من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
القاضي ثقة الملك أبو علي الحسن بن علي بن عبد الله بن أبي جرادة
من أهل حلب، سافر إلى مصر وتقدم على وزرائها وسلاطينها خاصة عند الصالح أبي الغارات ابن رُزّيك، وهو من بيت كبير من حلب، وذو فضل غزير وأدب، وتوفي بمصر في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، ومن سائر شعره ما يغنَّى به، أنشدني له بعض أصدقائه بدمشق:
يا صاحبيَّ أَطيلا في مؤانستيوذكِّراني بخُلاّنٍ وعُشّاق
وحَدِّثاني حديث الخَيفِ إنَّ بهرَوحاً لقلبي وتسيلاً لأخلاقي
ما ضرَّ ريحَ الصَّبا لو ناسَمَتْ حُرَقيواستنقذَتْ مُهجَتي من أسْرِ أَشواقي
داءٌ تقادم عندي، مَن يُعالجُه؟ونَفثَةٌ بلغَتْ مِنّي، مَنِ الرّاقي؟
يفنى الزَّمانُ وآمالي مُصَرَّمةٌمِمَّن أُحِبُّ على مَطْلٍ وإملاق
يا ضيعةَ العمْر لا الماضي انتفعْتُ بهولا حصلت على علمٍ من الباقي
وأنشدني الشّريف إدريس بن الحسن بن علي بن يحيى الحسني الإدريسي المصري لابن أبي جرادة قصيدةً في الصالح بن رُزّيك يذكر قيامه بنصر أهل القصر بعد فتكة عباس وزيرهم بهم وقتله جماعةً منهم وقيام ابن رزّيك في الوزارة أَولها:
مَنْ عَذيري مِنْ خليلي مِن مُرادِمَن خفيري يوم أرتاد مُرادي
ومنها في مدحه:
حامل الأعباء عن أهل العَباآخذٌ بالثّأْر من باغٍ وعاد
من عُصاةٍ أضمروا الغدر فهمأهل نَصْبٍ ونِفاق وعِناد
قتلوا الظافر ظلماً وانتحَوالبني الحافظ بالبيض الحِداد
واعتدى عبّاس فيهم وابنُهفوق عُدْوان يزيد وزياد
مثل سَفرٍ قتلوا هاديَهمْثم ضَلّوا مالهم من بعدُ هادِ
جاءهم في مثل ريحٍ صرصرٍفتولّوا مثل رَجْلٍ من جراد
بعد ما غرَّهُمُ إملاؤهولهيب الجمر من تحت الرَّماد
وتظَنَّوا أَنْ سترتاعُ بهمهل تُراعُ الأُسْدُ يوماً بالنِّقاد
وأنشدني لابن أبي جرادة في ابن رزّيك لما قتل ابن مدافع محمداً سيّد لوائه قبل الوزارة من قصيدة:
لعَمري لقد أفلح المؤمنونابحَقٍّ وقد خسر المُبطلونا
وقد نصر الله نصراً عزيزاًوقد فتح الله فتحاً مُبينا
بمن شاد عُلياهُ واختارهولقَّبه فارس المسلمينا
وكان محمد ليثَ العرينفأَخلى لعَمرُك منه العرينا
وقد كاد أن يتبين الرّشادفأعجله الحَيْن أنْ يستبينا
ولا بدَّ للغاصب المُستدينعلى الكُره من أنْ يُوَفّي الدُّيونا
ومن يخذُل الله ثمَّ الإمامَفليس له اليوم من ناصرينا
ولمّا استجاشت عليه العِدىوشبَّ له القوم حرباً زَبونا
سقاهم بكأْسٍ مريرِ المَذاق لا يَعذُبُ الدَّهرَ للشاربينا
وأشبعَ منهم ضِباعَ الفلاةفظلُّوا لأَنعُمِه شاكرينا
وأنشدني الأمير مرهف بن أُسامة بن منقذ، قال: أنشدني أبو عبد الله بن أبي جرادة لنفسه:
لَهفي لفَقد شبيبةٍكانت لديَّ أجَلَّ زاد
أنفقْتُها مُتَغَشْمِراًلا في الصلاح ولا الفساد
ما خِلْتُ أَنّي مُبتلىًبهوى الأصادِق والأعادي
حتى بكَيْتُ على البياضِ كما بكيت على السّواد
قال ومن شعره قوله:
أَحبابَنا شَفَّنا لِهَجركُمُوبُعدِنا من وِصالِكُمْ، خَبَلُ
فإن قطعنا لا تَحفِلون بناوإن وصلناكُمُ فلا نصِلُ
فأرشدونا كيفَ السبيلُ فقدضاقت بنا في هواكُمُ الحِيَلُ
شأْنُ المحِبِّين أنْ يدوموا على الْعَهد وشأْنُ الأحِبَّة المَلَل
ثم طالعت بمصر ديوانه فكتبت منه ما ارتضيتُه، وذَخَرت من نقده ما وفَّيته حق الانتقاد، وأنجزته بعد ما اقتضيته. فمن ذلك قوله:
لقاؤكَ أغلى من رُقادي على جفنيوقُرْبُكَ أَحلى من مُصاحَبة الأمن
أَيا مَنْ أَطَعْتُ الشوقَ حتى أتيتُهوأَيقنتُ أَنّي قد لجأْتُ إلى رُكْنِ
لئن لم أَفُزْ منكَ الغَداةَ بنظرةٍتُسَهِّلُ من وَعرِ اشتياقي فواغَبْني
وقوله:
وَجدٌ قديمٌ وهوىً باقِونظرةٌ ليس لها راقِ
ودمعُ عينٍ أبداً حائرٌليس بمنهَلٍّ ولا راقِ
أَحبابنا هل وَقفةٌ باللِّوىتُسعِفُ مُشتاقاً بمُشتاق
وهل نُداوَى من كُلوم النَّوىبلَفِّ أَعناقٍ بأعناق
ما زلتُ من بينِكُمُ مُشْفِقاًلو أنَّه ينفع إشفاقي
أعوم في لُجَّة دمعي إذاما أُضرِمَتْ نيرانُ أَشواقي
وَجْدي بكم نَقْدٌ، وميعادُكممُنكسرٌ في جملة الباقي
يا ساقياً خمرةَ أجفانهلهفي على الخمرة والساقي
أما تخافُ الله في مُقلةٍلا عاصمٌ منها ولا واقِ
كأَنَّها كَفُّ الأَجَلِّ انبرَتْتَعْدو على المال بإنفاق
وقوله:
إنَّ بين السُّجوف والأرواقِفتنةً للقلوب والأحداق
ومَريضُ العهودِ تُخبرُ عَيْناهُ بما في فؤاده من نِفاق
أنا منه في ذِلَّةٍ وخُضوعٍوهو مني في عِزَّة وشِقاق
سدَّدَ السَّهْمَ من جفونٍ إذا مافُوِّقَتْ لم يكن لها من فواق
وليالٍ من الصِّبا بتُّ أَسْتَعْرِضُ فيها نفائس الأعلاق
حيث لا نَجمُها قريبٌ من الغربِ وليست بُدورُها في مَحاق
فُزْتُ بالصَّفْو في دُجاها ولم أَدْرِ بأَنَّ الإشراقَ في الإشراق
يا خليليَّ هل إلى معهد الحَيِّسبيلٌ للهائم المُشتاق
إنَّ وَجدي به وإن طال عهديلحديدُ القُوى سديدُ الوَثاقِ
مثلُ وَجد القاضي المُوَفَّق بالمجدِ وقِدماً تصاحَبا بوِفاق
ذاكَ مولىً كأنَّما سلَّم اللَّهُ إليه مفاتح الأرزاق
ذو مَعالٍ مُقيمةٍ في ذُراهوثناءٍ يسيرُ في الآفاق
وندىً لا يزال يدأبُ في طُرْقِ النَّدى سائراً إلى الطُّرّاق
وقوله كتبه إلى أخيه بالشام من مصر:
فؤادٌ بتَذكار الحبيب عميدُوشوقٌ على طول الزّمان يزيد
وعينٌ لبعد العهد، بين جُفونِهاقريبٌ، ولكن اللقاء بعيد
وما كنت أدري أنَّ قلبي صابرٌوأنّي على يوم الفراق جليد
ومنها:
أريدُ من الأيّام ما لست واجِداًوتوجدُني ما لا أكادُ أُريدُ
وقوله:
سريرةُ حُبٍّ ما يُفَكُّ أَسيرُهاولوعةُ قلبٍ ليس يخبو سعيرُها
ونفسٌ أبتْ أنْ تعرف الصبر عنكُمُوكيف وأنتمْ حُزنُها وسرورها
وهل حاملٌ منّي إليكم تحيَّةًإذا تُليَتْ يوماً يضوعُ عبيرها
ومنها:
رعى اللهُ أَيّامَ الصِّبا كلَّما هفَتْصَباً، فشفى مرضَى القلوب مُرورُها
فهل لي إلى تلك المنازل رَجعَةٌأُجَدِّد من وَجدي بها وأزورها
لئنْ نزحَتْ داري فإنَّ مودَّتيعلى كدَر الأيّام صافٍ غديرُها
وقوله فيمن تردَّد إليه فتعذَّر لقاؤه عليه:
عزَّني أنْ أراكَ في حالة الصَّحْوكما عَزَّني أوانُ المُدام
وكما لا سبيل أن نتناجىمن بعيدٍ بألسن الأقلام
فعليك السّلامُ لم يبقَ شيءٌأَترجّاه غيرُ طيف المنام
وقوله من قصيدة:
يا غائبين وما غابت مودَّتُهمهل تعلمون لمن شَفَّ الغرامُ شِفا
إن تَعتِبوني فعندي من تذَكّرِكُمْطَيْفٌ يُطالع طَرفي كلما طَرَفا
أو تجحدونيَ ما لاقيتُ بعدَكُمُفلي شواهدُ سُقمٍ ما بهِنَّ خَفا
واهاً لقلبٍ وهى من بعدِ بينكُمُوكنتُ أعهد فيه قوَّةً وجَفا
فالريح تُذكي الجَوى فيه إذا نفحتْوالوَجد يقوى عليه كلّما ضعُفا
فارقتُكم غِرَّةً مني بفرقتكمْفلم أجد بدلاً منكم ولا خلَفا
ومنها:
وقد فضَضْتُ لعَمري من كتابكُمُما يشبه الوُدَّ منكم رقَةً وصفا
فبِتُّ أَستافُ منه عنبراً أَرِجاًطَوراً وأنظرُ منه روضةً أُنُفا
أودُّ لو أنّني من بعض أسطرهشوقاً وأحسد منه الّلام والألِفا
آليتُ إن عادَ صرْفُ الدَّهر يجمعُنالأَعفوَنَّ له عن كلِّ ما سلفا
لهفي على نفحةٍ من ريح أرضكُمُأَبُلُّ منها فؤاداً مُوقِراً شَعِفا
ووَقفةٍ دونَ ذاكَ السَّفح من حلبٍأَمُرُّ فيها بدمعٍ قَطُّ ما وقفا
أنفقتُ دمعي قصداً يومَ بينكُمُلكنَّني اليومَ قد أنفقتُه سَرَفا
ما لي وللدهر ما ينفكُّ يقذفُ بيكأنني سهمُ رامٍ يبتغي هدفا
وقوله:
ما على الطَّيف لو تعمَّد قَصديفشفا غُلَّتي وجَدَّد عهدي
وأتاني ممن أحبُّ رسولاًوانثني مُخبراً حقيقةَ وَجدي
إن أحبابنا وإن سلكوا اليوْمَ، وحاشاهُمُ، سبيلَ التَّعدِّي
ونسُونا فلا سلامَ يوافيبوفاءٍ منهم ولا حُسْنَ رَدِّ
لهُمُ الأقربونَ في القرب منّيوهمُ الحاضرونَ في البعد عندي
ما عهِدناهُمُ جُفاةً على الخِلِّ ولكن تغيَّر القوم بعدي
ليتهم أسعفوا المحِبَّ وأَرْضَوهُ بوَعْدٍ إذ لمْ يجودوا بنَقد
حبَّذا ما قضى به البينُ من ضمٍّ ولثْمٍ لو لمْ يشُبْهُ ببُعْدِ
لكَ شوقي في كلِّ قربٍ وبعدوارتياحي في كلِّ غَورٍ ونَجد
ولئن شطَّ بي المَزارُ فحسبيأنني مُغرَمٌ بحبِّك وحدي
وقوله من أبيات كتبها إلى الأمير مؤيد الدين أسامة بن منقذ:
أحبابَنا فارقتُكُمْبعد ائتلافٍ واعْتِلاق
وصفاءِ ودٍّ غير مَمْذوقٍ ولا مُرِّ المَذاق
ووثائقٍ بينَ القلوب تظَلُّ مُحكمةَ الوِثاق
نفَقَتْ بسوق المَكْرُماتِ فليس فيها من نِفاق
لكنني وإن اغتربْتُ وعَزَّني قربُ التلاقي
لا بدَّ أن أتلو حقيقةَ ما لقيتُ وما أُلاقي
أمّا الغرامُ فما يزالُ به التّراقي في التّراقي
وكذلكُمْ وَجدي بكمباقٍ وصبري غيرُ باق
وطليق قلبي مُوثَقٌوحبيسُ دمعي في انطلاق
ومنها:
أَمْلَلْتُهُمْ مِن طول ماأَمْلَلْتُهُمْ وصفَ اشتياقي
يا ويحَ قلبي ما يزال صريع كاسات الفراق
بل ليتَ أيّامي الخوالي باقياتٌ لا البواقي
وقوله:
غرامٌ بدا واشتهرووَجْدٌ ثوى واستقرّْ
وجسمٌ شجَتْه النَّوىفلِلسُّقْمِ فيه أَثَرْ
وقلبٌ إلى الآن ماعلمتُ له من خبَر
وليلٌ كيوم الحساب ليس له من سحَرْ
ولي مقلةٌ ما يزال يعدو عليها السَّهَر
كأنَّ بأجفانهاإذا ما تلاقت قِصَرْ
بنفسيَ من لا أراهُ إلاّ بعين الفِكَرْ
ومَن لستُ أسلو هواهُ واصَلني أم هجَرْ
ألينُ له إن جفاوأعذره إن غدر
وأركبُ في حبِّهعلى الحالتينِ الخطرْ
وقوله:
عنَّفَ الصّبَّ ولو شاءَ رَفَقْرَشأٌ يرشُق عن قوس الحَدَقْ
فيه عُجْبٌ ودلال وصِباًوتَجَنٍّ ومَلالٌ ونزَق
ليَ منه ما شجاني ولهمن فؤادي كلُّ ما جلَّ ودَقّْ
ومنها:
يا خليلَيَّ أَعيناني علىطول ليلٍ وسَقامٍ وأَرَقْ
أتظنّان صلاحي مُمكناًإنَّما يَصْلُح مَن فيه رمَقْ
وقوله:
ما على طيفِكُمُ لو طرقافشفى منّا الجوى والحُرقا
ومنها:
قاتل الله فؤاداً كلَّماخفَقَ البرقُ عليه خَفَقا
وجُفوناً بَلِيَتْ مُذْ بُدِّلَتْمنكمُ بعد نعيمٍ بشقا
وبنفسي شادنٌ يوم النَّقاكهلالٍ في قضيبٍ في نَقا
أسرتني نظرةٌ من لحظهفاعجَبوا مني أَسيراً مُطلَقا
وبِوُدّي عاذِرٌ من غادرٍنكثَ العهدَ وخان المَوثِقا
لم أزل أصحَبُ في وَجدي بهجسداً مُضنىً وطَرفاً أَرِقا
يا خليليَّ على الظَّن ومَنْليَ لو أَلقى خليلاً مُشفِقا
حَلِّلاه ما سبى مِن مُهجَتيواستذِمّاهُ على ما قد بقا
وانشُدا قلبي وصبري فلقدذهبا يوم فراقي فِرَقا
وقوله:
مَن صَحَّ عُقدةُ عَقدِهوصفَتْ سريرَةُ وُدِّه
لم يعترض في قربهرَيْبٌ ولا في بعده
وقوله مما يُكتب على سيف:
أنا في كفِّ غلامٍبأْسُه أَفْتَكُ مِنّي
أنا عند الظَّنِّ منهوهو عند الظَّن منّي
وقوله كتبه إلى أخيه:
هل لِلمُعَنّى بَعد بُعد حبيبهإلاّ اتِّصالُ حَنينِه بنحيبِه
جُهدُ المُحبِّ مَدامِعٌ مَسجومَةٌليست تقومُ له بكشف كُروبِه
أَحبابَنا بانَ الشَّبابُ وبِنتُمُعن مُدنَفٍ نائي المحلّ غريبه
أمّا المدامعُ بعدكم فغزيرةٌوالقلبُ موقوفٌ على تعذيبه
لي أُلفةٌ بالليل بعد فراقكموالنَّجمِ عند شُروقه وغُروبه
وأكاد من ولَهي إذا ما هبَّ ليذاك النَّسيمُ أطيرُ عند هُبوبه
وقوله من قصيدة:
بِوُدّي لو رَقّوا لفيض دموعيومَن ليَ لو مَنُّوا برَدِّ هُجوعي
بُليتُ بمُغتال النَّواظِر مُولَعٍبهجري، ولا يرثي لطول وَلوعي
فحَتّامَ أَدنو من هَوى كلِّ نازحٍوأرعى بظهر الغيب كلَّ مُضيع
وهل نافعي أَنّي أَطعتُ عواذليإذا ما وجدتُ القلبَ غيرَ مُطيع
وما ليَ أخشى جَورَ خصميَ في الهوىوخصمي الذي أَخشاه بين ضلوعي
فيا ويحَ نفسي من قِسِيِّ حواجِبٍلها أسهمٌ لا تُتَّقى بدروع
ومن عَزْمَةٍ أَذْكَتْ غرامي وأَبعدَتْمَرامي وأَلقتني بغير رُبوع
وقوله من أُخرى:
عُهودٌ لها يومَ اللِّوى لا أُضيعُهاوأَسرارُ حبٍّ لستُ ممَّن يُذيعها
أَصاخَتْ إلى الواشينَ سمعاً ولم يزليقولُ بآراءِ الوُشاة سَميعُها
ومنها:
وما كان هذا الحبُّ إلاّ غَوايةًفوا أَسفا لو أَنّني لا أُطيعُها
تقضَّتْ ليالٍ بالعقيق وما انقضتلُبانةُ صَبٍّ بالفريق وَلوعُها
ولمّا أفاضَ الحيُّ فاضتْ حُشاشَةٌأَجَدَّ بها يومَ الوداع نُزوعُها
وقفنا وللألحاظ في مَعْرَك النَّوىسِهامُ غَرامٍ في القلوب وُقوعُها
ومنها:
وبِيضٍ أَعاضَتني نَواها بمثلهاأَلا رُبَّ بِيضٍ لا يَسُرُّ طُلوعُها
خلعتُ لها بُردَ الصِّبا عن مناكبيوعِفْتُ الهوى لمّا عَلاني خليعُها
وقوله كتبها إلى والده يتشوَّقه:
شوقي على طول الزّمانِ يزيدُ في مِقداره
وجَوى فؤادي لا يَقِرُّ وكيف لي بقراره
والقلب حِلفُ تقلُّبٍوتحَرُّقٍ في ناره
والطَّرْفُ كالطِّرْفِ الغريق يعومُ في تيّاره
وتأسُّفي وتلهُّفيباقٍ على استمراره
من ذا يرِقُّ لنازِحٍعن أهله ودياره
لعبَ الزّمانُ بشَمْلهوقضى ببُعد مَزارِه
فالسُّقمُ من زُوّارهوالهَمُّ من سُمّاره
والصبر من أعدائهوالدمع من أنصاره
وهمومُه مقصورةٌأبداً على تذكاره
وقوله إلى القاضي الأجلّ الأشرف ابن البيساني متولي الحكم بعسقلان:
لعلَّ تَحَدُّرَ الدَّمع السَّفوحِيُسَكِّنُ لوعة القلب القريحِ
وعلَّ البرقَ يروي لي حديثاًفيرفعهُ بإسنادٍ صحيحِ
ويا ريحَ الصَّبا لو خبَّرتنيمتى كان الخيامُ بذي طُلوحِ
فلي من دمع أجفاني غَبوقٌتُدار كؤوسه بعد الصَّبوح
وأشواقٌ تقاذف بي كأنيعَلَوْتُ بها على طِرْفٍ جَموح
ودهرٌ لا يزال يحُطُّ رحليبمَضْيَعةٍ ويُرويني بِلُوحِ
كريمٌ بالكريم على الرَّزاياشحيحٌ حين يُسأَل بالشَّحيح
وأيّامٌ تُفرِّقُ كلَّ جَمعٍوأحداثٌ تجيزُ على الجريح
فيا لله من عَوْدٍ بعُودٍومِنْ نِضْوٍ على نِضوٍ طليحِ
وأعجبُ ما مُنيتُ به عِتابٌيؤرِّقُ مُقلتي ويُذيبُ روحي
أتى من بعد بُعدٍ واكتئابٍوما أنكى الجروح على الجروح
وقد أُسرى بوجدي كلُّ وفدٍوهَبَّتْ بارتياحي كلُّ ريح
سلامُ الله ما شَرَقَتْ ذُكاءٌوشاق حنينُ هاتفةٍ صَدوح
على تلك الشَّمائل والسَّجاياوحسن العهد والخُلُق السَّجيح
على أُنْس الغريب إذا جفاه الْقريبُ ومَحْتِد المجدِ الصَّريح
على ذي الهِمَّة العَلياء والمِنَّةِ البيضاءِ والوجهِ الصَّبيح
ومنها:
صَفوحٌ عن مؤاخذة المَواليوليس عن الأعادي بالصفوح
هُمامٌ ليس يبرَح في مقامٍكريم، أو لدى سعي نجيح
حديدُ الطَّرف في فعلٍ جميلٍوقورُ السَّمع عن قولٍ قبيح
مددتُ إليه يدي فشدَّ أزريوذادَ نوائب الدَّهر اللَّحوح
وفزتُ بوُدِّه بعد ارتيادٍولكن صدَّني عنه نُزوحي
وما أدركت غايته بنظميولو أدركت غايةَ ذي القروح
ولكني وقفت على عُلاهعَتادي من ثناءٍ أو مديح
وقوله من قصيدة:
إلامَ ألومُ الدَّهر فيكمْ وأعْتِبُوحتّامَ أرضى في هواكمْ وأغضبُ
أما مِن خليلٍ في الهوى غير خائنٍأما صاحبٌ يوماً على النُّصح يصحَب
بأَيَّةِ عُضوٍ ألتقي سَورةَ الهوىولي جسَدٌ مُضنىً وقلبٌ معذَّبُ
عذيريَ مِنْ ذِكرى إذا ما تعرَّضتتعرَّضَ لاحٍ دونها ومؤنِّبُ
ومنها:
أرى الدَّهرَ عوناً للهموم على الفتىوضِدّاً له في كلِّ ما يتطلَّب
فأبعَدُ شيءٍ منه ما هو آمِلٌوأقرب شيءٍ منه ما يتجنَّبُ
وقد يحسب الإنسان ما ليس مدرِكاًكما يدرِكُ الإنسانُ ما ليس يحسب
وقوله من قصيدة كتبها إلى والده سنة ثلاث وأربعين:
ظنَّ النَّوى منك ما ظنَّ الهوى لَعِبَاوغرَّه غَرَرٌ بالبَيْنِ فاغْتربا
فظلَّ في رِبْقَةِ التَّبْريح مُؤْتَشِباًمَن مات من حُرْقَةِ التَّوديع مُنْتَحِبا
مُتَيَّمٌ في بني كعبٍ به نسبٌلكنه اليوم عُذْريٌّ إذا انتسبا
أجاب داعي النَّوى جهلاً بموقِعهافكانَ منها إلى ما ساءه سببا
يا عاتِبَيَّ رُوَيْداً من مُعاتَبتيفلستُ أوّلَ مُخْطٍ في الورى أَرَبَا
رُدّا حديثَ الهوى غَضّاً على وَصَبٍيكادُ يقضي إذا هبَّتْ عليه صَبا
وجَدِّدا عهده بالسَّمع عن حلبٍفإنَّ أَدْمُعَه لا تَأْتَلي حَلَبَا
ومنها:
للهِ قلبي ما أغرى الغرامَ بهوحسنُ صبريَ لولا أنه غُلِبا
يا قاتلَ اللهُ عَزْمَاً كنتُ أَذْخَرُهرُزِيتُه في سبيل الحب مُحْتَسِبا
إذا تفَكَّرْتُ في أمري وغايتِهعَجِبْتُ حتى كأني لا أرى عَجَبَا
ومنها:
أَسْتَودِع اللهَ أحباباً أُشاهِدهمْبعين قلبي وليستْ دارُهم كَثَبَا
أصبحتُ لا أرتجي مِن بعد فُرْقتهمخِلاًّ أُفاوضه جِداً ولا لَعِبَا
فإن سُرِرتُ فإني مُضْمِرٌ حَزَنَاًأوِ ابْتسمتُ وجدتُ القلب مكتئِبا
وقوله:
قالوا تَرَكْتَ الشِّعرَ قلتُ لهمفيه اثنتان يعافُها حسبي
أمّا المديح فجُلُّهُ كذبٌوالهجوُ شيءٌ ليس يَحْسُنُ بي
وقوله في كسرِ الخليج بمصر:
حبَّذا كَسْرُ الخليجِوهو ذو مرأى بهيجِ
حبَّذا ما نحنُ فيهمِن دُعاءٍ وضجيج
والشَّواني فيه تجريكالصَّياصي في النَّسيج
نحن في جوِّ سماءٍما لَدَيْها من فُروج
كبُدورٍ في بُروجِأو سُطورٍ في دُروجِ
أو زُهورٍ في مُروجِأو ملوك في سروجِ
وله منها في المدح:
قلتُ إذ أقبل كالدرِّيِّ في الليلِ الدَّجُوجي
ما رأينا قطُّ بحراًسائراً نحو الخليج
وقوله من قصيدة:
من لي بأَحورَ قُربي في محبَّتهكالبعدِ، لكن رجائي منه كالياسِ
مُستعذِبٌ جَوْرَه فالقلب في يدهمُعذَّبٌ، ويدي منه على راسي
ودَّعْتُه مِن بعيدٍ ليس من مَلَلٍلكن خَشِيتُ عليه حَرَّ أنفاسي
وقوله:
ما ضرَّهُم يومَ جَدَّ البَينُ لو وقفواوزَوَّدوا كَلِفَاً يودي به الكَلَفُ
تخلَّفوا عن وَداعي ثُمَّتَ ارتحلواوأخلفوني وُعوداً ما لها خَلَفُ
ومنها:
أَسْتَودِعُ الله أحباباً أَلِفْتهُمُلكن على تَلَفي يوم النَّوى ائتَلفوا
تَقَسَّموني، فقِسْمٌ لا يُفارِقُهمْأَيْنَ اسْتَقلّوا وقسمٌ شَفَّه الدَّنَفُ
عَمْرِي لَئِنْ نَزَحَتْ بالبين دارُهمُعنّي فما نزَحوا دمعي ولا نزَفوا
يا حبّذا نظرةً منهم على وَجَلٍتكادُ تُنْكِرني طوْراً وتعترِف
وتوفي أبو علي بن أبي جرادة بالقاهرة في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع