من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأمير مؤيد الدولة أبو المظفر أسامة بن مرشد
ابن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ بن محمد بن منقذ بن نصر بن هاشم بن سوار بن زياد بن رغيب بن مكحول بن عمرو بن الحارث بن عامر بن مالك ابن أبي مالك بن عوف بن كنانة بن بكر بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك ابن حمير بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن ارفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇.
أسامة كاسمه، في قوة نثره ونظمه، يلوح من كلامه أمارة الإمارة، ويؤسس بيت قريض عمارة العبارة، نشر له علم العلم، ورقي سلم السلم، ولزم طريق السلامة، وتنكب سبل الملامة، واشتغل بنفسه، ومحاورة أبناء جنسه، حلو المجالسة، حالي المساجلة، ندى الندي بماء الفكاهة، عالي النجم في سماء النباهة، معتدل التصاريف، مطبوع التصانيف، أسكنه عشق الغوطة، بدمشق المغبوطة، ثم نبت به كما تنبو الدار بالكريم، فانتقل إلى مصر فبقي بها مؤمراً مشاراً إليه بالتعظيم، إلى أيام ابن رزيك فعاد إلى الشام، وسكن دمشق مخصوصاً بالإكرام، حتى أخذت شيزر من أهله، ورشقهم صرف الزمان بنبله، ورماه الحدثان إلى حصن كيفا مقيماً لها في ولده، مؤثراً بلدها على بلده، حتى أعاد الله دمشق إلى سلطنة الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب في سنة سبعين، ولم يزل مشغوفاً بذكره، مستهتراً بإشاعة نظمه ونثره، والأمير العضد مرهف ولد الأمير مؤيد الدولة جليسه، ونديمه وأنيسه، فاستدعاه إلى دمشق وهو شيخ قد جاوز الثمانين وكنت قد طالعت مذيل السمعاني ووجدته قد وصفه وقرظه، وأنشدني العامري له بأصفهان من شعره ما حفظه، وكنت أتمنى أبداً لقياه، وأشيم على البعد حياه، حتى لقيته في صفر سنة إحدى وسبعين بدمشق وسألته عن مولده، فقال: سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الآخرة، وأنشدني لنفسه البيتين اللذين سارا له، في قلع ضرسه:
وصاحبٍ لا أَمَلُّ الدَّهْرَ صُحْبَتهُيشقى لنفعي ويسعى سَعْيَ مُجْتَهِد
لم أَلْقَه مُذْ تصاحَبْنا فحين بَدالناظريَّ افترقنا فُرقَةَ الأبَدِ
لو أنصفت فهمك إن كنت منتقداً، فرقيت عن مرقب وهماك مجتهداً، وغصت بنظر فكرك في بحار معانيه، لغنمت من فرائد درره ولآليه، ولعلمت أن الشعر إذا لم يكن هكذا فلغوٌ، وأنه إذا لم يبلغ هذا الحد من الجد فهجرٌ ولهو، ومن الذي أتى في وصف السن المقلوع، بمثل هذا الفن المطبوع، فهل سبقه أحدٌ إلى معناه، وهل ساواه في هذا النمط سواه.
وأنشدني أيضاً لنفسه، في معنى قلع ضرسه:
وصاحبٍ صاحبني في الصِّباحتى تَرَدَّيْتُ رِداءَ المشيبْ
لم يَبْدُ لي ستين جَوْلاً ولابَلَوْت من أَخلاقه ما يَريب
أَفْسده الدَّهْرُ ومن ذا الذييحافظ العهدَ بظَهْر المَغيب
ثم افترقا لم أُصِبْ مِثْلَهعُمْري ومثلي أَبداً لا يُصيب
فاعجب لها من فُرْقة باعدتْبين أَليَفْين وكلٌّ حبيب
وأنشدني لنفسه من قديم شعره:
قالوا نَهَتْهُ الأربعون عن الصِّباوأَخو المَشيب يجور ثُمَّتَ يَهْتدي
كم حار في لَيْلِ الشَّبابش فَدَلَّهُصُبْحُ المَشيب على الطريق الَأْقَصد
وإذا عَدَدْت سِنِيَّ ثم نَقَصْتهازَمَنَ الهُموم فَتِلْك ساعُة مَوْلِدي
تعجب من مقاصد هذه الكلم، وتعرض لموراد هذه الحكم، واقض العجب كل العجب، من غزارة هذا الأدب، ولولا أن المداد أفضل ما ترقم بن صحائف الكتب، لحررت هذه الأبيات بماء الذهب، فهذا أبلغ من قول أبي فراس بن حمدان:
ما العمرُ ما طالتْ به الدّهورُالعمرُ ما تَمَّ به السرورُ
أَيّامُ عِزّي ونَفاذ أَمريهي التي أَحْسُبها من عمري
فالفضل للمُتقدِّم في ابتكار المعنى وللمتأَخر في المبالغة، حيث ذكره في بيتٍ واحد ولم يجعل له نصيباً من العمر إلاّ ساعةَ مَوْلِده. فجميع الحياة على الحقيقة نصب، وألم وتعب.
وأنشدني أيضاً لنفسه من قديم نظمه:
تَجَرَّمَ حتى قد مَلِلْتُ عِتابَهُوأَعرضتُ عنه لا أُريدُ اقترابَهُ
إذا سقَطتْ من مَفْرَقِ المرء شَعْرَةٌتأَفَّف منها أَن تَمَسَّ ثِيابَه
وأنشدني من قديم قوله في السلوان أيضاً:
لم يَبْقَ لي في هَواكُمُ أَرَبُسَلَوْتُكُمْ والقُلوبُ تَنْقَلبُ
أَوْضَحْتُمُ ليَ سُبْل السُّلُوِّ وقدكانت ليَ الطُّرْق عنه تَنْشَعِبُ
إلامَ دَمعي من هَجْركمُ سَرِبٌقانٍ، وقلبي من غَدْرِكم يَجِبُ
إِن كان هذا لِأَنْ تعبَّدني الحُبُّ فقد أَعْتَقَتْنِيَ الرِّيبَ
أَحْبَبْتُكُمْ فوق ما توهَّمَه النّاس وخُنْتُمْ أَضعافَ ما حَسبوا
تأمل هذه المعاني والأبيات، بعين التأني والثبات، تعرف أن قائلها من ذوي الحمية، والنفوس الأبية، والهمم العلية، وكل من يملكه الهوى ويسترقه، قلما يطلقه السلو ويعتقه، إلا أن يكون كبيرا غلب عقله هواه، واستهجن في الشهوات المذمومة نيل مناه. وقوله: " فقد أعتقتني الريب " في غاية الجودة ونهاية الكمال، أعذب من الزلال، وأطيب من السحر الحلال، وألعب بقلوب المتيمين من نسيم الشمال.
وقوله أيضاً من قديم شعره:
إذا اختفت في الهوى عني إساءتُهُأَبدى تَجَنِّيه ذنبي قَبْل أَجْنيه
كذاك إنسانُ عيني لا يزال يرىعَيْبي، ولستُ أَرى العيبَ الذي فيه
وقوله أيضاً:
يا دهرُ ما لك لا يَصُدُّك عن إساءَتيَ العِتابُ
أَمْرَضتَ من أَهوى ويأْبى أَن أُمَرِّضَهُ الحِجابُ
لو كنتَ تُنْصِف كانت الأَمراض لي وله الثّوابُ
قد قيل في مرض الحبيب كل معنًى بكر، مخترع لديه ومبتدع فكر، إلا أن هذه الأبيات لطيفة المغزى طريفة المعنى، مقصدها سهيل، وموردها سهل، لو سمعتها في البادية عقيل لم يثبت لها عقل، ولا شك أن حبيبه عند استنشاق هوائها، فاز ببرء مهجته وشفائها.
هذه الأبيات كنت نقلتها من تاريخ السمعاني فلما لقيت مؤيد الدولة قرأتها عليه وكنت أثبتها على هذا الوجه. أبصر مني العينان، وإن لم يحط السمعان، من أنباء تاريخ السمعاني، الحاوي للمعاني، أبياتاً رواها، وناظمها بماء الحكمة رواها، وقد بددتها في كتابي هذا غيرةً من الملتقط، وحفظا لها من العيي المشتط المشترط.
وأما أشعاره التي أنشدنيها بدمشق سنة إحدى وسبعين من نظمه على الكبر قوله حين قلت له: هل لك معنًى مبتكرٌ في الشيب:
لو كان صَدَّ مُعاتِباً ومُغاضِباأَرضيتُه وتركتُ خَدّي شائبا
لكن رأى تلك النَّضارة قد ذَوَتْلمّا غدا ماء الشّبيبِة ناضِبا
ورأى النُّهى بعد الغَواية صاحبيفثنى العِنان يُريغ غيري صاحبا
وأَبيه، ما ظَلَم المَشيبُ وإِنّهأَمَلي، فقلت عساه عني راغبا
أَنا كالدُّجى لما تناهى عُمُرهنَشَرتْ له أَيدي الصّباح ذَوائبا
وهذا معنًى مبتكرٌ في الشيب لم يسبق إليه.
وقوله:
أَنْستنَي الأيّام أَيامَ الصِّباوذَهَلْت عن طِيب الزّمان الذّاهِب
وتنكَّرتْ حالي فكلُّ مآربيفيما مضى ما هُنّ لي بمآرب
وقوله:
نهارُ الشَّيْبِ يكشِف كُلَّ رَيْبٍتَكَفَّلَ سَتْرَه لَيْلُ الشَّبابِ
يَنِمُّ على المَعايب والمَساويكما نَمّ النُّصُول على الخِضاب
فهل لي بعد أَن ضَحَّى بِفَوْدينهارُ الشَّيْب، عُذْرٌ في التّصابي
وقوله:
أَفْدي بُدوراً تمالَوْاعلى المَلال ولجوّا
قد كنت أَحسب أَنيمن هجرهمْ لست أَنجو
هذا الذي كنتُ أَخشىفأَين ما كنت أَرجو
وقوله:
قُلْ للذي خَضَب المَشيبَ جَهالةًدَعْ عنك ذا فلكلّ صِبْغٍ ماحِ
أَوَ ما ترى صِبْغَ اللّيالي كلّماجَدَّدْنَه يَمْحُوه ضَوْءُ صباح
وقوله في محبوس:
حَبَسوك والطَّيْرُ النواطق إِنّماحُبِسَتْ لِمِيزتها على الأنَدادِ
وتهيبَّوك وأَنت مُودَعُ سِجْنهمْوكذا السُّيوف تُهابُ في الأَغماد
ما الحبسُ دارُ مَهانةٍ لِذوي العُلىلكنه كالْغِيلِ لِلْآساد
وأنشدني قوله في الشمعة:
أُنظر إلى حُسنِ صبرٍ الشمعُ يُظْهِرُ للرّائين نُوراً وفيه النار تَسْتَعِرُ
كذا الكريم تراه ضاحكاً جَذِلاًوقلبُه بدخيل الهَمّ مُنْفَطِر
وقوله:
لَأَرْمِيَنَّ بنفسي كُلَّ مَهْلَكَةٍمَخُوَفةٍ يَتَحامها ذَوو الباس
حتى أُصادِفَ حَتْفي فهو أَجملُ بيمن الخُمول وأَستغني عن الناس
وقوله:
العجز لا يَنْقُصُ رِزْقاً ولايَزيدُه حَوْلٌ ولا فَحْصُ
كلٌّ له رِزْقٌ سيأْتيه لازيادةٌ فيه ولا نَقْص
قد ضمِن اللهُ لنا رزقَناجاءت به الآثار والنَّصّ
فما لنا نطلبُ من غيرهلولا قنوطُ النَّفس والحِرْص
وقوله في نفاق الدهر:
نافقتُ دَهْري فوجهي ضاحِكٌ جَذِلٌطَلْقٌ وقلبي كئيبٌ مُكْمَدٌ باكِ
وراحَةُ القلب في الشَّكْوى ولَذَتُهالو أَمكنت لا تُساوي ذلِةَّ الشاكي
قد تمكنت كلمة لو أمكنت فما أحسنها موقعا، وأجملها موضعا، ثم قارن اللذة بالذلة وهما متجانسان.
وقوله:
إِذا حال حالِكُ صِبْغِ الشَّبابسقى عَهْدَه الغيثُ من حائلِ
فماذا الغُرور بِزُورِ الخِضاب لولا التَّعَلُّلُ بالباطل
وقوله من قديم شعره:
أَأَن غَضَّ دَهْرِي من جِماحِيَ أَو ثَنىعِنانَي أَوْ زَلَّتْ بأَخْمَصِيَ النَّعْلُ
تظاهر قَوْمٌ بالشَّماتِ جَهالةًوكم إِحْنَةٍ في الصدر أَبرزها الجهلُ
وهل أَنا إلاّ السَّيْفُ فَلَّلَ حَدَّهقِراعُ الأعادي ثم أَرْهَفَهُ الصَّقْل
وقوله:
لا تُوصِ عند المَوْت إِللا بالوديعة والدّيونِ
وَدَعِ التَّشاغُل بالحُطام كفاكِ شُغْلُك بالمَنون
فَوَصِيَّةُ الأَموات بالأحياء من شُعبٍ الجُنون
وما أحسن بيت المعري:
يُوَصّي الفتى عند المَماتِ كأَنهيَمُرُّ فيَقْضي حاجةً ويعودُ
ورأيته وقد أهدي له دهن البلسان، فسألت عنه، فقال: كتبت إلى المهذب الحكيم ابن النقاش هذه الأبيات على لسان:
رُكْبَتي تَخْدم المهذَّبَ في العِلْموفي كلّ حِكمةٍ وبيانِ
وهي تشكو إِليه تأْثير طولِ الْعُمر في ضَعْفِها وَمَرّ الزمان
فَبِها فاقةٌ إلى ما يُقَوِّيهاعلى مَشْيِها من البَلَسان
كلُّ هذا عُلالةٌ ما لمن حاز الثمانين بالنُّهوض يدان
رَغبةٌ في الحياة من بعد طول العُمْر والمَوْتُ غاية الإنسان
وقوله:
لا تَحْسُدَنّ على البَقاء مُعَمَّراًفالموتُ أَيْسَرُ ما يؤول إليه
وإذا دعوتَ بطول عُمْرٍ لامرئًفاعلم بأَنك قد دَعَوْتَ عليه
وقوله:
يا ربّ عفواً عن مُسيئً خائفٍ ما كان منهُ
مُتَيَقِّن أَنْ سوف يَصْلى النارِ إِن لم تَعفُ عنه
لما أنشدني في الشيب أنشدته لنفسي:
ليلُ الشَّباب تولىّوالشيْب صُبْحٌ تأَلّقْ
ما الشَّيْبُ إِلا غُبارٌمن رَكْضِ عُمري تعَلّقْ
وقلت: ما أظن أني سبقت إلى هذا المعنى. فأنشد لبعضهم بيتين وهما:
قالوا غبارٌ قد عَلاكَ فَقلتُ: ذا غيرُ الغُبارِ
هذا الذي نقل الملوكَ إلى القبور من الديار
قلت: ولكن حققت أنه من غبار ركض العمر، وهو معنى مبتكر.
وحضرت عند الأمير مؤيد الدولة أسامة يوماً آخر بدمشق سنة إحدى وسبعين، فأنشدني قوله في القديم في استدعاء صديقٍ إلى مجلس المنادمة بالموصل وقد غاب عنها:
أَمُهَذَّبَ الدين استمِعْ من عاتبٍلولا وِدادُك لم يَفُهْ بِعتابِ
أَتُطيعُ فيَّ الدهرَ وهو كما ترىيقضي عَلَيَّ بفُرْقة الأَحباب
أَمَلْلَتني وجعلتَ سُكْرك حُجَّةًونهضت أَم لم تستحلَّ شرابي
قَسَماً لئن لم تأْتني مُتَنَصِّلاًمُتَبرِّعاً بالعُذْر والإِعتاب
لأَحُرَمِّنَّ الخَنْدريس وأَغتديمُتَنَسِّماً بالماء والمِحراب
وتَبُوءُ مُعْتَمِداً بإِثْمِ تَنَسُّكيوَبِعابِه، أَعظم به مِنْ عاب
وقوله في الشوق والمكاتبة:
لو أَن كُتْبي بقَدْر الشَّوْقِ واصلةٌتَتَابَعَتْ كَدُموعي أَو كأَنفاسي
وإِن وجدتُ سبيلاً أَو قَدِرَتْ علىخلاص عَقْلِ أَسيرٍ في يد الكاسِ
أَجْرَيْتُ أَسودَ عَيْني فوق أَبيضهابمائها لا مِداداً فوق قِرطاسِ
وقُلتُ للشَّوق يا سَحبانُ أَمْلِ علىيدي، أُعيذُكِ مِنْ عِيّ وإِبلاس
حتى أَبوحَ بما أَشكو إِليك كماباح المريض بَشْكواه إلى الآسي
وقوله في العذار:
أُنظر شَمَاتَةَ عاذلي وسُرورَهبكُسوف بَدْري واشتهار محاقِهِ
غطَّى ظلامُ الشِّعْرِ من وَجَناتهصُبْحاً تُضيءُ الأَرضُ من إِشراقه
وهو الجهول يقولُ هذا عارضٌهو عارضٌ لكن على عُشّاقه
وأنشدني أيضاً لنفسه:
ما أَنت أَوّل مَنْ تناءَتْ دارُهفَعَلامَ قلبُك ليس تخبو نارُه
إِمّا السُّلُوُّ أَو الحِمام وما سِوىهذَيْن قسمٌ ثالث تختاره
هذا وُقوفُك للوَداع وهذهأَظْعان مَنْ تَهْوى وتلك دياره
فاستَبْقِ دمعك فهو أَوَّلُ خاذلٍبعد الفِرَاق وإِن طما تَيّاره
فَذَرِ الدُّموعَ تَقِلُّ عن أَمد النَّوىإِن لم يكن من لُجَّةٍ تَمْتاره
لَيْتَ المطايا ما خُلِقْن فكم دمٍسَفكَتْه يُثْقِلُ غيرَها أَوزراه
ما حَتْفُ أَنفِسنا سواها إنهالَهِيَ الحِمام أُتيح أَو إِنذاره
لو أَنّ كلَّ العِيس ناقةُ صالحٍما ساءني أَني الغَداة قُداره
وتناشدنا بيتاً للوزير المغربي في وصف خفقان القلب وتشبيهه بظل اللواء الذي تخترقه الريح وهو:
كأَنَّ قلبي إِذا عَنّ اذّكاركُمُظِلُّ اللواء عليه الريحُ تَخْتَرِق
فقال الأمير مؤيد الدولة أسامة: لقد شبهت القلب الخافق وبالغت في تشبيهه وأربيت عليه في قولي من أبياتٍ هي:
أَحبابَنا كيف اللقاءُ ودُوَنكُمْعرضُ المَهامِه والفيافي الفيحُ
أَبْكَيْتُمُ عيني دماً لفِراقكمفكأَنّما إِنسانها مجروح
والبيت المشار إليه:
وكأَنّ قلبي حين يَخْطُرُ ذكركُمْلَهَبُ الضَّرام تعاورته الرّيح
فقلت: له صدقت، فإن الوزير المغربي قصد تشبيه خفقان القلب وأنت شبهت القلب الواجد باللهب، وخفقانه باضطرابه عند اضطرامه لتعاور الريح، فقد أربيت بالفصاحة على ذلك الفصيح.
وأنشدني أيضاً من قوله أيام شبابه وهو مُعْتَقَلٌ وقد جرى ذكر الخيال:
ذَكَر الوفاءَ خيالُك المُنْتابُفأَلَمّ وهو بودّنا مُرْتابُ
نفسي فِداؤك من حبيبٍ زائرٍمُتَعَتَّبٍ عندي له الإعتاب
مُسْتَشْرِفٍ كالبدر خَلْفَ حجابِهأَوَ في الكرى أَيضاً عليك حِجاب
ودّي كعهدِك والدّيارُ قريبةٌمن قبل أَن تتقطَّع الأَسباب
ثَبْتٌ فلا طولُ الزّيارة ناقِصٌمنه وليس يزيده الإِغْباب
حَظَر الوفاءُ عليّ هَجْرَك طائعاًوإذا اقُتِسرتُ فما عليّ عِتاب
قلت له أحسنت، وتذاكرنا قول أبي العلاء المعري في الخيال:
لو حَطَّ رحليَ فوق النجم رافعُهأَلفيتُ ثَمَّ خَيالاً منكَ مُنْتَظِري
وأبلغ من هذا في بعد المسافة:
وذكرتُ كم بين العَقِيق إلى الحمىفَجِزْعُت من أَمد النَّوى المُتَطاوِل
وعَذَرْتُ طَيْفَك في الجفاء فإِنهيَسْري فيُصْبِحُ دونَنا بمراحِلِ
ثم أنشدني الأمير أسامة قصيدةً نونية، لنفسه، منها:
مُحَيّاً ما أَرى أَمْ بَدْرُ دَجُنْوبارُق مَبْسِمٍ أَم برقُ مُزْنِ
وثغرٌ أم لآلٍ أَم أَقاحٍوريقٌ أَم رَحيقٌ بنت دَنّ
ولحظٌ أَم سِنانٌ ركّبوهبأَسمرَ من نبات الخَطّ لَدْن
ومنها:
فيا مَنْ منه قلبي في سعيرٍوعيني منه في جَنّاتِ عَدْنِ
إِذا فكَّرتُ في إِنفاق عُمريضَياعاً في هواك قَرَعْتُ سِنّي
وآسَفُ كيف أَخْلَق عهدُ ودّيوآسي كيف أَخلف فيك ظنّي
وأَعجبُ ما لقيتُ من اللياليوأَيُّ فِعالها بي لم يَسُؤْني
تَقَلُّبُ قَلْبِ مَنْ مَثْواه قلبيوجَفْوَةُ مَنْ ضَممتُ عليه جفني
وأنشدني لنفسه من قصيدة:
حتّامَ أَرغبُ في مَودَّة زاهدِوأَروم قُرْبَ الدّار من مُتباعِدِ
وإِلامَ أَلتزمُ الوفاء لغادرٍجانٍ وأُسْهِرُ مُقْلَتَّي لراقد
وأَقول هِجْرَتُه مَخافَةَ كاشحٍيُغْري بنا وحِذَارَ واشٍ حاسِدِ
وأَظُنُّهُ يُبدي الجفاءَ ضَرورةًوإِذا قطيعُته قطيعةُ عامد
يا هاجراً أَفنى اصِطباري هَجْرُهوابتَزَّ ثوبَ تَماسُكي وتَجالُدي
كيف السّبيلُ إلى وِصالك بعدماعَفَّيْتَ بالهِجران سُبْلَ مَقاصدي
ويلومُني في حَمْلِ ظُلْمِك جاهلٌيَلْقى جَوى قلبي بقلبٍ باردِ
يَزْري على صَبْري بصبرٍ مُسْعِدٍويَصُدُّ عن دمعي بطرفٍ جامد
أَتُراك يعطِفُك العِتابُ وقلّمايَثْني العِتابُ عِنانَ قلبٍ شارد
هَيْهات وصْلُك عند عَنْقا مُغْرِبٍورضاك أَبْعدُ من سُهًى وفراقد
وَمِنَ العَناءِ طِلابُ ودٍّ صادقٍمن ماذقٍ وصلاحُ قلبٍ فاسد
وأنشدني لنفسه في الحباب من أبيات:
وقدعلاها حَبابٌكاللؤللؤ المنظومِ
رأَيت شمسَ نهارٍقد رُصِّعتْ بالنُّجوم
واجتمعنا عند الملك الناصر صلاح الدين بدمشق ليلةً، وكان يلعب بالشطرنج، فقال لي الأمير أسامة: أما أنشدك البيتين اللذين قلتهما في الشطرنج. فقلت: هات فأنشدني لنفسه:
أُنْظُر إلى لاعبِ الشِّطْرَنْج يجمعُهامُغالِباً ثم بعد الجمعِ يَرْميها
كالمرءِ يكدحُ للدُّنْيا ويجمعُهاحتى إِذا مات خَلاّها وما فيها
وأنشدني لنفسه، وقد نظمه في غرضٍ له في نور الدين ﵀:
سلطانُنا زاهِدٌ والناس قد زهَدِواله فكلٌّ على الخيراتِ مُنْكَمِشُ
أَيّامُه مثلُ شهِر الصوم طاهرةٌمن المعاصي وفيها الجوع والعطش
وأنشدني لنفسه:
أَأَحْبابنا هَلاّ سَبَقْتُمْ بوَصْلِناصُروفَ اللّيالي قبل أَن نتفرّقا
تشاغلتمُ بالهَجِر والوَصلُ مُمْكِنٌوليس إِلينا للحوادث مُرْتَقى
كأَنّا أَخذنا مِنْ صُروفِ زمانناأَماناً ومن جَوْرِ الحوادثِ مَوْثِقا
وقال:
قمرٌ إذا عاينتُه شَغَفاً بهغَرَسَ الحياءُ بوجْنَتَيْه شَقيقا
وتلهّبتْ خجَلاً فلولا ماؤُهامُتَرَقْرِقا فيها لصار حَرِيقا
وازورّ عني مُطْرِقاً فأَضّلنيأَنْ أَهتدي نحو السُّلُوِّ طريقا
وقال:
صَدَّ عنّي وأَعْرَضاوتناسى الذي مضى
واستمرّ الصدود وانْقطع الوصلُ وانقضى
واختفتْ في الهوى ذُنوبٌ بَدَتْ حين أَبْغضا
صرَّح الآن هَجْرُهلي بما كان عَرَّضا
كلُّ عَيْبٍ يبين في السُّخْط يخفى مع الرِّضا
وإِذا اسُتْعِطف المَلولُ تجنّى وأَعرضا
ليتَ مَنْ مَلّني وأَنْحَل جِسْمي وأَمرضا
عاد بالوصلِ أَو قضىفيَّ بالعدل إِذْ قضى
وقال:
أَقولُ للعينِ في يومِ الوَداعِ وقدْفاضتْ بدمعٍ على الخدَّيْنِ مُسْتَبِقِ
تَزَوّدي اليومَ مِنْ توديِعهم نَظَراًثم افَرُغي في غدٍ للدَّمْعِش والأَرق
وقال في المعنى:
يا عينُ في ساعِة التَّوْديع يَشْغَلُكِ الْبكاء عن آخر التّسْليم والنّظَرِ
خُذي بحَظِّكِ مِنْهمْ قبلَ بَيْنِهِمثم اجهَدي بعدَهُمْ للدَّمْعِ والسَّهَر
وقال:
يا مُدَّعي الصَّبر عن أَحبابه ولهُدَمْعٌ إذا حَنَّ ذِكْراهُمْ يُكَذِّبُهُ
خَلَّفَتْ قلبك في أَرضِ الشآم وقدأَصبحتَ في مصر يا مغرورُ تَطْلُبه
هلاّ غداةَ النّوى استصحبته وإِذا اخْتار المُقامَ فهّلا كنتَ تَصْحَبُه
أَفردتَه بالأَسى في دار غُرْبَتهوعُدتَ لا عُدتَ تَبْكيه وتَنُدُبه
هَيْهاتَ قد حالتِ الأيّام بَيْنَكُمافَعَزِّ نَفْسَك عمّا عَزَّ مَطْلَبه
وقال:
صبري على فَقْدِ إِخواني وفُرْقَتِهمْغَدْرٌ وأَجْمَلُ بي من صَبْرِيَ الجزَعُ
تقاسَمَتْهُمْ نوًى شَطَّتْ بهم ورَدًىفالحيُّ كالمَيْتِ ما في قُرْبِه طَمَعْ
وأَصبحتْ وَحْشَةُ الغَبْراء دونَهُمُمِنْ بَعْدِ أُنْسي بهم والشَّمْلُ مُجْتَمِعُ
وعِشْتُ مُنْفِرداً منهم وأُقْسم مايكاد مُنْفَرِدٌ بالعيش ينَتْفع
وقال:
ما حِيلتي في المَلول يَظْلِمُنيوليس إن جار منه لي جارُ
وِدادهُ كالسَّحاب مُنْتَقِلٌوعهده كالسَّرابِ غَرّارُ
آمَنَ ما كنتُ منه فاجأَنيبغدره والمَلولُ غدّار
عَوْني عليه مدامِعٌ سُفُحٌوزَفْرَةٌ دون حَرّها النار
وقال:
أَصبحتُ لا أَشكو الخطوبَ وإِنماأَشكو زماناً لم يَدَعْ لي مُشْتكى
أَفنى أَخّلائي وأَهلَ مَوَدَّتيوأَباد إِخوانَ الصّفاء وأَهلكا
عاشوا براحَتِهم ومُتُّ لِفَقْدِهمفَعَليَّ يَبْكي لا عليهم مَنْ بكا
وبَقِيتُ بعدَهُمُ كأَنَّي حائرٌبمفَازةٍ لم يَلْقَ فيها مَسْلَكا
وقال:
ونازحٍ في فُؤادي مِنْ هَواه صَدًىلم يُرْوِ غُلَّتَه عَلِّشي ولا نَهَلي
في فيهِ ما في جِنانِ الخُلْد من دُرَرٍومن رُضابٍ ومن خمرٍ ومن عسل
لو كنتُ أَعلمُ أَنّ البين يفجَؤنيرَوَّيْتُ قبلَ النَّوى قَلبي من القُبَل
وقال:
إِن يحسُدوا في السِّلْم مَنزِلتي من العِزّ المُنيفِ
فبما أُهين النَّفْس فييومِ الوغى بين الصُّفوف
ولطالما أَقدمتُ إِقدام الحُتوفِ على الحُتوف
بعزيمةٍ أَمضى علىحدِّش السيوف من السيوف
وقال:
إِلقَ الخُطوبَ إِذا طرقْنَ بقلبِ مُحْتَسِبٍ صبورِ
فسينقضي زمنُ الهموم كما انقضى زمنُ السّرور
فمن المحال دوامُ حالٍ في مدى العُمْرِ القصير
وقال:
بكاءُ مِثْلِيَ مِنْ وَشْك النَّوى سَفَهُوأَمرُ صَبْرِيَ بعد البَيْنِ مُشْتَبِهُ
فما يُسَوِّفُني في قُرْبِهمْ أَمَلٌوليس في اليأس لي رَوْحٌ ولا رَفَه
أُكاتِمُ الناسَ أَشْجاني وأَحِسَبُهاتَخْفى، فيُعْلِنُها الِإْسقامُ والوَلَه
كأَنني من ذُهول الهمّ في سِنَةٍوناظري قَرِحُ الأَجفانِ مُنْتَبِه
أَذنبتُ ثم أَحلتُ الذنبَ من سَفَهٍعلى النَّوى وَلَبِئْس العادُة السَّفَه
أَقمتُ طَوْعاً وساروا ثم أَنَدُبُهمْهلاّ صَحِبْتُ نواهم حيثُ ما اتّجهوا
أضرَّ بي ناظرٌ تدمى مَحاجِرُهوخاطرٌ مُذْ نَأَوْا حَيْرانُ مُنْشَدِه
فما يلائمُ ذا بعد النّوى فَرَحٌولا يروق لهذا منظرٌ نَزِه
سَقُيْاً لدهرٍ نِعْمنا في غَضارتهإذ في الحوادث عما ساءنا بَلَهُ
وعيشُنا لم يخالط صفوَه كَدَرٌوودُّنا لم تَشُبْ إِخلاصَه الشُّبَه
مضى وجاء زمانٌ لا نُسَرٌّ بهكلُّ البريَّةِ منه في الذي كرهوا
وقال في الزهد:
مَثُوبةُ الفاقِد عن فَقِدهبصبره، أَنفعُ مِنْ وَجْدِه
يَبْكيه في حُزْنٍ عليه فهليَطْمَعُ في التّخليد منْ بَعْدِه
ما حيلةُ النّاس وهل مِنْ يدٍلهمْ بدفع الموت أو صَدِّه
وُرودُه لا بدّ منه فمايُنْكَرُ مالا بُدَّ مِنْ وِرْده
سِهامُه لم يَسْتَطِعْ رَدَّهاداوودُ بالمُحْكَمِ من سَرْدِه
ولا سليمانُ ابْنُه ردَّهابِمُلْكِه والَحْشِد من جُنْدِهِ
عَدْلٌ تساوى الخَلْقُ فيه فمايُمَيَّزُ المالِكُ من عبده
كلٌّ له حَدٌّ إِذا ما انتهىإِليه وافاه على حَدِّه
تجمعُنا الأرضُ وكلُّ امرئٍفي لحده كالطفل في مَهده
أَما ترى أَسلافنا عَرّسوابمنزلٍ دانٍ على بُعْدِه
تَبَوّءوا الأرضَ ولم يُخبِرواعن حَرِّ مَثْواهُمْ لا بَرْدِه
لو نطَقوا قالوا التُّقى خيرُ ماتَزَوَّد العبدُ إلى لَحدِه
فارجِع إلى الله وثِقْ بالذيأتَاك في الصّادقِ مِنْ وعده
للصابرين الأَجرُ والأَمْنُ مِنْعذابه والفوزُ في خُلْده
وقال:
أَيُّها المَغْرورُ مَهْلاًبَلَغَ العُمْرُ مَداهُ
كم عسى مَنْ جاوز السبعين يبقى كم عساه
أَنَسِيتَ الموتَ أَم، أَمَّنَك الله لظاه
تظِلمُ الناسَ لِمَنْ ترجوه أو تخشى سطاهُ
أَنت كالتَّنور يَصْلى النار في نفع سِواه
وقال يرثي ولداً له:
أَزور قبرك والأشجانُ تمنعُنيمِنْ أَن أَرى نَهْجَ قَصْدي حين أَنصرفُ
فما أَرى غير أَحجارٍ مُنَضَّدَةٍقد احْتَوَتْكَ ومأْوى الدُّرَّةِ الصَّدَفُ
فأَنْثنى لستُ أَدري أَين مُنْقَلَبيكأَنّني خائف في الليل يَعْتَسِف
إِن قصّر العُمْرُ بي عن أَن أَرى خَلَفاًله ففي الأَجر عند الله لي خَلَف
أَقول للنفس إِذ جدَّ النِّزاعُ بهايا نفسُ ويَحْكِ أَين الأهلُ والسَّلف
أَليس هذا سبيل الخَلْق أَجمِعِهموكلُّهُم بوُرودِ الموت مُعْتِرف
كم ذا التأَسُّفُ أم كم ذا الحنين وهليَرُدُّ مَنْ قَدْ حواه قَبْرُه الأَسَف
وقال:
تَقَلُّبُ أَحوالِ الزّمان أَفادنيجميلَ الأسى في يَنُوب من الخَطْبِ
إِذا حَلَّ ما لا يُستطاع دِفاعُهفما أَجملَ الصبرَ الجميل بذي اللُّبّ
وقال:
صَبْراً لأَيامٍ تناهتْ في مُعاندتي وعَضّي
فالدَّهْرُ كالميزان مايَنْفكُّ مِنْ رفعٍ وخَفْضِ
هذا مع الأَفْلاكِ مُرْتفعٌ وذا بحَضيض أَرْضِ
وإِلى الفناء جميعُ مَنْخَفَضَتْه أَو رَفَعَتْهُ يُفْضي
وقال:
أَرجأْتُ كُتْبي إِلى حين اللقاءِ فقدأَكْدى رَجائي وزاد الشوقَ إِرجائي
وأَلجأَتْني إِلى صبري مَوانِعُ أَيّامي فلم يُسْلِني سَعْي وإِلجائي
حتى أَحاطَتْ بيَ الأشواقُ واشْتملتْعليَّ واسْتحوذَتْ مِنْ كل أَرجائي
فهل سبيلٌ إِلى قُربٍ يُميط شَجَاصَدْري فقد طال تَبْريحي وإِشجائي
وقال:
حُسْنْ التّواضعُ في الكريم يَزيدُهفَضْلاً على الأَضْراب والأَمْثالِ
يكْسُوه مِنْ حسن الثَّناءِ مَلابِساًتَنْبو عن المُتَرَفِّع المُخْتال
إِنّ السيول إِلى القَرارِ سَريعةٌوالسّيْل حَرْبٌ للمكان العالي
وقال وكتب بها إلى ولده الأمير مرهف من حصن كيفا جواباً عن كتاب أنفذه إليه مع مستميحٍ لم يتمكن من بلوغ مآثره من بره:
أَبا الفوارس ما لاقْيتُ من زمنيأَشدَّ من قَبضِه كَفّي عن الجُودِ
رأى سَماحي بِمَنْزورٍ تجانفَ ليعنه وُجُودي به فاجْتاح مَوْجُودي
فِصرْتُ إِن هَزّني جانٍ تَعَوَّدَ أَنْيَجْني نَدَايَ رآني يابِسَ العُود
وقال في المعنى:
أَبا الفوارس إِن أَنكرتَ قَبْضَ يَديمِنْ بعد بَسْطَتِها بالجُودِ والكَرَمِ
فالذَّنْبُ للموتِ أَرجاني إِلى زَمنٍغَلَّتْ أَكُفَّ النّدى بُؤْساه بالعَدَم
وقال:
حَذَّرَتْني تَجارِبي صُحْبَةَ العلَمَ حتّى كَرِهْتُ صُحْبَة ظّلِي
ليس فيهم خِلٌّ إِذا ناب خَطْبٌقلتُ ما لي لدِفَعْه غيرُ خِلّي
كُّلُهْم يَبْذُل الوِداد لدى اليُسْرولكنهم عِدىً للمُقِلِّ
فاعْتَزِلْهُم ففي انفرادِك مِنْهُمراحةُ اليَأْسِ من حِذار وذُلٍ
وقال:
سُقُوفُ الدُّورِ في خَرْبِرْتَ سُودٌكَسَتْها النّارُ أَثوابَ الحِدادِ
فلا تَعَجبْ إذا ارتفعتْ علينافلِلْحَظِّ اعتناءٌ بالسَّواد
بياضُ العَيْنِ يكسُوها جَمالاًوليس النّورُ إلاّ في السَّواد
ونور الشَّيْب مكروهٌ وَتْهوىسوادَ الشَّعْرِ أَصنافُ العِباد
وطِرْسُ الخطِّ ليس يُفيدُ عِلْماًوكلُّ العِلْم في وَشْي المِداد
وقال يرثي ولده عتيقاً:
غالَبَتْني عليك أَيدي المَناياولها في النّفوس أَمرٌ مُطاعُ
فَتَخَلَّيْتُ عنك عَجْزاً ولو أَغنى دِفاعي لطال عنك الدِّفاعُ
وأَرادتْ جَميلَ صَبْري فرامَتْمَطْلباً في الخُطوب لا يُسْتطاع
وقال فيه:
كلما امتدّ ناظري ردّهُ الدَّمْعُ حَسِيراً عن أَن يرى لكَ شِبْها
لم يَرُقْني مِنْ بعد فَقْدِك مَرْأًىفيه للعَيْنِ مُسْتَرادٌ وَمْلهى
كنتَ عندي أَلذَّ مِنْ رَغَد العَيْشِ وأَحلى من الحياة وأَشهى
وقال في مدح الملك الناصر صلاح الدين سلطان مصر والشام واليمن:
سَمِعَتْ صُروفُ الدَّهْرِ قولَ العاتِبِوَتَجَنَّبَتْ حَرْبَ المَليكِ الحارِبِ
وَتجافتِ الأيّامُ عن مَطْلوبهومُرادِه، أَكْرِمْ به من طالب
هُوَ مَنْ عَرَفْنَ فلوْ عَصاهُ نهارُهلرماه نَقْعُ جُيوشِه بَغياهِب
وإِذا سَطا أَضْحَتْ قلوبُ عُداتِهتُلْوى كَمِخْراقٍ بِكَفَّيْ لاعِبِ
مَنْ ذا يُناوي النّاصرَ المَلك الذيفي كفه بَحْراً ردًى ومَواهِب
وإِذا سرى خِلْتَ البَسيطَة لُجَّةًأَمواجُها بَيْضٌ وبيضُ قَواضِب
مَلَكَ القُلوبَ مَحَبَّةً وَمهابةًفاقتادَها طَوْعاً بَهْيَبِة غاصِب
وله في الشيب والانحناء والعصا:
حَنانيَ الدَّهْرُ وأَبلَتني اللّيالي والغِيَرْ
فصِرْتُ كالقَوْسِ وَمِنْعَصَايَ للقوْسِ وَتَرْ
أَهْدِجُ في مَشْي وفيخَطْوي فُتورٌ وَقِصَر
كأَنني مُقَيَّدٌوإِنّما القَيْدُ الكِبَرُ
والعُمْرُ مِثْلُ الماء فيآخره يأْتي الكَدَر
وله في الخيال:
يا هاجِراً راضياً وغَضْباناومُعْرِضاً هاجِداً ويَقْظانا
هَجَرْتَ إِمّا لِهَفْوَةٍ فَرَطَتْمنّي وإِمّا ظُلْماً وعُدْوانا
طَيْفُك ما باله يُهاجِرنيمَنْ أَعْلَمَ الطَّيْفَ بالذي كانا
وله:
يُهَوِّنُ الخطبَ أَنَّ الدهرَ ذُو غِيَرٍوأَنّ أَيامَه بَيْنَ الوَرى دُوَلُ
وأَنّ ما ساء أَو ما سَرّ مُنْتَقِلٌعنّا وإِلاّ فإنّا عنه نَنْتَقِل
وله:
تناسَتْنِيَ الآجالُ حتى كأَنّنيرَذِيَّة سَفْرٍ بالفَلاةِ حَسِيرُ
ولمّا تَدَعْ مِنْي الثّمانُون مُنَّةًكأَني إِذا رُمْتُ القِيام كَسِيرُ
أُودّي صَلاتي قاعداً وسُجودُهاعليَّ إِذا رُمتُ السُّجودَ عَسير
وقد أَنذرتْني هذه الحالُ أَننيدَنَتْ رِحْلَةٌ مني وحان مَسِير
وله من قصيدةٍ يصف ضعفه في كبره من قطعة:
فاعجبْ لضعفِ يدي مِنْ حملِها قلماًمِنْ بعد حَطْمِ القَنا في لَبَّةِ الأسَدِ
وأنشدني أيضاً لنفسه:
ليَ مَوْلىً صَحِبْتُه مَذْهَب العُمْرِ فلَمْ يَرْعَ حُرْمَتي وذِمامي
ظنّني ظِلَّه أُصاحِبُه الدَّهْرَ على غير نائلٍ واحترام
فافْترقنا كأَنّه كان طَيْفاًوكأَني رأَيْتُه في المنامِ
وللأمير مجد الدين مؤيد الدولة ابن منقذ في مدح الملك الناصر:
لَهْفي لِشْرخِ شَبِيبتي وزَمانيوتَرَوُّحي لفُتُوَّةٍ وطِعانِ
أَيّامَ لا أُعطي الصَّبابَة مِقْوَديأَنَفاً، ولا يَثْني الغَرامُ عِناني
وإذا اللّواحي، في تَقَحُّمِيَ الوَغىلا في المُدامِ ولا الهوى تَلْحاني
وإِذا الكُماةُ على يقينٍ أَنَّهُمْيَلْقى الرَّدى في الحرب مَنْ يَلْقاني
أَعْتَدُّهُمْ وهُمُ الأُسُود فرائِسيفهمُ دَرِيئةُ صارِمي وسِناني
والأُسْدُ تلقى مِثْلها مني إِذالاقَيْتُها بقُوى يدٍ وجَنانِ
كم قد حَطَمْتُ الرُّمْحَ في لَبّاتِهافَتَرَكْتُها صَرْعى على الأَذقان
حتى إذا السَّبْعُون قَصَّرَ عَشْرُهاخَطْوي وعاث الضَّعْفُ في أَركاني
أَبْلَتْنِيَ الأيّامُ حتى كلَّ عَنْضَرْبِ المُهَنَّدِ ساعِدي وَبناني
هذا وكمْ للدّهرِ عندي نَكْبَةٌفي المال والأَهلين والأوطان
نُوَبٌ يَروض بها إِبايَ وقد عَساعُودي فما تَثْنيه كَفُّ الحاني
لا أَستكينُ ولا أَلينُ وقد بَلافيما مضى صَبْري على الحِدْثان
فالآن يطمَع في اهتضامي إنهقد رام أَمراً ليس في الإِمكان
والناصرُ الملك المُتَوَّجُ ناصِريوعُلاه قد خَطَّتْ كتابَ أَماني
قد كنتُ أَرهَبُ صَرْفَ دَهْري قبلَهفأَعاد صَرْفَ الدَّهْرِ من أَعواني
أَنا جارَه ويدُ الخُطوبِ قصيرةٌعن أَن تنال مُجاوِرَ السُّلطْان
مَلكٌ يَمُنُّ على أسارى سَيْبِهفيُعيدهُم في الأَسر بالإِحْسان
خَضَتْ له صِيْد المُلوكِ فِمِنْ بُرىأَقلامِه غُرَرٌ على التيجان
مَلأَ القلوبَ مَحبَّةً وَمهابةًفَخَلَتْ من البغضاء والشَّنَآن
لي منه إِكرامٌ عَلَوْتُ به علىزُهْرِ النُّجوم ونائلٌ أَغناني
قَرَنَ الكَرامَة بالنَّوالِ مُوالياًفعَجِزَتْ عن إِحصاء ما أَولاني
فَنَداهُ أَخْلَفَ ما مضى مِنْ ثَرْوَتيوبقاؤه عن أُسْرتي أَسْلاني
فَلأَهْدِيَنَّ إِلى عُلاه مَدائحاًتَبْقى على الأَحْقاب والأَزْمان
مِدَحاً أَفوقُ بها زُهَيْراً مثْلَمافاقَ المليكُ الناصرُ ابنَ سِنان
يا ناصِرَ الإِسلام حينَ تخاذَلَتْعنه الملُوك ومُظْهِرَ الإِيمان
بك قد أَعزّ اللهُ حِزْبَ جُنودِهوأَذَلَّ حِزْبَ الكفرِ والطُّغْيان
لمّا رأَيْتَ النّاسَ قَدْ أَغواهمُ الشّيْطانُ بالِإلْحادِ والعِصْيانِ
جَرَّدْتَ سَيْفَكَ في العِدى لا رَغْبَةًفي المُلكِ بل في طاعِة الرَّحمانِ
فضربْتَهم ضَرْبَ الغرائب واضِعاًبالسَّيْفِ ما رفعوا من الصُّلْبان
وغَضِبتَ للهِ الذي أَعطاك فَصْلَ الحُكْمِ غِضْبَةَ ثائرٍ حَرَّان
فقتلتَ مَنْ صَدَق الوَغى ووسَمْتَ مَنْنجَّى الفِرارُ بِذِلَّةٍ وهَوان
وبذلتَ أمَوالَ الخَزائن بعد ماهَرِمَتْ وراء خَواتمِ الخُزَّان
في جمع كلِّ مُجاهدٍ ومُجالِدٍومبارزٍ ومُنازِلِ الأَقران
من كلِّ مَنْ يَرِدُ الحروبَ بأَبيضٍعَضْبٍ ويصْدُرُ وهو أَحْمَرُ قان
ويخوض نيران الوغى وكأنّهظَمْآنُ خاضَ مَوارِدَ الغُدْران
قومٌ إِذا شِهدوا الوغى قال الورىماذا أَتي بالأُسْدِ مِنْ خَفّان؟
لوْ أَنهم صَدَموا الجبال لَزَعْزَعواأَركانها بالبِيض والخِرْصان
فهمُ الذّخيرةُ للوقائع بالعِدىولفتحِ ما اسْتَعْصى من البُلدان
أَنت الذي علمتهمفارس الفرسان
فاسلم مدى الأيام يا مَنْ ما لهثان
واسْعَد بشهر اللِه فهو مُبَشِّرٌلعُلاكَ بالتَّأْييد والغُفْران
في دَوْلةٍ عَمَّتْ بنائلها الورىفدعا لها بالخُلْدِ كلُّ لِسان
وله في الهزل:
خَلَعَ الخَليعُ عِذاره في فِسْقِهحتى تَهَتَّك في بُغًي ولِواطِ
يأْتي ويُؤْتى ليس يُنْكِر ذا ولاهذا كذلك إِبرُة الخيّاط
وله:
يا عاتِبينَ عِتابَ المُسْرتيب لنالا تَسْمَعوا في الهوى ما تَدّعي التُّهَمُ
مَنْ لي بأَنّ بَسيطَ الأَرض دوَنكُمُطِرْسٌ وأَنّيَ في أَرجائه قَلَم
أَسعى إِليكم على رأَسي ويمنعنيإِجلاليَ الحُبَّ أَنْ يَسْعى بيَ القَدَم
وله قصيدة مشهورة كتبها إلى دمشق بعد خروجه منها إلى مصر في زمان بني الصوفي كتبها إلى الأمير أنر، ويشير إلى بني الصوفي، أنشدنيها لنفسه وهي ذات تضمين:
وَلُوا ولمّا رَجَوْنا عَدْلَهُمْ ظَلَموافليتَهُمْ حَكَموا فينا بما عَلمِوا
ما مَرّ يوماً بفكري ما يَريُبُهمُولا سعتْ بي إلى ما ساءُهمْ قَدَمُ
ولا أَضَعْتُ لهم عهداً ولا اطّلَعَتْعلى ودائعهم في صَدْرِيَ التُّهَم
فليتَ شِعْري بِمَ استْوجَبْتُ هَجْرَهُمُمَلُّوا فَصَدَّهُمُ عن وَصْلِيَ السَّأَم
حَفِظْتُ ما ضَيَّعُوا أَغضيْتُ حينَ جَنَوْاوَفَيْتُ إِذ غدروا واصلتُ إذْ صَرَموا
حُرِمْتُ ما كنتُ أَرجو مِنْ وِدادِهمُما الرّزقُ إلّا الذي تَجْرِي به القِسَم
مَحاسِني مُنْذُ مَلُّوني بأَعْيُنِهِمْقَذًى وِذكرِيِ في آذانِهمْ صَمَم
وبعدُ لوْ قيلَ لي ماذا تُحِبّ وماهَواكَ من زِينة الدُّنْيا لقلتُ هُمُ
هُمُ مجالُ الكَرى من مُقْلَتَيَّ ومنقلبي مَحَلُّ المُنى جارُوا أَوِ اجْتَرَمُوا
تَبَدَّلُوا بي ولا أَبغي بهم بَدَلاًحسبي هُمُ أَنصفوا في الحُكمِ أَو ظلموا
يا راكِباً تَقْطَعُ البْيداَء هِمَّتُهوالعِيسُ تعِجَزُ عمّا تُدْرِكُ الهِمَمُ
بَلِّغْ أَميري مُعينَ الدّين مَأْلُكَةًمِنْ نازح الدار لكن ودُّه أَمَم
وقُلْ له أَنتَ خَيْرُ التُّرْك فَضَّلَك الْحياء والدّينُ والإِقدام والكَرَم
وأَنتَ أَعدلُ من يُشْكي إِليه وليشَكِيَّةٌ أَنت فيها الخصمُ والحَكَمُ
هَلْ في القضّية يا مَنْ فَضْلُ دَوْلَتهِوعدلٌ سيرته بين الورى عَلَم
يضيعُ واجِبُ حقّي بعد ما شَهِدَتْبه النّصيحةُ والإخِلاصُ والخِدَم
وما ظنَنْتُك تنسى حقَّ مَعْرِفتيإِن المعارف في أَهل النُّهى ذِمَم
ولا اعتقدتُ الذي بيني وبينك مِنْودٍّ وإِن أَجلب الأعداءُ ينَصَرِم
لكن ثِقاتكُ ما زالوا بعَتْبِهِمُحتَّى استوتْ عندك الأنوارُ والظُّلَم
باعُوك بالبَخْس يَبْغُون الغِنى ولهمْلَوْ أَنَّهم عَدِمُوك الوَيْلُ والعَدَم
وللهِ ما نصحوا لما استشرتَهُمُوكلُّهمْ ذو هوًى في الرأي مُتَّهَم
كم حَرَّفوا من مَعانٍ في سَفِارتَهِمِوكم سَعَوْا بفسادٍ ضَلّ سَعُيُهُم
أَين الحِمَيَّةُ والنفسُ الأَبِيَّةُ إِذسامُوكَ خُطَّةَ خَسْفٍ عارُها يَصِم
هَلاّ أَنِفْتَ حياء أَو مُحافظةًمن فعل ما أَنكرته العُرْبُ والعَجَم
أَسْلَمْتَنا وسُيوفُ الهندِ مُغْمَدَةٌولم يُرَوِّ سِنان السَّمْهَرِيِّ دَم
وكنتُ أَحسِبُ مَنْ ولااك في حَرَمٍلا يعتريه به شَيْبٌ ولا هَرَم
وأَنَّ جارك جارٌ للسَّمَوْأَلِ لايَخْشى الأعادي ولا تَغْتالُه النِّقَم
وما طُمانُ بأَوْلى من أُسامةَ بالْوفاءِ لكن جرى بالكائن القلمُ
هَبْنا جَنَيْنا ذُنوباً لا يُكَفِّرُهاعُذْرٌ فماذا جَنى الأطفالُ والحُرَمُ
أَلقيتَهُمْ في يد الإِفْرَنْج مُتَّبِعاًرضى عِدًى يُسْخِط الرَّحْمنَ فِعْلُهُم
هُمُ الأعادي وقاك اللهُ شَرَّهُمُوهمْ بَزْعِمهمُ الأعوانُ والخَدمَ
إذا نهضتَ إِلى مَجْدٍ تُؤَثِّلُهُتقاعدوا، فإِذا شَيَّدْتَه هَدَموا
وإِن عَرَتْكَ من الأَيّام نائبةٌفكُلُّهُمْ للذي يُبْكيك مُبْتَسِم
حتّى إِذا ما انْجَلَتْ عنهم غَيابتَهُابِحَدِّ عَزْمِك وهو الصّارِمُ الخَذِم
رَشَفْت آخر عَيْشٍ كُلُّه كَدرٌوَوِرْدُهُمْ مِنْ نَداك السَّلْسَلُ الشَّبِم
وإِن أَتاهُمْ بقَوْلٍ عنك مُخْتَلَقٍواشٍ فذاك الذي يُحْبى وُيْحَتَرم
وكُلُّ مَنْ مِلْتَ عنه قَرَّبوه وَمَنْوَالاكَ فَهْو الذي يُقْصي ويُهْتَضَم
بَغْياً وكُفْراً لِما أَوْلَيْتَ مِنْ مِنَنٍ وَمَرْتَعُ البَغْي لولا جَهْلُهُمْ وَخِم
جَرِّبْهُمُ مِثْلَ تجريبي لِتَخْبُرَهُمْفللرّجال إِذا ما جُرّبوا قِيَمُ
هل فيهمُ رُجُلٌ يُغْني غِنايَ إِذاجَلَّى الحوادثَ حَدُّ السَّيْفِ والقلم
أَمْ فيهُم مَنْ له في الخَطْبِ ضاق بهذَرْعُ الرجال يَدٌ يَسْطو بها وَفَمُ
لكنّ رأيَك أَدْناهُمْ وأَبْعدنيفلَيْتَ أَنّا بقدر الحُبّ نَقْتَسِم
وما سَخِطْتُ بِعادي إذْ رضِيتَ بهوما لِجُرْحٍ إذا أَرضاكم أَلم
ولستُ آسى على التَّرْحال من بلدٍشُهْبُ البُزاةِ سَواءٌ فيه والرَّخَم
تعلَّقَتْ بحبال الشَّمْسِ فيه يديثم انثنتْ وهي صفْرٌ مِلْؤُها نَدَم
فاسلم فما عشْتَ لي فالدَّهْرُ طَوْعُ يديوكلُّ ما نالني من بُؤْسِه نِعَم
وأردت أن أورد من نثره ما يزهر فجره ويبهر سحره، فوجدت له جواب كتابٍ كتبه القاضي الفاضل ابن البيساني إليه من مصر عند عوده إليها ونحن بدمشق سنة إحدى وسبعين، وأثبت أولاً الرسالة الفاضلية وهي أديبة غريبة، صنيعةٌ بديعة، جامعة للدرر، لامعة بالغرر، وهي: وصل كتاب الحضرة الشامية الأجلية، المؤيدة الموفقة المكرمة، مجد الدين، قدوة المجاهدين، شيخ الأمراء، أمين العلماء، مؤيد الدولة، عز الملة، ذات الفضيلتين، خالصة أمير المؤمنين، لا زالت رياض ثنائها متناوحة، وخطرات الردى دونها متنازحة، والبركات إلى جانبها متوالية، والليالي بأنوار سعادتها متلالية، والأيام الجافية، عن بقية الفضل بها متجافية، وأحكامها الهافية، تاركةً للمجد فيها فئةً تتحيز إليها المكرمات إذا لم يكن لها فيه. فأنشده ضالة هوى كان لنشدانها مرصدا، ورفع له ناراً موسويةً سمع عندها الخطاب وآنس الخير ووجد الهدى، وكانت نار الغليل، في فؤاده بخلاف نار الخليل، فإنها لا تقبل ندى الأجفان بأن يكون برداً وسلاما، ولا ترى بمائها إلا أضرى ما كانت ضراما، وشهد الله حوالةً على علمه بما هو فيه، لا إحالةً بما يخالفه الضمير وينافيه، ولقد كان العبد ناكس الرأس خجلاً، غضيض الطرف حياء، مقيد النظر إطراقاً، حصر القول تشورا منه، فارقها على تلك الصفة فلا هو قضى من حقها فرائض لزمت، والله وتعينت، ولا الضرورة في مقامها بحيث تبلغه أنسها أذنت، ولا مدت هذه الطيفية والسحابة الصيفية بالنوى المستأنفة ما اقتربت، ولا الأيام بالبعد ما أساءت فإنها بالقرب ما أحسنت:
وإن امرءًا يَبْقى على ذا فؤادُهويُخْبِرُ عنه إِنه لصبور
ويعود إلى ذكر الكتاب الكريم، وسجد لمحرابه وسلم، وحسب سطوره مباسم تبسم، ووقف عليه وقوف المحب على الطلل يكلمه ولا يتكلم، وهطل جفنه وقد كان جمادى ودمعه وقد كان على صفحة المحرم، وجدد له صبابةً لا يصحبها أمل، وخاف أن لا يدرك الهيجاء حمل، وقال الكتاب:
إنّا مُحَبُّوكَ فاسْلَمْ أَيُّها الطَلَلُ
وعز والله عليه أن يدخل كاتبه القلوب ويخرج من المقل، وأنشد نيابةً عنها:
وإِن بلاداً ما احْتَلتْ بي لعاطِلٌوإنّ زماناً ما وفى لي لَخَوّانُ
وما يحسب العبد أن الملك يعجزعن واحدٍ وهو بالورى مستقل، وأن السحاب يعرض عن ذكي الروض وهو على الفلا مستهل.
ولقد كتب في هذا المعنى بما يرجو أن لا يرجا، وأنهى منه ما اقتضى الصواب أن ينهى، والله المسؤول لها في عاقبةٍ حميدة، وبقيةٍ من العمر مديدة، فإنها الآن نوح الأدب وطوفانها العلم الذي في صدرها، ولا غرو أن يبلغ عمره بعمرها، على أن يتحقق خلودها في الجنة بعملها، وفي الدنيا بذكرها، فإن الدارين يتغايران على عقائل فخرها، ولا يتعيران عن إجرائها على رفع قدرها، وعلى أنها طالما أقامت الحد على الدنيا السكرى حتى بلغت في حدها من العمر الثمانين، وآذنت الأيام بسلاح الحرب من سيفها وسلاح السلم من قلمها تأديب الجانين، وما حملت العصا بعد السيف حتى ألقت إليها السلم فوضعت الحرب أوزارها، ولا استقلت بآية موسى إلا لتفجر بها أنوار الخواطر وتضرب بحارها، وما هي إلا رمحٌ وكفى بيدها لها سنانا، وما هي إلا جواد يجنب السنين خلفها فتكون أناملها لها عنانا.
وعلى ذكر العصا فإن تيسر الكتاب المجموع فيها حسب أنه ثانية العصا، وأضيف إلى محاسنها التي لا تحصى أو يحصى الحصا.
وكان من مدةٍ قد شاهد بحلب كتباً بخط المولى الولد دلت على مضضٍ ومرض، ولعله الآن قد عوفي من الأمرين، وقرت بوجهه العين، وجددت عهداً بنظره، وقرت عليها لسانه إسناد خبره، وبلت غلة الحائم، ورأت منه هلال الصائم، وطالعها وجه الزمان المغضب منه بصفحة المباسم، وفي مواعيد الأنس منه الضامن الغارم، وهو يسلم عليه تسليم الندى على ورق الورد، ويستثمر الوفاء من غرس ذلك العهد، ولكتاب الحضرة العالية من الخادم موقع الطوق من الحمام يتقلد فلا يخلع، ويعجبها فلا تزال تسجع، بحلبه طوقاً على الأسى إلا أنه بدر الدمع مرصع، ولا يمنعه منه شعار السرور أن يحزن لفرقتها ويجزع، فإذا أنعم به فمع ثقةٍ ويخشى أن يكون هذا الشرط له قاطعا، بل مع من اتفق فإنه كالمسك لا يدعه العرف الضائع أن يكون ضائعاً:
أُكْتُبه تكتبْ لي أَماناً ماضياًوابعثه تبعث لي زماناً راجعا
إِن أَشتريه بِمُهجتي فقليلةٌفاسمَح به فمتى عرَفْتُك مانعا
وجواب مؤيد الدولة، وقرأته عليه فسمعه:
وَصَل الكتابُ أَنا الفِداءُ لِفْكَرةٍنَظَمَتْ نفيسَ الدُّرِّ فيه أَسْطُرا
وَفَضَضْتُه عن جَوْنَةٍ فتأَرَّجَتْنَفَحاتُه مِسْكاً وفاحَتْ عَنْبرا
وأَعدْتُ فيه تأَمُّلي مُتَحيِّراًكيف استحال اللفظُ فيه جَوْهرا
الخادم يخدم المجلس العالي الأجلي الأوحد الصدر الفاضل، فضله الله برفع درجاته في الجنان، كما فضله بمعجز البلاغة والبيان، وبلغه من الخيرات أمله، وختم بالحسنى عمله، وجمل ببقائه الدنيا، وأجزل حظه من رحمته في الأخرى، بسلامٍ يغاديه نشره ويرواحه، ودعاءٍ لا يحجب عن الإجابه صالحه، وثناءٍ يضيق عن حصر فضائله منادحه، وما عسى أن يقول مطريه ومادحه، والفضل نغبةٌ من بحره الزاخر، وقطرةٌ من سحابه الماطر، تفرد به فما له من نظير، وسبق من تقدمه في زمانه الأخير، فتق عن البلاغة أكماماً تزينت الدنيا منها بالأعاجيب، وأتى بآيات فصاحةٍ كادت أن تتلى في المحاريب، إذا استنطقت ازدحمت عليه العقول والأسماع، ووقع على الإقرار بإعجازها الاتفاق والإجماع، فسبحان من فضله بالبلاغة على الأنام، وذلل له بديع كلامٍ ما كأنه من الكلام، تعجز عن سلوك سبيله الأفهام، وتحار في إدراك لطف معانيه الأوهام، هو سحرٌ لكنه حلال، ودرٌ إلا أن بحره حلوٌ سلسال.
ولا يظن، أدام الله ببقائه جمال الزمان وأهله، ويسر له إظهار مكتوم فضله، أن الخادم يسلك سبيل النفاق في مقاله، ولا إعارة شهادةٍ في وصف كماله، لا والله ما ذلك مذهبه، ولا هو مراد المجلس العالي ولا أربه، ولكنها شهادة ولا يحل كتمها، وقضيةٌ جرى بقول الحق فيها حمكها، ولولا أن الخادم قد بقي فيه أثرٌ من إقدام الشباب، لأحجم عن إصدار كتابٍ أو رد جواب، لكنه على ثقةٍ من كريم مساهلة المجلس العالي وحسن تجاوزه، ويقينٍ أن فضله جدير بستر نقص الخادم وسد معاوزه، وهو يضرب عن ذكر ما عنده من الشوق إلى كريم رؤيته، والوحشة بمحبوب خدمته، ويقتصر على ما قاله زهير:
إن تُمْسِ دارُهُم منّي مُباعَدةًفما الأَحبّةُ إلا هُمْ وإِنْ بَعُدوا
فأما ما أنعم به من ذكر الخادم في مطالعاته، فهو كذكر موسى أخاه هرون ﵇ في مناجاته، ولا سواء، موسى ذكر شقيقه، والمجلس العالي ذكر رفيقه، وهذه اليد البيضاء مضافةً إلى سالف أياديه، مقابلةٌ بالاعتراف بالمنة لساميه، فلقد شرفه بذكره في ذلك المقام العالي، وإن كان لا يزال على ذكر الإنعام المتوالي، تقريب مالك رقه وإكرامه قد شرفاه، وإنعامه قد أغناه عن الخلق وكفاه، وإن سأله أجاب سؤاله، بما يحقق رجاءه وآماله، وإن أمسك عن غنى فضله بفضله، فاجأه بتبرع مواهبه وبذله، فالخادم من تشريف مالك رقه ذو تاج وسرير، ومن غزير إنعامه في روضةٍ وغدير، وذلك ببركات المجلس العالي ويمن نقيبته، وجميل رأيه في الخادم وحسن نيته، لكن يشوب ما هو فيه من إنعام لم تبلغه أمانيه أسفٌ قد أقض لين مهاده، وسلك من القلب حبة سواده، على ذاهب عمره، وقوة أسره، إذا لم يكن أبلاهما في خدمة مالك رقه، وبذل رأسه بين يديه إبانةً عن صحة ولائه وصدقه، والخادم يتسلى عما فاته من الخدم في المهم، بخدمته بصالح دعائه في الليل المدلهم، والله سبحانه يتقبل من الخادم فيه صالح دعائه، وينصره على جاحدي نعمائه، بمحمدٍ وآله.
فأما ما أنعم به من ذكر أصغر خدمه مرهف فهو يخدم بتقبيل قدمه، والخادم يقول ما قاله أبو الفتيان ابن حيوس عن خدمة أبو الحسن ﵀ لمحمود بن صالح.
على أَنه لا فُلَّ غَرْبُ لسانهمَدى الدَّهْرِ لا يَحتاجُ مِنّي مُتَرْجما
وهو يقوم بالجواب عن شريف الاهتمام، وجزيل الإنعام.
وأما ما تطول به من ذكر كتاب العصا وشرفه، حتى توهم أنه أحسن فيما صنفه، وعند وصوله من ديار بكر، لا يلقي عصا تسياره إلا بمصر، يقتفي أثر عصا الكليم، إلى جنابه الكريم، إلا أنه آية إقراره بالربوبية لفضله وإفضاله، ساجدٌ سجود السحرة لتعظيمه وإجلاله، يتلقف من إنعامه حسن التجاوز عن نقصه، ويعوذ بكرمه من منافثة علمه وفحصه، وتشريف الخادم ولو بسطرٍ واحدٍ عند خلو البال، والفراغ من مهم الاشتغال، يرفع من قدره، ويوجده أنه بالمكان المكين من حسن ذكره ورأيه، أدام الله أيامه في ذلك أعلى إن شاء الله تعالى.
وكتب إلي وقد رحلنا من دمشق في خدمة الملك الناصر إلى حلب في شوال سنة إحدى وسبعين:
عِمادَ الدين أَنت لكل داعٍدعاك لِعَوْنه خيرُ العِمادِ
تقومُ لنصره كرَماً إذا ماتقاعد ذو القَرابة والوداد
قضى لك بالعُلى كرمُ السّجاياوما أُوتيتَ من كرم الوِلاد
أَبُّثك وَحْشتي لك واشتياقيإِليك وما لقيتُ من البِعاد
وإِني في دمشق ومَنْ حَوَتْهُلبُعدِك ذو اغتراب وانفراد
ومثلُك إِن تطلَّبَه خَبيرٌبهذا الخَلقْ ليس بِمُستفاد
أَنار بك الزمانُ فلا عَلَتْهُلفَقد عُلاك أَثوابُ الحِداد
وكتب إلي أيضاً في ابتداء مكاتبة:
يا عِمادي حين لا مُعْتمَدٌوصَدى صوْتيَ في الخَطْب المُلِمِّ
والذي بَوَّأَني من رأَيهفي أَعالي ذروة الطَّوْد الأشَمِّ
مُنذُ فارقُتك أُنْسي نافرٌوسَنا صُبحي كليلٍ مُدْلَهِمّ
فإِلى من أَشتكي شيئاً إِذاغاب عني مُشتكي طارقِ غمّي
وإِذا كنتَ مُعافىً سالماًفي اعتلاءٍ وسُعودٍ هان هَمّي
خادم المجلس العالي يخدم بالثناء والدعاء:
ويومئُ بالتحيّة من بعيدٍكما يومي بأصبعه الغريقُ
وعنده من الشوق مع قرب العهد إلي شهي رؤيته، والوحشة لخدمته، ما يعجز الأقلام شرحه، ويحرق الطرس لفحه، وهو ينحرف من مقام الاشتكاء، إلى مقام الدعاء، ويرغب إلى الله أن يكلأه بحفظه في سفره ومقامه، ويجزل حظه من فضله وإنعامه.
ووصلت منه مكاتبةٌ إلى الملك الناصر صلاح الدين في صفر سنة اثنتين وسبعين فقال لي القاضي الفاضل: خذها وأوردها في الخريدة والجريدة وهي:
لا زِلتَ يا مَلِكَ الإِسلام في نِعَمٍقرينُها المُسْعِدانِ: النَّصْر والظَّفَرُ
تُرْدي الأَعادي وتَسْتَصْفي ممالكَهمْوعونُك الماضيانِ: السَّيْفُ والقَدَر
فأَنت إِسكندرُ الدُّنْيا، بنُورِك قدتضاءل المُظْلمان: الظُّلْم والضَّرر
أَعدْتَ للدَّهر أَيّام الشباب وقدأظلَّه المُهْرِمان: الشَّيْبُ والكِبَر
وجاد غَيْثُ نَداك المسلمين فمِنْسحابه المُغْنِيان: الدُّرُّ والبِدَر
وسِرْتَ سِيرةَ عَدْلٍ في الأَنام كماقضى به الصَّادقان: الشَّرْع والسُّوَر
فَفُقْ بنصرٍ على الكفار إنّهميُرْديهمُ المُهْلِكان: الغَدْرُ والأَشرُ
ثَناهُمُ إِذْ رأَوْا إِقبالَ مُلْكهمُإِليهمُ المُزْعِجان: الخَوْف والحَذَر
وما الفِرار بمنُجْيهم وخَلْفَهُمُمِنْ بأسه المُدْرِكان: السُّمْرُ والبُتُر
وسوف يعفو غداً منهم بصارِمهوجيشِه المُخْبِران: العَيْنُ والأَثَر
ولو رَقُوا في ذُرى ثَهْلانَ أَسْلَمَهُمْلسيفه العاصمان: الحِصْنُ والوَزَر
قضى بتفضيله عمَّنْ تقدّمهما اسْتُودِع المُخبران: الكُتْبُ والسِّيَر
عَدْلٌ به أَمِنَ الشاءُ المُهَمَّل أَنيروعَه الضّاريان: الذئبُ والنَّمِر
وَجُودُ كَفٍّ إذا انْهَلَّتْ تفرَّقَ فيتيّارها الزاخِران: البحرُ والمطر
مكارمٌ جُمِعَتْ فيه، توافَقَ فيتَفْضيلها الأَكرمان: الخُبْرُ والخَبَر
فاسلم وعِشْ وابقَ للِإسلام ما جَرَتِ الْأفلاك والنَّيِّران: الشمسُ والقمر
بنَجْوَةٍ من صورف الدهر يقصُر عنمَنالها المُفْسدان: الخَطْبُ والغِيرَ
المملوك لبعده عن خدمة مولاه قد أنكر الزمان، فما هو الذي كان، وأوهت الأيام ما أبقته من يسير قوته، واسترجعت ما أعارته من ضعيف نهضته، وأذاقته طعم الاغتراب، وأدخلت عليه الهم من كل باب، فهو في زاوية المنزل، عن كلمات الناس فيه بمعزل، فهو كما قال:
أَنا في أَهِل دمشق وهُمُعددُ الرَّمْلِ وحيدٌ ذو انفراد
ليس لي منهم أَليفٌ وشَّجَتْبيننا الأُلْفةُ أَسبابَ الوِداد
يحسبوني إنْ رأَوْني وافداًقد أَتاهم من بقايا قومِ عاد
وانفِرادي رَشَدٌ لي والهوىأَبداً يصرِف عن سُبْل الرَّشاد
وقد سألني أن أنتجز له مطلوباً عند الملك الناصر فكتب إلي يستحثني:
عمادَ الدّين مَوْلانا جَوادٌمَواهبه كمُنْهَلّ السّحابِ
يُحكِّم في مَكارمه الأَمانيولو كلَّفْنَهُ ردَّ الشباب
وعُذرك في قضا شُغلي قَضاءٌيُصرِّفه فما عُذْرُ الجواب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع