تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

الفقيه أبو المجد مَعدان بن كثير بن الحسين البالِسيّ

وبالس مدينة بالشام بين الرقة وحلب، معدن الذكاء والفهم، كثير الرقة واللطف في النّظم، محسن الشِّعر مُجيده، مقبول القول سديده، أوحد العصر فريده. حكى لي سيِّدنا الصفوة البالِسيّ المُعيدُ بالنِّظامِيَّة ببغداد في أواخر جُمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة بها أن الفقيه مَعدان البالسي كان في زمان أبي بكر الشاشي تلميذه في النظامية يتفقَّه عليه فأنشده يوماً من قصيدةٍ مدحه فيها:

يا كعبةَ الفضل افْتِنا لِمْ لَمْ يَجِبْفرضاً على قُصّادِكَ الإحرامُ
ولِما تُضَمِّخُ زائريكَ بطيب ماتُلقيه وهو على الحجيج حرامُ

ثمَّ طالعت ما صنَّفه أبو سعد عبد الكريم السَّمعاني، وسمّاه المُذيّل لتاريخ بغداد وذلك في سنة ست وخمسين وخمسمائة ببغداد وكان بعد التاريخ من مرو إلى بغداد قبلها بسنة، فقرأْت فيه تمام غزل هذه القصيدة قال: أنشدني أبو الحسن علي محمويَه اليَزْدِيّ قال: أنشدَنا الفقيه مَعدان البالسي لنفسه وقتَ التَّفقُّه يمدح شيخنا أبا بكرٍ الشّاشيّ:

نظرَ العواذلُ ما نظرتُ فهاموامن بعدِ ما عنُفوا عليَّ ولاموا
وعلَتْ لسُلطان الهوى عزَماتُهُمإذْ عنَّ جيشُ الحُسنِ وهو لُهامُ

أقول لعلَّه قال: وعنَتْ، لأجل التَّجنيس لكنَّ المَروي: وعلت.

وبه منَ الهِيفِ الرِّشاقِ ذَوابِلٌومنَ اللِّحاظِ صَوارِمٌ وسِهامُ
جَيْشٌ به ذَلَّتْ ضراغِمُ بِيشَةٍعند اللِّقاءِ وعَزَّتِ الآرامُ
ما بَيْنَه إذ بثَّ رائعَ سِرْبهسرباً وبين الناظرينَ ذِمامُ
فاحْفظْ فؤادَك من نِصالِ ذوابلٍإن أُشرِعَتْ لم يُنْجِ منها اللامُ
وغَريرةٍ إن سَلَّ صارِمَ لحظِهاتيهُ الدَّلال ففي القلوب يُشامُ
أَدْمَاه مُغْزِلَة إذا ما بَغَّمَتْضَجَّ الزَّئيرُ وثعْلَبَ الضِّرْغامُ
بدويّة لولا تأرُّجُ طيبِهاما طابَ شِيخٌ بالفَلا وثُمامُ
عَرَضَ الفِراقُ على الفريق جمالَهاما كلُّ ما عَرَضَ الغَيورُ يُسام
ولربّما غَرَّ الجَهولَ جبينُها الْوضَّاحُ ثم وثغرُها البسّام
والسيفُ مُبْتَسِمُ الفِرَنْد وعندهحَدٌّ تُجَذُّ به الطُّلى والهامُ
يا صاحِبَيَّ ذَرا المَلامَ فقلّمايَثْنِي عن القَصدِ الجَموحِ لِجامُ
ولربّما سَكَنَتْ صَبابَةُ مُدْنِفٍيَأْسَاً فحرَّكَها عليه مَلامُ
مَن لي بتَسْكين الفؤادِ إذا خَفابَرْقٌ وناح معَ العَشِيِّ حَمامُ
كُفّا فكلُّ لَذاذةٍ لرِضاعِهاحَتْمَاً من الدهر الخَؤونِ فِطامُ
ومُنَعَّمٍ لا وَصْلُه في يَقْظَةٍيُرْجى ولا تسخو به الأحلامُ
في وَجْنَتَيْه ومُقْلتيْه وريقِهوَرْدٌ يشوقُ ونَرْجِسٌ ومُدامُ
البدرُ وجهٌ والأَقاحي مَبْسِمٌوالدِّعْصُ رِدْفٌ والقضيبُ قَوامُ
مِن سَيْفِ ناظرِه وصَعْدَة قَدِّهِيَتَعَلَّمُ الخَطِّيُّ والصَّمْصامُ
ضَلَّ الأنامُ به فلم يَرَ بعدَهإبليسُ أنْ لا تُعْبد الأصنامُ
ولقد خَشِيتُ فُتونَه فأجارنيعَزْمٌ يَفُلُّ الخَطْبَ وهو حُسامُ

ومنها في المدح:

قد قلتُ للمُتَكَلِّفين لِحاقَهكُفُّوا فما كلُّ البحور يُعامُ
غَلَّسْتَ في طُرُقِ الرَّشادِ وهَجَّرواوسَهِرْتَ في طلبِ المَعادِ وناموا
هيهاتَ أينَ من النعائم مَذْهَباًومقاصداً ما تقصِد الأنعامُ

والبيتان اللذان سبق ذكرهما وما أعدتهما. وراوية هذه القصيدة علي مَحْمُويه اليَزديّ شيخي سمعت عليه الحديث ولي منه إجازة فيجوز أن أرويها عنه إجازة.

وأنشدني سيدنا الصفوة البالسي معيدنا للفقيه معدان في غلام يدلّكه القيّم في حمام بيتين، كدُرّتين توأمين، أنشأهما، وما سبق إلى معناهما، وهما:

بُشْرى لقَيِّمِه إذْ باشرتْ يدُهجِسْماً تَوَلَّدَ بين الماءِ والنورِ
ما زالَ يُظْهِرُ لُطْفاً من صناعتهحتى جَنى المِسْكَ من تِمْثالِ كافورِ

وأنشدني له في غلام من آل ظبيان، قوم بالشام:

يا آلَ ظبيان ما أغناكُمُ شَرفاًصَرْعُ الفوارس بالعَسّالِةِ الذُّبُلِ
حتى تفَرَّس من أبنائِكم رَشَأٌفصار يَصْرَعُ أُسْدَ الغِيل بالمُقَلِ

وحكى لي أنه كان في أيامه شاعر بدمشق يقال له المُشتهى وكان مٌستهتراً بغلامٍ أسنانه قُلْحٌ، وما كان يسمح خاطره بوصف صفرة ثناياه، فسأل الفقيه معدان البالسي أن يعمل أبياتاً فعمل:

ومُشَهَّرٍ غَضَّتْ مَحاسِنُهعنه العيونَ فصارَ مُحتجِبا
خافتْ ثناياه القِصاصَ وقدسَفَكَتْ دمي فتصفَّرتْ رُعْبا
فكأنَّما رَصّافُ مَبْسِمِهحَقَرَ اللُّجَيْنَ فصاغَهُ ذَهَبَا

وقال له: قد صرّحتُ بالصفرة فيها ولكن أنظِم غيرها، فنظم تلك الليلة:

وبابليِّ اللِّحاظِ يمزُج ليكَأْسَيْن من طَرْفِه ومن فَمِهِ
تَظْمَا إلى ريقِه مَراشِفُناورِيُّها تحت وَرْدِ مَلْثَمِهِ
من واضحٍ يحسب الحَسودُ بهتصَفُّراً، ضلَّ في توَهُّمِهِ
وإنما تيكَ خَمْرُ ريقتِهتَشِفُّ من تحت دُرِّ مَبْسِمِهِ

فقال له المشتهى: إن معك جِنّيّاً ينظم لك الشعر.

أقول هذه أبيات نوادر، كأنها جواهر، في صفرة الأسنان ومدحها لم يسبقه إلى معناه شاعر، ولم يسمح بأحسن منها خاطر، أرق من شكوى الحبيب، وأطيب من غفلة الرقيب، ولم يقع إلي من شعره أكثر مما أوردته، وإن ظفرت بشيء آخر واستحسنته أثبتّه.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.