَنها نَوْرُ الربيع إِذا بداأَوْ حسنُ خَطِّ محمَّدِ بن محمد
هذا عماد الدين والدنيا معاًوملاذُ كلِّ مُؤَمِّلٍ أَو مجتدي
هذا الذي ما أُغْلِقَتْ أَبوابُهمن دون مُسْتَجْدٍ ولا مُسْتَنْجِد
هذا الذي أَحْيا العُلومَ وأَهلَهابعد الرَّدى، والعُرْفُ إِحياءُ الرَّدي
وأَبان منها كلَّ نَهْجٍ دارسٍدَرْسَ الرُّسُوم من الدِّيار الهُمَّد
بيضاء حسنٍ ما دجت إِلاّ بدافأَضاء مثلَ الكوكب المُتَوَقِّد
لو عاش حينئذٍ فرام تشبُّهاًعبدُ الحميد بخطِّه لم يُحْمَد
يَقِظٌ له القلمان في إنشائِهوحسابه، في مَصْدَرٍ أَو مَوْرِد
إِن حاول الإنشاء يوماً ما، فياناهيك من دُرٍّ هناك مُنَضَّد
ويُضَمِّنُ اللفظَ البديع معانياًأشهى من الماء الفُراتِ إِلى الصَّدى
وكأَنّ خطَّ حِسابه في طِرْسِهشَعرٌ تَنَمْنَمَ في عوارضِ أَغْيَدِ
لو قُلِّدَ الدُّنْيا كفاها وحدَهفي الحالتين، ولم يُرِدْ من مُسْعِد
ولقام منتهِضاً بكلّ عظيمةٍفبعلمه في الفقه كلٌّ مقتدي
فلوَ انّ أسعد عاش بعد وفاتهيوماً فساجله به لم يَسْعَد
وإذا انبرى للشعر خِلْتَ قريضَهأَطواقَ دُرٍّ في نحورِ الخُرَّد
شِعْرٌ ترشَّفُه النفوس كأَنّهلفظُ الحبيب مقرِّراً للمَوْعِد
أو طيبُ وَصْلٍ بعد كُرْهِ قطيعةٍمن ذي انبساط بعد طولِ تَجَعُّد
وإِذا تفاخر بالأرُوم مَعاشِرٌفله العلاءُ عليهم بالمَحْتِد
مازال يُخْبِر فضلُه بل نيلُهعن حُسْنِ شيمته وطيبِ المولد
جَلَّ الذي أَعطاك يا ابن محمّدٍفي كلّ فضلٍ باهرٍ طولَ اليد
أَقسمتُ بالكرم الذي أُوتيتَهلولاك ما اتّضحتْ سبيلُ السُّؤْدُد
وكتب إلي أيضاً:
أَلا قُلْ لمن ذَمّ الزمان جَهالةًوَعَنّفه فيما جَناه وفَنّدا
دَعِ العجز وانهض غير وانٍ إِلى امرئٍيكُنْ لك فيما أَنت راجيه مُسْعِدا
فإِنّك لم تبلغ من الدهر طائلاًوتحمَدُه حتى تزورَ مُحَمّدا
وإِنّ عماد الدين أضمنعُ مَعْقِلٍإِذا ما رَماك الدَّهرُ يوماً تَعَمُّدا
وأَسيرُ هذا الناس فضلاً وسُؤْدُداًوأَعوزُهم نِدّاً وأَكثرهم نَدى
تَفَرَّدَ إِلاّ أَنه الناسُ كُلُّهُموإِن كان في عَلْيائه قد تفرّدا
مُعِزٌّ مُذِلٌّ مانِح مانعٌ معاًيُرَجَّى ويُخْشى واعِداً مُتَوَعِّدا
إِذا ما رمى يوماً بإيعاده العِدىأَقام لخوف الانتقام وأَقْعدا
جديرٌ بحلّ الأَمر أَشكل حلُّهبرأيٍ به في كل عَشْواءَ يُهْتَدى
له قلمٌ ما هزّه في مُلِمَّةٍمن الدهر إِلاّ هزّ سيفاً مُهَنّدا
إِذا انْسَلَّ من بين الأَنامل خِلْتَهُيُنَظّمُ في القرطاس دُرّاً مُبَدّدا
إِذا ما رنا يوماً بعين كحيلةٍرأَيتَ لَدَيْه ناظرَ الرمح أَرْمدا
وإِن يتحرَّكْ يسكُنِ الخطْبُ فادحاًويبيضُّ وجهُ الرُّشْدِ إن هو سَوَّدا
لأَنت عماد الدين أَحسنُ شيمةًوأَطيبُ هذا الناسِ أَصلاً ومَحْتِدا
فلو جاز يوماً أَن يُخَلَّدَ سيِّدٌكريم بما أَسدى لكنتَ المُخَلَّدا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع