من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
القائد أبو العلاء الحمصي
المحسن بن أحمد بن الحسين بن معقل الأزدي، من أهل حمص، سمعت وحيش الشاعر بدمشق يقول: إنه توفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وله ثلاثة أولاد فاقتسموا ديوانه أثلاثاً، وظنوه تراثاً، فقلت لهم: هذا لا يجديكم نفعاً، وإثبات شعر والدكم يوجد لكم رفعاً، فما قبلوا مني وتفرقوا به وفرقوه، ولا ثبتوا على حفظه ولا أثبتوه. له من قصيدة:
هل لسارٍ في دُجى هجركَ هادِأَم لعانٍ أَسَرَتْ عيناكَ فادِ
قد تعدَّيْتَ فأَشمتَّ العِدىوتمادَيْتَ فجاوزتَ التَّمادي
يا صحيحَ الجسم من داء الضَّناوَخَلِيَّ القلب من ضَرِّ البعاد
خَفْ مع القُدْرة من ظلمي فقدنُهِي القادر عن ظلم العباد
نِمْتَ عما بي وجَفْني أَرِقٌلم يَدُق من كَلَفٍ طيبَ الرُّقادِ
وثَنَيْتَ العِطف عنّي لاهياًمُؤثراً عكس طِلابي ومُرادي
فأَبِنْ لي مُخْبِراً بالله هلأَنت من أَولاد شَدّادِ بن عاد
وَيْحَ قلبي ما الذي أَوْقعهفي هوى صَعْبِ الرِّضا صعب القياد
يتجنَّى والتجنّي أَبداًسببٌ داعٍ إِلى نقض الوداد
وله:
دَعا مُهْجَتي رَهْنَ أَوصابهاوَحِلف هواها وأَطرابها
وَكُفّا فلي عنكما شاغِلٌبتسهيد عَيْني وتَسْكابها
فَيا لِيَ من ظبيةٍ بالحِمىتَتيهُ بإِفراط إِعجابها
مُقَسَّمة الحُسْن بين القِناعوبين اللِّثام وجِلْبابها
فبدْرُ الدُّجى فوق أَطواقهاوحِقْف النَّقا تحت أَثوابها
ولو أَنّ يوسُف في عصرهالأَصبح مِنْ بعض حُجّابها
رُوَيْدكُما بو قِيذ الصُّدودومُدْوى لواعجِ أَوْصابها
فأَيْن السُّلوُّ وأَين الخلاصُلنفسٍ أُصيبت بأَحبابها
تملَّكها مَنْ لأَجفانهنِصالُ الرُّماة ونُشّابها
هذه رقيقة، رفيقة، لطيفة، طريفة، ولعل ناظمها قصد بها معارضة الرئيس أبي منصور بن الفضل الكاتب المعروف بصر بعر فيكلمته التي أولها:
تفيض نفوس بأوصابهاوتكتمُ عُوّادَها ما بها
وما أَنصفتْ مُهجةٌ تشتكيهواها إِلى غير أَحبابها
ومنها:
ومن شرف الحبّ أَنّ الرِّجال تَشْري أَذاه بأَلبابها
وفي السِّرْب مُتْرِبةٌ بالجمالتُقَسِّمه بين أَترابها
فللبدر ما فوق أَزرارهاوللغُصن ما تحت جلبابها
كأَني ذَعَرْتُ بها في الخِباءِ وَحْشيةً عند مِحرابها
أُتَبِّعها نظراً معجلاًيُعَثِّر عيني بُهدّابها
متى شاء يقطِف وردَ الخدودوَقَتْهُ الأَكُفِّ بعُنّابها
وكم ناحلٍ بين تلك الخيام تحسِبه بعض أَطنابها
لا يعارض هذا السحر، ولا يناقض هذا الشعر، إلا من يفتضح، وبينة قصوره تتضح، فإن الشاعر المفلق، إذا في قصيدة ووفق، فالألسنة تصقلها، والرواة تنقلها، ولا يتفق لشاعر في مدة عمره إلا قصائد معروفة، وهمته لاستحسان الناس لها مصروفة، فالأريب، اللبيب الأديب، ذو القريحة الصحيحة يتعرض لقبول النصيحة، ولا يعرض بمعارضتها نفسه للفضيحة، فإن نظم مثلها، واحكم صقلها، فمن أين له قبولها، ومتى ينفق ويتفق سوقها وسولها، وما كل حسن مبخوت، وإن نظم دونها فهو ممقوت، ومن ملك القدرة على حر الكلام في سر البلاغة، وسحر الصياغة، غاص بحر الفكر، لاستخراج الدرر، ولم ير من همته إلا التفرد بالثناء الغرر، لتتفرد بالقبول فرائده، ولتفد العقول فوائده، وتنير بالإشراق مقاصده، وتسير في الآفاق قصائده.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع